المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
نافذة على الرمال (6)

- معالم -

 

    لا تراودني الأحلام كثيرا أثناء النوم، لكنها عندما تأتي تكون مليئة بالألوان والأحداث، وأذكر منها حلما ظهرت فيه وكأنني جالس على تلة عالية، أطل منها على عواصم العالم، وكان يجذبني فيها تصاميم عمارتها، ونقوش بيوتها، التي ترسم المعالم الثقافية لتلك البلدان، ولا يكون في هذا الحلم أبدا المدن الإسمنتية التي نسكنها، والتي غزتنا بتصاميم جميلة، لكنها لا تمت إلى بيئتنا بصلة.

 

    ما رأيته عندما خرجت من المسجد، كان أقرب إلى الرؤيا والخيال من منظر حقيقي، للحظة قصيرة شعرت أن هذه هي الجنة، وأن رجلي حين خطت خارج المسجد قد دخلت إلى عالم آخر، عالم مليء بالجمال، والسحر، والبراءة، عالم أخرجني من وادي النخيل، إلى وادي الأحلام.

 

    فقد كانت الشمس تطل بأطراف شعاعها حول المكان، فبدت الجبال الحمراء المحيطة بالوادي كذراع يحضن القرية، والضوء الأزرق الهادي للفجر يلامس التربة السمراء، وينعكس على برك الماء حول المكان، والتي يمر فوقها أسراب من طيور القطا، المحلقة صوب أشجار السمر، والمرخ، والثمام، المنتشرة على ضفاف الوادي. ولم يكن يتمم هذا المنظر إلا صوت الماء النازل على شكل شلالات صغيرة في المصاب الصخرية.

 

    في هذه اللحظة تمنيت لو كنت أكملت دروس الرسم التي بدأتها صغيرا، وأني بقيت في "نادي الفن التشكيلي" الذي أنشأته مع ثلاثة من أصحابي، فكنا نذهب إلى القرى المهجورة المجاورة للرياض، لنرسم دون توقف، الأبواب القديمة الملونة، وبيوت الطين الأثرية، وأشجار الأثل التي تنمو داخل الجدران، كم كانت جميلة تلك الأيام، وكم كنا جميلين نحن أيضا، ونحن نعتب على أهلنا أن تركوا هذه الأماكن الساحرة، ليسكنوا في غابات الأسمنت.

 

        ودائما ما كان يخطر في بالي، لو كنت مسئولا عن العمارة في مدينة كالرياض، لأجبرت كل مهندس ومصمم على الحضور لمثل هذا المكان، والعيش فيه فترة من الزمن، حتى يتشرب المعالم السعودية، ، فهنا في هذه البيئة البكر، تستطيع أن تجد الهوية السعودية الحقيقية في التصميم.

 

    هذا المنظر الحالم، أعاد إلي ذكرى الرواية الأخيرة التي كنت أقرائها قبل قدومي إلى هنا، مكتوب على غلافها "أسمي أحمر"، ومذيلة بكاتبها "أورهان باموق"، ذلك الروائي التركي الرائع، الذي كان مرشحا لينال أرفع درجات الكتابة، ويسجل أسمه في التاريخ، كأحد الحاصلين على جائزة نوبل للأدب، حيث يحكي الراوي قصة فن التصميم الإسلامي، ويقوم في أحد أجزائها بتقمص شخصية شجرة رسمها فنان، فتخاطبنا تلك الشجرة معبرة عن ما يخالجها من أحاسيس، وطموحات، ومخاوف. إني أسمع الأشجار هنا تحكي لي نفس الكلمات، كما سمعها باموق، وتبث لي شوقها الدائم للطيور والماء والبشر، وترحب بي أشد ترحيب في أرضها وبين أغصانها. لقد وقعت في غرام هذا الوادي وهذه القرية.

 

    ولم يكن يعكر صفو هذا المنظر، إلا سحابة غبار قد أقبلت جهة الشمال، تتحرك بسرعة، مع أن الهواء ساكن، وظلت تتعاظم وتقترب صوب القرية، حتى شارفت أن تلتهم القرية كلها.

