المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
مذبحة اليمامة

    في الأمس كنت تحدثت عن الشغب الذي أثارة مجموعة من الشباب في كلية اليمامة في الرياض، واليوم أنقل لكم أن الشغب قد تحول إلى "مسخرة" حين لم يجد من يوقفه عند حده، والمسخرة تحولت إلى سكين ذبحت عروس صغيرة في خدرها تدعى الثقافة.

 

    مذبحة الأمس لم تكن بالشيء الطبيعي، فالمسرح قد تم تحطيمه، والمحاضرين قد تم التعرض لهم بالضرب، والجمهور قد تم حصاره، ورجال أمن الجامعة قد أغلقوا البوابات على الجميع، وشرطة الشغب قد أطلقت رصاصة الرحمة على تلك الأمسية الدامية وأسدلت الستارة.

 

    هل كان كل ذلك ليحصل لو ردعت شلة الظلام من البداية، لو أدرك المسئولون أن ما حدث أول مرة سيتكرر، وقد يتفاقم إذا لم تتدخل السلطات في الوقت المناسب، وتكون تلك رسالة ليعلم الجميع أن البلد فيها "قانون"، وأن للمواطن السعودي حقوق يجب الدفاع عنها.

 

    ربما لحدة الكلمات التي أستخدمها أجد نفسي مضطرا لتوضيح أن الظلاميين الذين أقصدهم ليس كل من وجد أن الدين هو طريق الدنيا، بل هم جماعات أعلنت التكفير كسياسة لها ضد الناس، وتبنت القتل والتفجير والتدمير كأداة تعتقد أنها الطريق إلى الله، والله منهم براء. إنهم أناس قد باعوا أرواحهم للشيطان، وارتدوا عباءة الملائكة ليذروا الرماد على العيون، وفضلوا مجاهدة أخطاء الناس، قبل أن يجاهدوا في إصلاح أخطائهم.

 

    لن أتهم مجتمعنا بالتخلف والرجعية، ولا ترديد مقولة أننا ما زلنا في أول الطريق، ونحتاج إلى مئات السنين لنلحق بركب الحضارة، فتلك نظرة من لا يرى الحقيقة والواقع، فكل المجتمعات والدول فيها نصيبا من الجهل الذي يمكن أن يستغل لغرض الفوضى وإثارة المشاكل، حتى المتمدنة والديموقراطية منها، لكن الإهمال في التصرف لضبط الحركة الاجتماعية هو الخطأ الحاصل في تلك الأمسية. وتقاعس المسئولين عن استيعاب التغير الحاصل من حولهم، وأن المدنية بطبعها تحتاج إلى تطبيق صارم للقوانين حتى تحفظها من تصادم التيارات المختلفة.

 

    تمنيت أني كنت أحدثكم عن عرس ثقافي جميل، يحمل إلينا الجديد في عالم الفكر والكتابة، ولكني وجدت نفسي كمراسل حربي وسط المعركة، أنقل أنباء الصراع الفوضوي الحادث بين أنصار النور والمستقبل، ودعاة الجهل والتخلف، ولعلي أكتب لكم غدا عن أمر آخر يحمل صورة أجمل.

 

صراع الثقافة

    للمرة الثانية، تحاول الرياض أن تنهض بمشروعها الثقافي، حيث يلتقي المثقفين بالجمهور في حديث مباشر، فيستمعون لخطاب الأدب والعقل، بعد أن كان الخطاب الديني هو الوحيد الحاضر في الساحة.

 

    وللمرة الثانية أيضا، تحاول الجماعات المتشددة استخدام أسلوب التخويف والمشادة مع المحاضرين، كي يجعلوهم يفرون من هذه المناسبات، في محاولة لإفشال مثل هذه التجمعات الثقافية، وإسكات الأصوات الأخرى.

