- الخيبة -
استيقظت في اليوم التالي مبكرا جدا، أردت أن أكون أول الخارجين من بيت الأمير. فتحت درج الملابس ونظرت إلى ما حملته معي من ثياب لهذه الرحلة، ثوبان سعوديان، مع شماغ أحمر، وعقال جديد، أجمل ما في الزي السعودي أنك لا تحتاج إلى أن تفكر بما سترتدي، فكلها شكل واحد، لا تحتاج إلى تنسيق الألوان أو التغيير من موديل إلى آخر. كم يضحكني هذا الأمر كلما فكرت فيه، ألهذه الدرجة يتشابه ذوق الرجل السعودي؟ أم أن ذلك دليل على انعدام الذوق لدينا؟!
وفي الجانب الآخر يوجد بدلة كاملة، لا أعلم لما أحضرتها معي، ربما هي العادة، فأنا أرتديها في المدينة من وقت إلى آخر، لأذكر نفسي أني أنتمي لمجتمع عالمي، وأن البدلة هي الرداء المعتمد من قبل هذا العالم. لا أعتقد أني سأحتاج إليها في هذه القرية، لكني أحضرتها رغم ذلك. وبجانب البدلة توجد حقيبتي الصغيرة، التي لا تفارقني في كل أسفاري، فيها كل ما يتخيله العقل من الاحتياجات اليومية، موس الحلاقة، فرشة الأسنان، مشط، مقص أظافر، حتى المسكنات ولصقات الجروح أحملها معي. وفي هذه الحقيبة وضعت الجوال، فلا أعتقد أني سأحتاجه هو الآخر، ليس في هذا المكان المقطوع عن العالم.
أخذت نظرة سريعة وأخيرة لنفسي في المرآة، وضعت قليلا من عطري الفرنسي المفضل على ثيابي، ونقطتين من دهن العود العربي خلف أذني، ما أجمل لقاء الشرق بالغرب في عالم العطور، إنهما يشكلان تمازجا مكملا ينعش الحواس.
تسللت بخفة كما يفعل سارق محترف، لا يريد من أهل البيت أن يشعروا بخطواته، فأنا أحب دائما التحرك في صمت، لا أعلم من أين اكتسبت هذه العادة، لكنها معي منذ كنت صغيرا، فلا أنسى صرخات أمي كلما فاجأتها بكوني خلفها في المطبخ، وهي لم تلاحظ دخولي ولا اقترابي منها، فأجلس خلفها مراقبا لما تفعل، ولا ينتهي هذا المشهد إلا بتأنيبها لي على هذا العمل، ثم احتضاني معتذرة عن هذا التأنيب، فقد كانت ذات قلب كبير.
وعندما وضعت رجلي في أول خطوة خارج المنزل، حل علي ذلك الشعور الذي أحسه في كل مرة أخرج وقت الفجر، أن هذا يوم جديد، ليس كالذي قبله ولن يكون كاليوم الذي بعده، وأني يجب أن أعيش لحظات ذلك اليوم بكل ما أوتيت من قوة، فأبدأ برسم ملامح اليوم كما أوده أن يكون، وأضع نقاطا أريد أن أعيشها، وأشخاصا أود أن ألتقيهم، كل ذلك في نوع من التخطيط للوقت كما يقول "ستيفن كوفي" مدير التخطيط الناجح للحياة، مع مزيج من التنبؤ للأحداث كما يفعل الأنبياء، فيكون يومي عادة بين عالم السحر وعالم الواقع، وكثيرا ما يصيب معي الاثنان.
خطاي دائما سريعة، لا يفوقها سرعة إلا نبضات عقلي التي تعمل على التخطيط لذلك اليوم، فأنا دائما ما أقوم بعملين في نفس اللحظة، قد يكون ذلك نوع من الاستثمار للوقت، ولكني كنت أكثر استعجالا هذا اليوم لأرى ذلك المشهد الغريب من مناداة المصلين وقت الفجر، فطالما سمعت عنه في القرى، ولكني لم أره حقيقة من قبل، وكم كانت خيبتي عندما انقضت الصلاة ولم يحدث شيئا من ذلك، فقد كانت صلاة فجر روتينية، نصف حاضريها كانوا نياما بأجساد متحركة، والنصف الآخر كان ينتظر انتهاء الصلاة بفارغ الصبر، لينظر عن يمينه وشماله، ليرى من حضر ومن لم يحضر، كنوع من الوصاية الإلهية على البشر، أو شعور بالفضول إلى معرفة من مات ومن سافر، أو من قدم غريبا على القرية مثلي.
لم أطل المكوث كثيرا في المسجد، جلست للحظات لأدع الآخرين ينظرون إلي، ولكي ألقي بدوري نظرة على الإمام الذي استدار بخشوع وتثاقل، وراح يتلو التراتيل ويحرك أصابعه معددا الأدعية، ومحركا لعينيه بطريقة سريعة بين الأرض وبين وجوه المصلين، انتظرت إلى أن التقت عينينا بلمحة سريعة، اكتفيت بهذه النظرة، ثم قمت مسرعا إلى الخارج.






said:
said:
said:
said:
said:



العزيز ماجيك ..
ها أنا اليوم أول المعلقين هنا , و كم أنا سعيدة بذلك :)
سلاسة و انسيابيه رائعه ما يميز هذا الجزء من القصه و الذي قبله ,
الأفكار مترتبة بشكل يدل على احترافيتك عزيزي ..
أنتظر بفارغ الصبر معرفة بقية الأحداث ..
متابعة و بشغف كبير ..
تحـــياتي للروائي الأستاذ ..