 

نافذة على الرمال (5)

- الخيبة -

 

    استيقظت في اليوم التالي مبكرا جدا، أردت أن أكون أول الخارجين من بيت الأمير. فتحت درج الملابس ونظرت إلى ما حملته معي من ثياب لهذه الرحلة، ثوبان سعوديان، مع شماغ أحمر، وعقال جديد، أجمل ما في الزي السعودي أنك لا تحتاج إلى أن تفكر بما سترتدي، فكلها شكل واحد، لا تحتاج إلى تنسيق الألوان أو التغيير من موديل إلى آخر. كم يضحكني هذا الأمر كلما فكرت فيه، ألهذه الدرجة يتشابه ذوق الرجل السعودي؟ أم أن ذلك دليل على انعدام الذوق لدينا؟!

 

    وفي الجانب الآخر يوجد بدلة كاملة، لا أعلم لما أحضرتها معي، ربما هي العادة، فأنا أرتديها في المدينة من وقت إلى آخر، لأذكر نفسي أني أنتمي لمجتمع عالمي، وأن البدلة هي الرداء المعتمد من قبل هذا العالم. لا أعتقد أني سأحتاج إليها في هذه القرية، لكني أحضرتها رغم ذلك. وبجانب البدلة توجد حقيبتي الصغيرة، التي لا تفارقني في كل أسفاري، فيها كل ما يتخيله العقل من الاحتياجات اليومية، موس الحلاقة، فرشة الأسنان، مشط، مقص أظافر، حتى المسكنات ولصقات الجروح أحملها معي. وفي هذه الحقيبة وضعت الجوال، فلا أعتقد أني سأحتاجه هو الآخر، ليس في هذا المكان المقطوع عن العالم.

 

    أخذت نظرة سريعة وأخيرة لنفسي في المرآة، وضعت قليلا من عطري الفرنسي المفضل على ثيابي، ونقطتين من دهن العود العربي خلف أذني، ما أجمل لقاء الشرق بالغرب في عالم العطور، إنهما يشكلان تمازجا مكملا ينعش الحواس.

 

    تسللت بخفة كما يفعل سارق محترف، لا يريد من أهل البيت أن يشعروا بخطواته، فأنا أحب دائما التحرك في صمت، لا أعلم من أين اكتسبت هذه العادة،  لكنها معي منذ كنت صغيرا، فلا أنسى صرخات أمي كلما فاجأتها بكوني خلفها في المطبخ، وهي لم تلاحظ دخولي ولا اقترابي منها، فأجلس خلفها مراقبا لما تفعل، ولا ينتهي هذا المشهد إلا بتأنيبها لي على هذا العمل، ثم احتضاني معتذرة عن هذا التأنيب، فقد كانت ذات قلب كبير.

 

    وعندما وضعت رجلي في أول خطوة خارج المنزل، حل علي ذلك الشعور الذي أحسه في كل مرة أخرج وقت الفجر، أن هذا يوم جديد، ليس كالذي قبله ولن يكون كاليوم الذي بعده، وأني يجب أن أعيش لحظات ذلك اليوم بكل ما أوتيت من قوة، فأبدأ برسم ملامح اليوم كما أوده أن يكون، وأضع نقاطا أريد أن أعيشها، وأشخاصا أود أن ألتقيهم، كل ذلك في نوع من التخطيط للوقت كما يقول "ستيفن كوفي" مدير التخطيط الناجح للحياة، مع مزيج من التنبؤ للأحداث كما يفعل الأنبياء، فيكون يومي عادة بين عالم السحر وعالم الواقع، وكثيرا ما يصيب معي الاثنان.

 

    خطاي دائما سريعة، لا يفوقها سرعة إلا نبضات عقلي التي تعمل على التخطيط لذلك اليوم، فأنا دائما ما أقوم بعملين في نفس اللحظة، قد يكون ذلك نوع من الاستثمار للوقت، ولكني كنت أكثر استعجالا هذا اليوم لأرى ذلك المشهد الغريب من مناداة المصلين وقت الفجر، فطالما سمعت عنه في القرى، ولكني لم أره حقيقة من قبل، وكم كانت خيبتي عندما انقضت الصلاة ولم يحدث شيئا من ذلك، فقد كانت صلاة فجر روتينية، نصف حاضريها كانوا نياما بأجساد متحركة، والنصف الآخر كان ينتظر انتهاء الصلاة بفارغ الصبر، لينظر عن يمينه وشماله، ليرى من حضر ومن لم يحضر، كنوع من الوصاية الإلهية على البشر، أو شعور بالفضول إلى معرفة من مات ومن سافر، أو من قدم غريبا على القرية مثلي.