 

    ففي كلية اليمامة بالأمس، تكرر نفس المشهد الذي حزن له الكثيرين في معرض الكتاب الأخير، عندما قام مجموعة من الشباب المتشدد بمحاصرة الدكتور الزلفة، والتلفظ بكلام قاسي على محاضرين آخرين، لكن الضحية هذه المرة الدكتورين عبدالله الغذامي، ومعجب الزهراني، فقد نالا حظهما من السب والشتم والمضايقات.

 

    في أكثر من حوار، حاولت أن أوضح للأصدقاء أن ما يقوم به هؤلاء الشباب ليس انفعال وقتي بسبب المحاضرة، بل هو تخطيط متعمد ومدبر، ممزوج بسوء نيه مبيته من قبل آخرين يوجهونهم لهذا الفعل.

 

    اليوم سيكون لقاء مع الشاعر والروائي السعودي علي الدميني، ولا أتخيل كيف سيكون رد المتشددين على هذا الرجل، فقد كانوا يكيلون له منذ زمن، كما أن الغد سيحمل عودة أخرى للدكتور الغذامي، في ندوة عن "الرواية العربية المعاصرة، واقعها ومستقبلها"، وكذلك محاضرة عن القصة القصيرة، كما سيكون الشيخ سلمان العودة حاضرا لإلقاء محاضرة بعنوان "تجديد الخطاب الديني".

 

    مسكينة هي الثقافة لدينا، فهي لم تكد تنهض من محاصرة الرقيب الحكومي لها، حتى صارت عرضة لهجمات الجماعات الظلامية، دون أن يكون هناك قانون يحميها، ويضمن لها حق الكلام.

 

الله.. الوطن.. طيران الخليج..

    بدعوة من العزيزة ليال، توجهت في آخر لحظات رحلتي لمشاهدة فيلم "حكاية بحرينية"، والذي أرجو أن يكون مع شقيقه السعودي فيلم "كيف الحال"، بداية لسلسلة أفلام خليجية، طال انتظارنا لها.

 

    شعور لا يوصف عندما تشاهد شخصيات تعودت أن تراها في المسلسلات التلفزيونية، تصير بحجم الدنيا على الشاشة الفضية، حتى القدرة التمثيلية لتلك الشخصيات قد تضاعفت.

 

    الفيلم يتناول قصة حقيقية لمعاناة المرأة واضطهادها، وقد استطاع المخرج تحويل هذا الرمز إلى اضطهاد بلد، أو حتى اضطهاد أمة بكاملها. نساء يقعن ضحية قساوة وجهل المجتمع الذكوري المتحجر، وشباب يعاني ضياع الحقوق وسلب الحريات.

 

    قد يكون من غير الجائز الحكم على النواحي الفنية، فقلة الخبرة الإنتاجية والإخراجية كانت واضحة في الفيلم، كما أن المبالغة الدرامية من قبل بعض الفنانين جعلت العمل يبدو متواضعا. لكن مع كل ذلك، يضل الإحساس بأنه عمل محلي خليجي هو الطاغي، وحس الانتماء إليه والرغبة بمشاهدة كل التفاصيل الصغيرة هو الشعور الذي لازمني طوال العرض.

 

    لا أستطيع طبعا أن أتجاهل نزول الفيلم في فترة تحث فيها الحكومة الشعب على التصويت في الانتخابات الجارية. فالفيلم مليء بالرموز الحماسية، والنداءات الوطنية. وأتوقع من كل بحريني شاهده أن يخرج إلى صندوق الاقتراع مباشرة.

 

    أكثر ما جذبني في الفيلم، هو مشهد متكرر لرجل مجنون، يسير بين الناس صائحا "الله.. الوطن.. طيران الخليج"، فوجدت نفسي أرددها معه آخر الفيلم، الله.. الوطن.. الخليج، دون طيران طبعا.

 

سائح في بلاد الله

    في لحظة جنون، أو دقيقة من حرية الروح، قررت أن آخذ إجازة مفاجئة، واشتري سيارة جديدة، وأنطلق بها وحيدا سائحا في بلاد الله.

