اليوم، فيما يضحي آلاف العرب والمسلمين بخراف العيد، يضحي الأمريكيين بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، فقد تم إعدامه اليوم شنقا بشكل سريع وخفي، وفي غفلة من الناس.
رحمة الله على جميع الشهداء
اليوم، فيما يضحي آلاف العرب والمسلمين بخراف العيد، يضحي الأمريكيين بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، فقد تم إعدامه اليوم شنقا بشكل سريع وخفي، وفي غفلة من الناس.
رحمة الله على جميع الشهداء
جاك دريدا هو آخر الفلاسفة المعاصرين، مفكر فرنسي يخوض غمار العقل لأقصى الحدود، ورائد فكر "ما بعد الحداثة" (أو ما يعرف بالتفكيكية) الذي يعتبر المرحلة الأخيرة من الفلسفة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين.
الحسين بن منصور الحلاج، متصوف ومفكر إسلامي، عاش وقتل منذ أكثر من ألف عام، وهو رائد الفكر الروحي الشرقي، وصل بالإنسان لأقصى مراحل الاتصال بالطبيعة والخالق، وصار علما لكون الروح هي ما يحكم الطبيعة.
يشكل الرجلان ثنائي متناقض على كل الأصعدة، فالأول يمثل الغرب في أشد توجهاته المادية الإلحادية، والآخر يمثل الشرق في أقصى مساعيه للتوحد بروح الكون، وهما بذلك يحددان قطبي الثنائية الفكرية التي عاش الإنسان بينهما على مر العصور.
وقد تجلت تلك الثنائية المتضادة في الرؤية الإنسانة لكل ما حولها، ففي الدين والفكر، تراوح العقل بين الإيمان المطلق والإلحاد، وبين الخير والشر، والواقع والخيال. وكذلك ظهرت الثنائية في العلم، ووصلت مداها في التضارب الحاد بين نظرية النسبية التي ترى النظام الأوحد في الكون، والنظرية الكمومية التي تحكمها الصدفة والقفزات غير القابلة للدراسة. وكذلك في السياسة، لا زالت ثنائية الصراع بين العدالة والحرية هي التي تحكم النظم السياسية، وما تفرضه كل منهما من تقديم حرية الفرد على المجتمع أو حقوق المجتمع على الفرد.
يلتقي دريدا والحلاج في أمرين، الأول أن كليهما يتمتع بشخصية ساحرة، استطاعت أن توظف قدراتها الشخصية في الإقناع والجذب إلى مذاهبهما الفكرية. والثاني أني أقرأ الآن لكليهما في وقت واحد، بضع صفحات من كتاب سامي مكارم "الحلاج في ما وراء المعنى والخط واللون"، ثم بضع صفحات أخرى من كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" لعبدالوهاب المسيري.
فقد عودت نفسي أن لا أنظر لشيء من زاوية واحدة فقط أبدا، وعندما أجد نفسي أمام عملاقين في السحر والتأثير، كان لا بد أن أحصن نفسي من الوقوع في محيط أحدهما، فدعوتهما للحديث معي في نفس الوقت. الأول يحدثني عن أقصى اليسار، والثاني يدعوني لأقصى اليمين، لكني باقي دائما على مقولة أرسطو، أن الفضيلة هي دائما وسط بين رذيلتين.
اعتدنا أنا وزملائي في العمل على إطلاق لفظ "حمار الأسبوع" على يوم السبت. فهو اليوم الذي يلي الأجازة، ويسير كل شيء فيه عادة ببطء شديد، فشبهناه بالحمار لعناده في الحركة.
لكن الآن يبدو أن كل شيء سيتغير، فقد بدأ الحديث عن قرب تطبيق نظام الأجازة الأسبوعية الجديد، حيث سيتغير يومي الخميس والجمعة إلى يومي الجمعة والسبت، وذلك لتوافق أجازات نهاية الأسبوع (الويك إند) مع المواعيد العالمية في العمل والأجازة.
لا أعلم تماما متى سيتم تطبيق هذا الأمر، لكني سمعت من يقول أنه سيكون أول السنة الهجرية القادمة، رغم أني لا أرى أي استعداد حقيقي له في الدوائر الحكومية والمدارس (وهما المصدر الأول للإشاعات الصحيحة في البلاد).
لقد تحمل يوم السبت (ذلك الحمار المسكين) الكثير من الشتائم والنعوت المختلفة، من طلاب المدارس، وعمال المصانع، والموظفين، فحان له أن يرتاح ويتولى غيره هذه المسئولية. لكن يا ترى هل ستتغير مشاعر الناس بسرعة، وهل سيصبح يوم الأحد هو العدو الجديد للمجتمع؟!
لا أعتقد أني سأتأقلم مع هذه الأجازة الجديدة بسرعة، وخوفي أن أجد نفسي بعد تطبيقها قد ذهبت يوم السبت إلى العمل، فأنا إنسان روتيني، ويصعب علي أن أغير عادتي بشكل مفاجأ. يبدو أني سأحصل على كثير من الوقت الإضافي (الأوفر تايم) إلى أن اعتاد على الترتيبات الجديدة.
