- قرية السعادين -
في الليلة الأولى التي قضيتها في قصر الأمير، رحت أفكر بهذه القرية العجيبة، وكيف أني قبل قدومي إليها قد جمعت بعض المعلومات عنها، فمن عادتي أن لا أقدم على شيء قبل أن أعرف عنه كل ما يلزم لتحديد موقفي منه، وتذكرت الساعات التي قضيتها على جهاز الكمبيوتر وأنا أبحث في "الإنترنت" عن معلومات تخص القرية، وما لم تسعفني به الشبكة العالمية، أسعفتني به المكتبة المحلية، حيث وجدت ذكر لها في بعض الكتب التاريخية والجغرافية، جعلتني أكون فكرة عنها.
فقد وجدت أنها قرية قديمة نسبيا، يرجع زمنها إلى أوائل القرن العشرين، حيث كانت بداية توحيد الجزيرة العربية فيما صار يعرف بعدها بالمملكة العربية السعودية. فقد قرر المغفور له الملك عبدالعزيز أن يطلق مشروعا لم يسبقه إليه أحد في تاريخ الجزيرة العربية أو الوطن العربي، وهو توطين البدو الرحل في قرى، عرفت فيما بعد باسم "الهجر".
وقد تفكرت كثيرا في هذا التسمية "الهجر"، وكيف أن لها مدلولات على التوجه الديني الذي كانت الدولة السعودية تنتحيه منذ البداية، حيث عرفت الهجرة في الإسلام بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، كما أني استقراءت من المراجع أن الأهداف من هذه الهجر تعدت تحويل مجتمع البدو إلى مجتمع زراعي مستقر، بل كان لها أبعاد عسكرية وسياسية. فكان يتم تدريب سكان الهجر على فنون القتال والفروسية، وكانت تنما فيهم روح الطاعة والولاء للدولة والإمام قبل القبيلة.
لا أدري لماذا أتوقف دائما كلما قرأت في سيرة ذلك الرجل الكبير الملك عبدالعزيز، فلطالما وجدت فيه صفتين جعلتاه في رأيي الحاكم الأول على الجزيرة العربية. الأولى أنه صاحب فكر ورؤية، يعرف كيف يقرأ الأحداث بشكل صحيح، ويستبصر الطريق إلى المستقبل. والثاني أنه عرف كيف يستغل الصراعات الدولية القائمة على الجزيرة العربية في ذلك الوقت، حيث استفاد من الدعم الذي كانت توفره له القوات البريطانية، والتي تريد الانتصار على عدوتها التركية بأي شكل، فكانت التسهيلات المادية التي يتلقاه منهم، هي المساعد الأول في كسب ود معظم القبائل وولائها، فنجح مشروعه لإسكان البدو في الهجر، وتحقق له تكوين أقوى جيش عسكري في الجزيرة العربية.
وأعتقد أن الحصول على المعلومات السابقة كان هو الأسهل في نظري، فقد وجدت صعوبة حقيقية في معرفة السبب في تسميتها باسمها الحالي، قرية "السعادين". فرغم بحثي المتواصل، لم أجد أي مرجع قديم يذكر سبب التسمية بهذا الاسم، والذي بدا لي غريبا على بيئة بدوية صحراوية، ولم أجد ضالتي إلا عندما عثرت على شيخ كبير، قابلته بالصدفة في أحد المكتبات العامة، وقد سمع أني أبحث عن تاريخ تلك القرية، وكان هو من أهلها القديمين، الذين هاجروا منها منذ فترة بعيدة، وكان سعيد جدا وهو يحدثني عن مسقط رأسه، وتاريخ أجداده.
ومن ما فهمته منه، أن القرية كانت تدعى أول نشأتها بقرية "النخيل"، نسبة إلى وادي قريب منها بهذا الاسم، لكن حدثا غريبا قد صار في إحدى السنوات، جعل القرى الأخرى تدعوها بهذا الاسم "السعادين"، ثم صار علما عليها، حتى أصبح أهلها يطلقونه عليها. فقد مرت قافلة عابرة بالقرب من القرية، حيث كانت القرية تقع على ملتقى طرق القوافل، ولا يعلم أحد من أين أتت تلك القافلة، فالبعض يقول أنها جاءت من أقاصي الأنضول في تركيا، والبعض الآخر يرجح أنها من بلاد الهند والسند، لكن الجميع اتفقوا على أنها من بلاد بعيدة، حيث كان يدل عليها مظهر رجالها الغريب، وملابسهم الملونة، ولغتهم الأجنبية غير المفهومة.
