من فوائد المرض، أنك لا تستطيع الحراك مجبرا وليس باختيارك، فلا يبقى لك إلا واحد من أمرين، إما الفرجة على التلفزيون، أو القراءة. وقد رق قلب أحد الأصدقاء علي عندما راءاني في هذه الحالة، فتبرع أن يمدني ببعض الكتب التي كنت أبحث عنها، وكان أحدها رواية "الآخرون" للكاتبة السعودية "صبا الحرز".
أثيرت حول هذه الرواية الكثير من الدعاية والكلام الذي بدا من الواضح أنه ترويج احترافي للكتاب، وقد بدت هذه الظاهرة في التواجد في ساحاتنا الأدبية والإعلامية بشكل مكثف هذه الأيام، وهي فكرة جميلة ورائعة لتسويق الكتاب، وجعله هدفا للتنافس بين الناس.
لكنها أثارت في نفسي الريبة قبل أن أقرائها، من كونها ترويج إعلامي فقط. فمقارنتها برواية "بنات الرياض" للكاتبة "رجاء الصانع" جعلتني اشك أنها مجرد دعاية، كما أن الوصف الذي عرفت به وهو "رواية الشذوذ" قد جعلني أشك أيضا أن الجنس والإثارة قد يكونا قد استخدما لتسويق الرواية أكثر من المضمون، لكني كنت قد قررت قراءتها لأني سمعت إشادة بها من شخص أحترم وجهة نظره.
بدأت قراءة الرواية، ومن البداية شدني أسلوب الكاتبة السلس والمتميز، كما شدتني الجرأة التي كانت موجودة من أول صفحات الكتاب. وقد كانت الرواية تتناول حكاية شابة شيعية من منطقة القطيف، تروي قصتها وعلاقاتها "المنفتحة" جدا في مجتمع ديني محافظ، وتعبر عن خفايا نفسها سعيا للوصل بالقارئ لحالة من فهم أعمق للنفس الإنسانية.
لكنها في نفس الوقت حملت بين طياتها تساؤلات خاصة بي عن هذه الدفعة من الروايات القادمة من مجتمعنا الشيعي، الذي يسعدني أن صوته بدأ في الظهور، لكن ظهوره بهذا الشكل المفاجئ والمدعوم بشكل غير مباشر، يضع الكثير من علامات الاستفهام. فمثلا من هي "صبا الحرز"؟ ولماذا لم يتم مقابلتها ولو من وسيلة إعلام أجنبية؟ لماذا تبدو كتاباتها مترددة بين الذكورة والتأنيث، مثلا: في الصفحة (93) تقول الكاتبة على لسانها "شعرت بأن لساني ثقيل والكلمات تخرج من بين شفتي وكأني ألتغ"، وفي الصفحة (98) تقول أيضا "ماذا أفعل؟ ماذا يفعل شخص يجد نفسه مثقوبا ومشرعا على ريح باردة"، وكذلك في صفحة (106) "أشعر أني واحدُ من قاطني أحلامي".
وبغض النظر عن تلك التساؤلات الخاصة، اعتقد أننا نواجه مشكلة في التعامل مع هذا النوع الجديد من الروايات، الذي يحتوي عمقا كبيرا في التحليل والوصف لأبعاد النفس البشرية، ولكنه في نفس الوقت يحمل في طياته شيئا من "التابو" المحرم علينا الاطلاع عليه. فالروايات التي تناقش قضية "الجنس" في السعودية تصنف على أنها أدب "فاسد"، ويجد معظمنا صعوبة بالإشادة بهذا النوع من الكتابة حتى لا يتم تصنيفه بنفس المسمى.
رواية تستحق القراءة، ولكنها تحتاج مني أن أضع تحذيرا أيضا لمن لا يريد أن يتخطى حدود الممنوع الاجتماعي. وهي من إصدارات دار الساقي، وموجودة في مكتبة "الوطنية" في البحرين.







said:


said:
said:



من المغرب