 

    أخذت سيارة أحلامي "الجيب"، وانطلقت بها صوب الغرب، ليس لي هدف محدد، ولكن كل مدينة تعجبني ستكون هدفي. قررت أن أنسى العمل، وأنسى نفسي، وأجعلها تسير على هداها، وأين تستقر سيكون مكان راحتي.

 

    السفر وحيدا جعل التجربة أكثر إمتاعا، وأكثر عمقا، فقد اكتشفت أني استطيع أن أكون وحيادا ولا أشعر بالوحدة، ساعات وساعات ليس أمامي إلا الطريق المفتوح، والاستماع إلى صوت الإذاعة المتغيرة الموجات كل 200 كيلومتر.

 

    مرت بي بعض لحظات محرجة، مثل اليوم الذي نسيت فيه مفتاح السيارة داخلها، وكدت أجن عندما تذكرت أن المفتاح الآخر الاحتياط قابع في درجي في الرياض، وأخذت أتخيل أسوأ السيناريوهات من كسر النافذة الصغيرة في السيارة الجديدة، إلى تغيير الأقفال فيها، لكني ترجلت عن انفعالي وأخذت أفكر في حيلة أخرى، ثم رحت أسأل جميع ورش السيارات عن صانع أقفال ماهر، حتى توصلت إلى واحد، واشترط علي مبلغا من المال كي يذهب معي، وفي تلك اللحظة، لو كان طلب ضعف ما قال لأعطيته إياه. انتهت تلك التجربة على خير، وقد ضحكت كثيرا عندما قدت السيارة مسرعا إلى الطريق السريع.

 

    لقد ترددت كثيرا في الكتابة عن هذه الرحلة، لأني قد وضعتها تعليقا في مدونة العزيزة سارة، ولم أشأ أن أكرر نفسي، لكني شعرت في النهاية أن الآخرين يستحقون معرفة سبب تفاوت الكتابة لدي هذه الأيام، فأنا لم أكتبها في مكان واحد.

 

    أنا الآن أكتب من "البحرين"، فقد قادتني رحلتي غربا إلى الشمال، ثم إلى الشرق، فقد تذكرت أن فيلم جيمس بوند الأخير يعرض في سينما الدانة، ولم يبقى إلى 15 دقيقة يفصلني عن بداية الفيلم.

 

    تحياتي لجميع الأصدقاء، فقد مروا في ذهني أكثر من مرة، وأنا أفكر من يسكن أي مدينة، وما إذا كنت قد تجاوزت أحد منهم على الطريق.

 

على الهامش:

على الرغم من أني وعدت نفسي أن لا أقوم بأية عمل في هذه الرحلة، إلا أني وجدت نفسي أخون وعدها، وسربت بعض المهام على لائحة أعمالي.

 

من الذي تغير؟!

    حين أتذكر الطفرة "الأسهمية" التي مرت على السعودية منذ فترة، حيث بلغت أسعار الأسهم حدا خياليا، جعلت الجميع يتهافتون عليها بشكل مجنون، أتذكر أيضا سؤالا كنت أطرحه على كل من يحاول أن يتحدث معي في هذا الموضوع، أو أن يستعرض استثماراته في الأسهم.

 

    كان سؤالي ببساطة، حين يشتري أي منا شيئا بريال واحد بالأمس، ثم يشتريه اليوم بريالين، فما الذي تغير فعلا، هل هو الشيء الذي زاد سعره، أم الريال الذي قلت قيمته؟! ولمن لا يعرف الفرق بينهما، فالزيادة في سعر السلعة يكون خاصا بها وحدها لأسباب معينة، أما انخفاض العملة المحلية فسيصاحبه ارتفاع تدريجي لجميع الضروريات للمواطنين، خاصة في بلد يعتمد على الاستيراد الخارجي في كل شيء.