 

    لم أطل المكوث كثيرا في المسجد، جلست للحظات لأدع الآخرين ينظرون إلي، ولكي ألقي بدوري نظرة على الإمام الذي استدار بخشوع وتثاقل، وراح يتلو التراتيل ويحرك أصابعه معددا الأدعية، ومحركا لعينيه بطريقة سريعة بين الأرض وبين وجوه المصلين، انتظرت إلى أن التقت عينينا بلمحة سريعة، اكتفيت بهذه النظرة، ثم قمت مسرعا إلى الخارج.

 

    ما زلت أفكر في خيبة أملي لعدم رؤية ما قدمت لمشاهدته، لكني تعودت على أن الناس تبالغ في كثير من الأحيان في الأحداث الغريبة والشاذة، فلو كانت تحدث كل يوم لفقدت معناها بكونها حدث غريب يستحق التناقل، ولفقدت أيضا تأثيرها الرادع على الناس، فالأحداث تفقد هيبتها بالتكرار. لكني ما إن خطوت خارج المسجد، حتى استعاضت خيبة أملي بمنظر آخر، جذب كل انتباهي.
 
نافذة على الرمال (4)

- قرية السعادين -

 

    في الليلة الأولى التي قضيتها في قصر الأمير، رحت أفكر بهذه القرية العجيبة، وكيف أني قبل قدومي إليها قد جمعت بعض المعلومات عنها، فمن عادتي أن لا أقدم على شيء قبل أن أعرف عنه كل ما يلزم لتحديد موقفي منه، وتذكرت الساعات التي قضيتها على جهاز الكمبيوتر وأنا أبحث في "الإنترنت" عن معلومات تخص القرية، وما لم تسعفني به الشبكة العالمية، أسعفتني به المكتبة المحلية، حيث وجدت ذكر لها في بعض الكتب التاريخية والجغرافية، جعلتني أكون فكرة  عنها.

 

    فقد وجدت أنها قرية قديمة نسبيا، يرجع زمنها إلى أوائل القرن العشرين، حيث كانت بداية توحيد الجزيرة العربية فيما صار يعرف بعدها بالمملكة العربية السعودية. فقد قرر المغفور له الملك عبدالعزيز أن يطلق مشروعا لم يسبقه إليه أحد في تاريخ الجزيرة العربية أو الوطن العربي، وهو توطين البدو الرحل في قرى، عرفت فيما بعد باسم "الهجر".

 

    وقد تفكرت كثيرا في هذا التسمية "الهجر"، وكيف أن لها مدلولات على التوجه الديني الذي كانت الدولة السعودية تنتحيه منذ البداية، حيث عرفت الهجرة في الإسلام بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، كما أني استقراءت من المراجع أن الأهداف من هذه الهجر تعدت تحويل مجتمع البدو إلى مجتمع زراعي مستقر، بل كان لها أبعاد عسكرية وسياسية. فكان يتم تدريب سكان الهجر على فنون القتال والفروسية، وكانت تنما فيهم روح الطاعة والولاء للدولة والإمام قبل القبيلة.

 

    لا أدري لماذا أتوقف دائما كلما قرأت في سيرة ذلك الرجل الكبير الملك عبدالعزيز، فلطالما وجدت فيه صفتين جعلتاه في رأيي الحاكم الأول على الجزيرة العربية. الأولى أنه صاحب فكر ورؤية، يعرف كيف يقرأ الأحداث بشكل صحيح، ويستبصر الطريق إلى المستقبل. والثاني أنه عرف كيف يستغل الصراعات الدولية القائمة على الجزيرة العربية في ذلك الوقت، حيث استفاد من الدعم الذي كانت توفره له القوات البريطانية، والتي تريد الانتصار على عدوتها التركية بأي شكل، فكانت التسهيلات المادية التي يتلقاه منهم، هي المساعد الأول في كسب ود معظم القبائل وولائها، فنجح مشروعه لإسكان البدو في الهجر، وتحقق له تكوين أقوى جيش عسكري في الجزيرة العربية.