وكانت القافلة محملة بأنواع غريبة من الحيوانات والطيور النادر وجودها في هذه البيئة الصحراوية، ومما يبدو أنها كانت هدية لسلطان، أو تجارة بين دولتين بعيدتين. وعندما استقرت القافلة للمبيت لليلة واحدة قرب القرية، هب أهلها للتفرج على هذه الظاهرة العجيبة من مخلوقات الله التي لم يروها من قبل، وصاروا يتسابقون إلى رؤية هذه الكائنات وكأنهم لم يروا حيوانا في حياتهم، ومع الوقت صار الجميع يتقاربون نحو جهة واحدة، ليشاهدوا منظرا قد جذبهم أكثر من الحيوانات الأخرى، وقد كان ذلك المنظر لمجموعة من السعادين، كانت تقفز وتصيح بصوت يجذب الناس إليها، فتجمع الرجال والنساء والأطفال حولها، يضحكون من حركاتها البهلوانية.
ولم تثبت القصة قط، لكن يبدو أن أحد الأطفال العابثين، قد فتح باب القفص لتلك السعادين، أو قد يكون العامل على الحيوانات هو من نسى أن يغلق الباب جيدا، لكن السعادين استغلت الباب المفتوح، وهبت تجري خارج القفص، لتنتشر في كل بيوت القرية، وسط صياح الناس واستغاثاتهم، وفي غضون لحظات، صارت تقفز وتلعب فوق سطوح المنازل، وتكسر وتخرب في المكان من حولها.
لقد استغرق من عمال القافلة يوم آخر حتى يجمعوا كل السعادين الهاربة، وقد يكون تصليح الأضرار الناتجة عنها لم يستغرق أسبوعا بعدها، لكن ما بقي مرتسما في ذاكرة الجميع هو الحادثة بكل تفاصيلها، حتى ذاع صيت القرية واشتهرت بأنها القرية التي هرب إليها السعادين، فصار ذلك علما عليها وعلى أهلها، وهم كارهين له.
لم أتفاءل بهذا الاسم أبدا، وتمنيت لو بقي اسمها الأول حاضرا إلى اليوم، فهو ذو رنه جميله، ولا يحمل أي من الذكريات السيئة التي تثقل كاهل الاسم الجديد، لكن يبدو أن للمواقع الجغرافية نظامها الخاص في التسمية، حيث تفرض الأحداث القوية نفسها، وتزرع تاريخا في تسميه الأرض، حتى تبقى ذكراها إلى الأبد.







said:
said:
said:



إذن هذا هو اسم القريه التي يعيش فيها الأستاذ (أعجبني الاسم وقصته)
لكن لدي بعض الملاحظات الثقيله:
*أولا لا أعرف هل هذه الصفحه تنبيه خارجي ليس من ضمن صفحات القصه أم لا؟
فإن كان من ضمن القصه فإني أجد أن هناك خلل في أسلوب السرد فقد كنت في البداية تتكلم بأسلوب المتكلم (الأستاذ)أما الآن فقد تدخلت أنت الروائي في أسلوب السرد وقد كان من الممكن أن تستمر على ذلك الأسلوب لكي لا تقطع للقارئ تسلسل أفكاره
0
*الأمر الثاني هو أن في هذا الجزء كان القارئ متلهفا لرؤية التناقضات و الأحداث الجديده التي بدت له ولكنه فوجئ بأنه ليس هنالك أي تفاعل في الأحداث أو الشخصيات أو على الأقل بداية ظهور العقده في هذه القصه, فانطفئ جماس القارئ لمعرفة الأجزاء السابقه لأنك أغفلت عنصر الحركه وهو الأهم
وأرجو المعذره لو ضايقتك