 

    من تلك الأيام إلى الآن، وأنا لا أرى أي تغير في الوضع، فالعملة السعودية في تدهور مستمر، أكثر من ما يتخيله الناس. فالسلع الأساسية، والخدمات، والأدوية، والبيوت والأجارات، كلها في تزايد غير معقول.

 

    وأعتقد أن ذلك ناتج لسببين، الأول إغراق السوق بالريالات، عبر المنح الملكية غير المدروسة، وانفتاح البنوك على القروض الشخصية بشكل مسهب. والثاني عدم وجود رغبة حقيقية لدعم قيمة الريال، خاصة بعد تصريحات رئيس مؤسسة النقد الأخيرة.

 

    وكل ذلك يحدث لغرض واحد، هو إعطاء المواطنين شعورا وهميا بالثراء، متماشيا مع مثل غربي يقول: إذا أردت أن تصبح مليونيرا فسافر إلى إيطاليا، وكان القصد أن العملة الإيطالية قد وصلت إلى حد أن من يملك القليل من الدولارات يصبح مليونيرا بحساب عملتهم.

 

    أرجو أن لا نصل إلى هذا الحد.

 

على الهامش:

فكرة هذا المقال أتت بعد قراءة ما كتبته المدونة العزيزة خولة، وتفاعل معه.

 

لا.. لا.. لا..

    ليطمأن الجميع، فهذه ليست اللات العربية الثلاث المشهورة، بل هي نحنحة في حنجرتي كي أتدرب ولا أنسى كيف أقول لا، عندما يطلبني أحدا أمرا أراه غير مناسب.

 

    أرجو أن تخبئ ابتسامتك عزيزي القارئ، فقد يكون الأمر سخيفا بالنسبة لك، لكنه يقلق الكثيرين من الذين لم يتعودوا أن يقولوا هذه الكلمة الحيوية، لا.

 

    وقد يكون ذلك راجع إلى ما تحمله تلك الكلمة من أثر نفسي قوي على من يسمعها، لأنها مرتبطة عادة بطلب يكون السائل فيه محتاجا إلى المسئول. وينبغي أن يعلم من يعاني هذه المشكلة أنها ليست سهلة الخلاص، ولا يمكن أن تزول أعراضها بمرور الزمن، ما لم يتخذ الإنسان بعض المبادرة في التخلص منها.

 

    فعلى سبيل المثال، هل يمكن أن تقول "لا" عندما يطلب أحد منك خدمة وأنت تعرف أنك قادر على أن تنفذها؟ ذلك هو المسار الوحيد لكي تبدأ الخلاص من ذلك الشعور المرير. وأنا لا أقصد هنا أن تفعل ذلك من غير تفكير، ومن غير نظر هل ما يطلبه منك الآخرون ضروريا أو لا، بل أن تدرس الحالة وتقيمها هل هي مناسبة للتمرين على قول هذه الكلمة أم لا.

 

    يعتقد الكثيرون أن قول "لا" مرتبط بالقدرة على تنفيذ الطلب، وذلك ما يجعلهم يشعرون أنهم مجبرين على القيام به، وسيشعرون أنهم "مذنبين" إذا قالوا "لا" وهم قادرين على تنفيذها، فللأسف يكون شعورهم بأهمية حاجات الآخرين مقدم دائما على حاجاتهم، وأن الآخرين لهم الأسبقية على وقتهم وجهدهم وممتلكاتهم.

 

    وللبدء في مشوار التخلص من هذه العادة السيئة ينبغي المرور بمرحلتين. الأولى اختيار المواضيع المناسبة التي يمكن أن تجعلها تدريبا جيدا على الرفض، وينبغي أن تكون كما قلت سابقا، أمورا تعلم أنك تستطيع أن تقدمها للآخرين، لكنك تختار واعيا بأن لا تفعل، لأنك حين تقول "لا" عزيزي القارئ وأنت مجبر على قولها لعدم قدرتك على تنفيذها، فليس أنت من يقول لا، بل هي الظروف التي أسعفتك على قولها، وهذه لا تعد تدريبا، ولا تعد قولا حقيقيا لكلمة "لا".