 

    وأعتقد أن الحصول على المعلومات السابقة كان هو الأسهل في نظري، فقد وجدت صعوبة حقيقية في معرفة السبب في تسميتها باسمها الحالي، قرية "السعادين". فرغم بحثي المتواصل، لم أجد أي مرجع قديم يذكر سبب التسمية بهذا الاسم، والذي بدا لي غريبا على بيئة بدوية صحراوية، ولم أجد ضالتي إلا عندما عثرت على شيخ كبير، قابلته بالصدفة في أحد المكتبات العامة، وقد سمع أني أبحث عن تاريخ تلك القرية، وكان هو من أهلها القديمين، الذين هاجروا منها منذ فترة بعيدة، وكان سعيد جدا وهو يحدثني عن مسقط رأسه، وتاريخ أجداده.

 

    ومن ما فهمته منه، أن القرية كانت تدعى أول نشأتها بقرية "النخيل"، نسبة إلى وادي قريب منها بهذا الاسم، لكن حدثا غريبا قد صار في إحدى السنوات، جعل القرى الأخرى تدعوها بهذا الاسم "السعادين"، ثم صار علما عليها، حتى أصبح أهلها يطلقونه عليها. فقد مرت قافلة عابرة بالقرب من القرية، حيث كانت القرية تقع على ملتقى طرق القوافل، ولا يعلم أحد من أين أتت تلك القافلة، فالبعض يقول أنها جاءت من أقاصي الأنضول في تركيا، والبعض الآخر يرجح أنها من بلاد الهند والسند، لكن الجميع اتفقوا على أنها من بلاد بعيدة، حيث كان يدل عليها مظهر رجالها الغريب، وملابسهم الملونة، ولغتهم الأجنبية غير المفهومة.

 

    وكانت القافلة محملة بأنواع غريبة من الحيوانات والطيور النادر وجودها في هذه البيئة الصحراوية، ومما يبدو أنها كانت هدية لسلطان، أو تجارة بين دولتين بعيدتين. وعندما استقرت القافلة للمبيت لليلة واحدة قرب القرية، هب أهلها للتفرج على هذه الظاهرة العجيبة من مخلوقات الله التي لم يروها من قبل، وصاروا يتسابقون إلى رؤية هذه الكائنات وكأنهم لم يروا حيوانا في حياتهم، ومع الوقت صار الجميع يتقاربون نحو جهة واحدة، ليشاهدوا منظرا قد جذبهم أكثر من الحيوانات الأخرى، وقد كان ذلك المنظر لمجموعة من السعادين، كانت تقفز وتصيح بصوت يجذب الناس إليها، فتجمع الرجال والنساء والأطفال حولها، يضحكون من حركاتها البهلوانية.

 

    ولم تثبت القصة قط، لكن يبدو أن أحد الأطفال العابثين، قد فتح باب القفص لتلك السعادين، أو قد يكون العامل على الحيوانات هو من نسى أن يغلق الباب جيدا، لكن السعادين استغلت الباب المفتوح، وهبت تجري خارج القفص، لتنتشر في كل بيوت القرية، وسط صياح الناس واستغاثاتهم، وفي غضون لحظات، صارت تقفز وتلعب فوق سطوح المنازل، وتكسر وتخرب في المكان من حولها.

 

    لقد استغرق من عمال القافلة يوم آخر حتى يجمعوا كل السعادين الهاربة، وقد يكون تصليح الأضرار الناتجة عنها لم يستغرق أسبوعا بعدها، لكن ما بقي مرتسما في ذاكرة الجميع هو الحادثة بكل تفاصيلها، حتى ذاع صيت القرية واشتهرت بأنها القرية التي هرب إليها السعادين، فصار ذلك علما عليها وعلى أهلها، وهم كارهين له.

 

    لم أتفاءل بهذا الاسم أبدا، وتمنيت لو بقي اسمها الأول حاضرا إلى اليوم، فهو ذو رنه جميله، ولا يحمل أي من الذكريات السيئة التي تثقل كاهل الاسم الجديد، لكن يبدو أن للمواقع الجغرافية نظامها الخاص في التسمية، حيث تفرض الأحداث القوية نفسها، وتزرع تاريخا في تسميه الأرض، حتى تبقى ذكراها إلى الأبد.

 



<<الصفحة الرئيسية