- معالم -
لا تراودني الأحلام كثيرا أثناء النوم، لكنها عندما تأتي تكون مليئة بالألوان والأحداث، وأذكر منها حلما ظهرت فيه وكأنني جالس على تلة عالية، أطل منها على عواصم العالم، وكان يجذبني فيها تصاميم عمارتها، ونقوش بيوتها، التي ترسم المعالم الثقافية لتلك البلدان، ولا يكون في هذا الحلم أبدا المدن الإسمنتية التي نسكنها، والتي غزتنا بتصاميم جميلة، لكنها لا تمت إلى بيئتنا بصلة.
ما رأيته عندما خرجت من المسجد، كان أقرب إلى الرؤيا والخيال من منظر حقيقي، للحظة قصيرة شعرت أن هذه هي الجنة، وأن رجلي حين خطت خارج المسجد قد دخلت إلى عالم آخر، عالم مليء بالجمال، والسحر، والبراءة، عالم أخرجني من وادي النخيل، إلى وادي الأحلام.
فقد كانت الشمس تطل بأطراف شعاعها حول المكان، فبدت الجبال الحمراء المحيطة بالوادي كذراع يحضن القرية، والضوء الأزرق الهادي للفجر يلامس التربة السمراء، وينعكس على برك الماء حول المكان، والتي يمر فوقها أسراب من طيور القطا، المحلقة صوب أشجار السمر، والمرخ، والثمام، المنتشرة على ضفاف الوادي. ولم يكن يتمم هذا المنظر إلا صوت الماء النازل على شكل شلالات صغيرة في المصاب الصخرية.
في هذه اللحظة تمنيت لو كنت أكملت دروس الرسم التي بدأتها صغيرا، وأني بقيت في "نادي الفن التشكيلي" الذي أنشأته مع ثلاثة من أصحابي، فكنا نذهب إلى القرى المهجورة المجاورة للرياض، لنرسم دون توقف، الأبواب القديمة الملونة، وبيوت الطين الأثرية، وأشجار الأثل التي تنمو داخل الجدران، كم كانت جميلة تلك الأيام، وكم كنا جميلين نحن أيضا، ونحن نعتب على أهلنا أن تركوا هذه الأماكن الساحرة، ليسكنوا في غابات الأسمنت.
ودائما ما كان يخطر في بالي، لو كنت مسئولا عن العمارة في مدينة كالرياض، لأجبرت كل مهندس ومصمم على الحضور لمثل هذا المكان، والعيش فيه فترة من الزمن، حتى يتشرب المعالم السعودية، ، فهنا في هذه البيئة البكر، تستطيع أن تجد الهوية السعودية الحقيقية في التصميم.
هذا المنظر الحالم، أعاد إلي ذكرى الرواية الأخيرة التي كنت أقرائها قبل قدومي إلى هنا، مكتوب على غلافها "أسمي أحمر"، ومذيلة بكاتبها "أورهان باموق"، ذلك الروائي التركي الرائع، الذي كان مرشحا لينال أرفع درجات الكتابة، ويسجل أسمه في التاريخ، كأحد الحاصلين على جائزة نوبل للأدب، حيث يحكي الراوي قصة فن التصميم الإسلامي، ويقوم في أحد أجزائها بتقمص شخصية شجرة رسمها فنان، فتخاطبنا تلك الشجرة معبرة عن ما يخالجها من أحاسيس، وطموحات، ومخاوف. إني أسمع الأشجار هنا تحكي لي نفس الكلمات، كما سمعها باموق، وتبث لي شوقها الدائم للطيور والماء والبشر، وترحب بي أشد ترحيب في أرضها وبين أغصانها. لقد وقعت في غرام هذا الوادي وهذه القرية.
ولم يكن يعكر صفو هذا المنظر، إلا سحابة غبار قد أقبلت جهة الشمال، تتحرك بسرعة، مع أن الهواء ساكن، وظلت تتعاظم وتقترب صوب القرية، حتى شارفت أن تلتهم القرية كلها.






said:
said:

said:

said:



من المملكة العربية السعودية