 

    والمرحلة الثانية تتعلق بآداب (أو إتيكيت) قول هذه الكلمة. فهي كلمة غير مرغوبة، وستفقدك الكثير من العلاقات إذا لم تحسن قولها بطريقة مناسبة. وعادة يكون هناك طريقتين لعمل ذلك. الأولى أن تطلب من الآخر طلبا بمجرد أن يبادرك بطلبه، حتى لو كنت لا تحتاج منه شيئا فعلا (وعادة يكون الناس الذين يصعب عليهم قول "لا" يجدون صعوبة في طلب أمر من الآخرين أيضا)، وتحول الأمر إلى ما يشبه المساومة، وصدقني عزيزي القارئ أن هذا الشخص سيتردد في طلبه، وسيفكر ألف مرة قبل أن يطلب منك شيئا آخر. أما الطريقة الأخرى (وهي المفضلة لدي) أن تأجل تنفيذ الطلب لوقت آخر، فغالبية الناس تستعجل الأمور، وسيتحول الطلب منك إلى شخص آخر (أو ضحية أخرى).

 

    لن تكون المحاولات الأولى ناجحة تماما، لكن مع الاستمرار والرغبة في تعلم قول كلمة "لا" ستثمر بنتيجة سعيدة، كما أنها ستضيف لتجاربك الشخصية الشيء الكثير. وأرجو أن يكون لدى الآخرين أيضا بعض التجارب التي يمكن أن يشاركونا فيها.

 

خطأ أم جريمة

    أعشق النقاش مع الأصحاب، خاصة متى ما اختلفنا في الآراء. لكن هذه المرة كان نقاشي مع أخي، الذي قضى فترة من بداية حياته متعلقا بالفكر "الأخواني" المنتشر في السعودية.

 

    كان موضوع النقاش عن ما إذا كانت سياسة الدولة في السعودية تقترف أخطاء متعمدة لتحمي مصالح الطبقة الحاكمة، فتبقي الأموال والسلطات في يد قلة من العائلة، وتتلاعب بالسياسة والقضاء والإعلام والاقتصاد ليبقى الحال كما هو عليه، حتى لو كان ذلك في غير مصلحة المواطنين، أم أن ما يحدث هو مجرد أخطاء ناتجة عن جهل المسئولين، وفقدان الرقابة الشعبية على الوزارات والجهات التنفيذية.

 

    استغربت في البداية نشوء هذا النقاش أصلا، فقد ترك أخي هذه النقاشات منذ فترة، وشغلته أمور التجارة والبحث عن الذات في المجتمع، حتى ضننت أنه لن يعود إليها أبدا. ولم أتردد لحظة واحدة في أن أعرف موقفه المتشدد من هذا الأمر، ورأيه الحاسم أن السياسة ليس فيها مجال للخطأ، وأن الحاصل هو خيانة بكل المقاييس، والحل الوحيد هو التغيير وليس الإصلاح.

 

    لم اشعر يوما أني اخدع نفسي عندما أرفض مثل هذا الكلام، خاصة حين أعلم إلى أنه تلويح لإقامة حكومة "إسلامية" يقودها رجال الدين، تماما كما هو حاصل في إيران. ولا أعمي عيني عن الفساد المنتشر في الجهات الحكومية للدولة، ولا الانحطاط في المستوى التعليمي الذي لحق بمدارسنا وجامعاتنا، ولا التجاوزات في حقوق الإنسان، ولا الحجر على الإعلام والفكر، ولا التخبط الاقتصادي الذي نسير فيه، ولا سوء التخطيط لبناء حياة مدنية متقدمة.

 

    لكني أرفض أن اصدق أن الجاري هو خطأ متعمد، بل هو جهل يستحق التقويم، كما أني مؤمن أن النظام الملكي متى ما تحول من ملكي كامل إلى ملكي دستوري هو أفضل الأنظمة وأخفها فسادا، كما أنه أكثرها مرونة لتحمل الأطياف السياسية المختلفة.

