ليس غريبا أن يموت الجسد، فمهما طال به الزمن لابد أن يحين وقت يبلى فيه وينتهي، لكن الغريب أن يموت العقل، ويرفض أن يستمر في الحياة والتفكير.
في الأيام الماضية مررت بتجربة كان المرض فيها أقل ما أحمل من هم. فقد بقيت طريح الفراش لأسبوعين، فقدت فيها القليل من نشاطي وعافيتي، لكني فقدت الكثير من ما هو أهم، فقدت القدرة على أن أحب العالم.
في الأيام التي تلت مرضي، كنت أعيش بلا عقل، أفيق كل يوم وأنا أشعر أن هناك ثقب في رأسي، تسقط فيه كل الأفكار، والأحلام، والتطلعات، مشابه لتلك الثقوب السوداء الموجودة في الفضاء، والتي تبتلع بقايا النجوم والكويكبات، كما وصفها عالم الفلك العبقري المقعد "ستيفن هوكنج" في كتابه الأسطورة "سيرة قصيرة للزمن".
كنت أحاول أن أفتح جهازي، أن أنظر للمدونة، أو حتى أقرأ بريدي، لكني كنت أشعر أنها ليست لي، بل هي لرجل آخر، رجل ما زال مريضا ولم يتعافى بعد، لقد كنت أحس أني أتطفل على كتاباته الخاصه، وعلى عالمه الافتراضي الغريب، أقفلت الجهاز وقررت الانتظار إلى أن يأتي صاحبه.
ماذا يبقى للحياة بعد أن تفقد العقل؟ ماذا يبقى للإنسان بعد أن يزول عنه كل طموح بالحياة، ويصير كل يوم تكرار ممل للذي بعده؟ تتحول ساعات اليقظة إلى حلم مزعج، وتصير كل حقيقة صورة للعبث واللامبالاة، فلا تهتم لخروجك من السرير أو بقائك فيه.
لا يبقى لديك إلا شذرات من الذاكرة، قليل من الأسماء والوجوه والملامح، لحظات من العتاب ولوم النفس، وأمنية قوية أن يزول كل ذلك في أسرع وقت، حتى تستطيع أن تستمر بحياتك.
ومن رحمة الله بالإنسان، أن يضل هناك صوت خافت في داخلك يهمس بكلمات رقيقة، يناديك ويبشرك أن موت العقل ليس إلا بعث لعقل جديد. فتبدأ في تصديق هذا الصوت المفعم بالأمل، فتتحسس أطرافك التي شلها الملل، وتبحث في داخلك عن شيء من الإيمان، فتجد أن الحياة تناديك على لسان بعض الأصحاب.
للأصوات التي نادتني من قبر أفكاري، وأعادتني إلى عالم الحياة، أقدم شكري وتحياتي وتقديري. إلى الأعزاء توتي، بنان، أرتميس، ليال، سارة، سارة مطر، المفكر، إلهام، خولة، رياضاوي، ماشي صح، بروميثيوس، وكل الآخرين الذين سألوا عني عبر المدونة أو الإيميل.
كلمة صادقة، من صديق مخلص، تستطيع أن تعيد الحياة إلى الروح. فما أقواكِ أيتها الكلمة، وما أروع الحياة بالأصدقاء.






said:
said:
said:

said:
said:

said:

said:



من المملكة العربية السعودية