 

    كان نقاشي مع أخي ينتهي دائما بطرح الحجج والأدلة، والاستشهاد بالأحداث الجديدة والقديمة، فنستفيد من بعضنا، مع بقاء كل شخص في محله وعلى موقفه، فلم نكن نهدف أبدا إلى تغيير طرق تفكيرنا، بل أن نغني بعضنا بهذا الاختلاف.
 
صبا الحرز

    من فوائد المرض، أنك لا تستطيع الحراك مجبرا وليس باختيارك، فلا يبقى لك إلا واحد من أمرين، إما الفرجة على التلفزيون، أو القراءة. وقد رق قلب أحد الأصدقاء علي عندما راءاني في هذه الحالة، فتبرع  أن يمدني ببعض الكتب التي كنت أبحث عنها، وكان أحدها رواية "الآخرون" للكاتبة السعودية "صبا الحرز".

 

    أثيرت حول هذه الرواية الكثير من الدعاية والكلام الذي بدا من الواضح أنه ترويج احترافي للكتاب، وقد بدت هذه الظاهرة في التواجد في ساحاتنا الأدبية والإعلامية بشكل مكثف هذه الأيام، وهي فكرة جميلة ورائعة لتسويق الكتاب، وجعله هدفا للتنافس بين الناس.

 

    لكنها أثارت في نفسي الريبة قبل أن أقرائها، من كونها ترويج إعلامي فقط. فمقارنتها برواية "بنات الرياض" للكاتبة "رجاء الصانع" جعلتني اشك أنها مجرد دعاية، كما أن الوصف الذي عرفت به وهو "رواية الشذوذ" قد جعلني أشك أيضا أن الجنس والإثارة قد يكونا قد استخدما لتسويق الرواية أكثر من المضمون، لكني كنت قد قررت قراءتها لأني سمعت إشادة بها من شخص أحترم وجهة نظره.

 

    بدأت قراءة الرواية، ومن البداية شدني أسلوب الكاتبة السلس والمتميز، كما شدتني الجرأة التي كانت موجودة من أول صفحات الكتاب. وقد كانت الرواية تتناول حكاية شابة شيعية من منطقة القطيف، تروي قصتها وعلاقاتها "المنفتحة" جدا في مجتمع ديني محافظ، وتعبر عن خفايا نفسها سعيا للوصل بالقارئ لحالة من فهم أعمق للنفس الإنسانية.

 

    لكنها في نفس الوقت حملت بين طياتها تساؤلات خاصة بي عن هذه الدفعة من الروايات القادمة من مجتمعنا الشيعي، الذي يسعدني أن صوته بدأ في الظهور، لكن ظهوره بهذا الشكل المفاجئ والمدعوم بشكل غير مباشر، يضع الكثير من علامات الاستفهام. فمثلا من هي "صبا الحرز"؟ ولماذا لم يتم مقابلتها ولو من وسيلة إعلام أجنبية؟ لماذا تبدو كتاباتها مترددة بين الذكورة والتأنيث، مثلا: في الصفحة (93) تقول الكاتبة على لسانها "شعرت بأن لساني ثقيل والكلمات تخرج من بين شفتي وكأني ألتغ"، وفي الصفحة (98) تقول أيضا "ماذا أفعل؟ ماذا يفعل شخص يجد نفسه مثقوبا ومشرعا على ريح باردة"، وكذلك في صفحة (106) "أشعر أني واحدُ من قاطني أحلامي".

 

    وبغض النظر عن تلك التساؤلات الخاصة، اعتقد أننا نواجه مشكلة في التعامل مع هذا النوع الجديد من الروايات، الذي يحتوي عمقا كبيرا في التحليل والوصف لأبعاد النفس البشرية، ولكنه في نفس الوقت يحمل في طياته شيئا من "التابو" المحرم علينا الاطلاع عليه. فالروايات التي تناقش قضية "الجنس" في السعودية تصنف على أنها أدب "فاسد"، ويجد معظمنا صعوبة بالإشادة بهذا النوع من الكتابة حتى لا يتم تصنيفه بنفس المسمى.

 

    رواية تستحق القراءة، ولكنها تحتاج مني أن أضع تحذيرا أيضا لمن لا يريد أن يتخطى حدود الممنوع الاجتماعي. وهي من إصدارات دار الساقي، وموجودة في مكتبة "الوطنية" في البحرين.

 

البعث بعد الموت

    ليس غريبا أن يموت الجسد، فمهما طال به الزمن لابد أن يحين وقت يبلى فيه وينتهي، لكن الغريب أن يموت العقل، ويرفض أن يستمر في الحياة والتفكير.

 

    في الأيام الماضية مررت بتجربة كان المرض فيها أقل ما أحمل من هم. فقد بقيت طريح الفراش لأسبوعين، فقدت فيها القليل من نشاطي وعافيتي، لكني فقدت الكثير من ما هو أهم، فقدت القدرة على أن أحب العالم.

 

    في الأيام التي تلت مرضي، كنت أعيش بلا عقل، أفيق كل يوم وأنا أشعر أن هناك ثقب في رأسي، تسقط فيه كل الأفكار، والأحلام، والتطلعات، مشابه لتلك الثقوب السوداء الموجودة في الفضاء، والتي تبتلع بقايا النجوم والكويكبات، كما وصفها عالم الفلك العبقري المقعد "ستيفن هوكنج" في كتابه الأسطورة "سيرة قصيرة للزمن".

 

    كنت أحاول أن أفتح جهازي، أن أنظر للمدونة، أو حتى أقرأ بريدي، لكني كنت أشعر أنها ليست لي، بل هي لرجل آخر، رجل ما زال مريضا ولم يتعافى بعد، لقد كنت أحس أني أتطفل على كتاباته الخاصه، وعلى عالمه الافتراضي الغريب، أقفلت الجهاز وقررت الانتظار إلى أن يأتي صاحبه.

 

     ماذا يبقى للحياة بعد أن تفقد العقل؟ ماذا يبقى للإنسان بعد أن يزول عنه كل طموح بالحياة، ويصير كل يوم تكرار ممل للذي بعده؟ تتحول ساعات اليقظة إلى حلم مزعج، وتصير كل حقيقة صورة للعبث واللامبالاة، فلا تهتم لخروجك من السرير أو بقائك فيه.

 

    لا يبقى لديك إلا شذرات من الذاكرة، قليل من الأسماء والوجوه والملامح، لحظات من العتاب ولوم النفس، وأمنية قوية أن يزول كل ذلك في أسرع وقت، حتى تستطيع أن تستمر بحياتك.

 

    ومن رحمة الله بالإنسان، أن يضل هناك صوت خافت في داخلك يهمس بكلمات رقيقة، يناديك ويبشرك أن موت العقل ليس إلا بعث لعقل جديد. فتبدأ في تصديق هذا الصوت المفعم بالأمل، فتتحسس أطرافك التي شلها الملل، وتبحث في داخلك عن شيء من الإيمان، فتجد أن الحياة تناديك على لسان بعض الأصحاب.

 

    للأصوات التي نادتني من قبر أفكاري، وأعادتني إلى عالم الحياة، أقدم شكري وتحياتي وتقديري. إلى الأعزاء توتي، بنان، أرتميس، ليال، سارة، سارة مطر، المفكر، إلهام، خولة، رياضاوي، ماشي صح، بروميثيوس، وكل الآخرين الذين سألوا عني عبر المدونة أو الإيميل.

 

    كلمة صادقة، من صديق مخلص، تستطيع أن تعيد الحياة إلى الروح. فما أقواكِ أيتها الكلمة، وما أروع الحياة بالأصدقاء.

 



<<الصفحة الرئيسية