في البداية أود أن اعتذر مسبقا من نصفنا الآخر "المرأة"، لما سيبدو أنه نقد أو تجريح لتصرفاتهن الجميلة، فقد كانت ليلة أمس باردة، ممتعة، ثقافية، وغرائبية، عشتها في أحضان معلم ثقافي جديد في الرياض هو "حوار غاليري". لكن الذي جعلها أكثر إثارة للاهتمام، أنني قضيتها وسط قبيلة من النساء.
كان من المفروض أن أذهب يوم الأحد لافتتاح معرض فن تشكيلي للفنانين السوريين العالميين "بهرام حجو"، و"عمر حمدي"، لكن لانشغالي بأعمال أخرى اضطررت أن أتأخر لبعض الوقت، ولم أجد إلا يوم أمس للذهاب قبل أن ينتهي المعرض. ومن حسن الحظ أني تذكرت بأن أختي الكبرى قد طلبت أن ترافقني في أحد "طلعاتي" الثقافية كما تحب أن تسميها، فكان لها ما تريد، وانظمت لنا أختي الصغرى كذلك.
قمت بالاستعدادات المعتادة لمثل هذه المناسبة، كمراجعة بعض المعلومات عن الفنانين، واختيار البدلة والعطر الملائمين لهذا الجو الثقافي، كما تلوت قائمة الشروط المتعلقة بمشاركتهما لي في هذه الزيارة، والتي كان أهمها أن يتذكرا دائما أننا ذاهبون لمشاهدة اللوحات وليس متابعة الموضة فيما ترتديه الأخريات!!
بعد أن وصلنا هناك، وتخطيت فكرة الرعب من الطابق 52 الذي يقع فيه المعرض في مبنى المملكة، استحضرني شعور آخر، فقد لاحظت من ركوبنا المصعد ومن ثم دخولنا إلى القاعة، أن كل الحضور من النساء، فراجعت جدول المعرض لأتأكد إن كان اليوم مخصص للنساء فقط فلم أجد ما يوضح ذلك، لكني لم أجد من يعترض على دخولي (وقد تكون للبدلة يد في ذلك) فبدأنا مشوارنا في التعرف على اللوحات.
كانت البداية طيبة جدا، فقد تجاوبت الأختان بشكل متفاعل (على غير العادة) مع المعلومات المتواضعة التي كنت أقدمها لهما، حتى أنهما بدأتا تقدمان ما لديهما من انطباعات وأحاسيس عما يشاهدانه، وقضينا بعض الوقت مع الفنانين مستمعين لحديثهما عن الأعمال التي يعرضانها، وتناولنا بعض "الضيافة" التي يقدمها المعرض من القهوة أو العصير، ثم تغير كل ذلك.
بدأت الأختان تختفيان عن ناظري، وتتحينان الفرصة في انشغالي بالحديث مع أحد الرسامين واندماجي معه، فتذهبان لزاوية أخرى لبدء المحادثات "النسوية" الخاصة، وصار بيننا ما يشبه لعبة "الاستغماية" حيث أجدهما فيفران كل مرة، حتى أني وجدت نفسي في بعض المواقف أشرح انطباعي عن الأعمال الفنية لحضور آخرين، وجدوا طريقتي في استخدام "لغة الجسد" أثناء الشرح جاذبة للانتباه. كما أني بدأت ألمح أثناء بحثي عنهما بعض الملامح لفتيات لم يكن الغرض من حضورهن رؤية اللوحات، فتلك تتحدث على الجوال طوال الوقت، وأخرى انشغلت بتذوق كل أنواع الطعام الموجودة (كانت بدينة قليلا)، ولن أنسى "رباعي" المرح الذي أستطيع أن أجزم أنهم قد دخلوا بالخطأ للمعرض، فقد كانوا يسألون عن أمور ليس لها علاقة بالفن من قريب ولا بعيد.
ذروة الليلة كانت لقائنا بالكاتبة القديرة "ندى الطاسان"، حيث كانت حاضرة بكل ثقافتها ونشاطها المعتادين، تنشر الابتسام بين الحضور، وتعرّف من يحتاج إلى التواصل مع الفنانين، وتضع معرفتها الخاصة في خدمة الجميع، مما أضفى على المكان لمسة ثقافة مضاعفة، ولكن حتى لقائنا بها لم يخلوا من الطرافة السريالية التي عشناها هذه الليلية. فلا أنسى تعابير وجهها الباسم بعد أن قدمت نفسها للأختان ولم تجد صدى لاسمها لديهما، فلم يكونا يعرفان من تكون، فصار في مخيلتي أن أبحث عن أحد النوافذ القابلة للفتح كي أقفز منها.
انتهت تلك الليلة بضحكات كثيرة، وبمعلومات مفيدة لهما ولي، وبدعوة على العشاء في "شيليز" للتعويض عن خرق قائمة الشروط المتفق عليها. وحتى العشاء لم يخلو من طرافة المرأة، فقد تبين أن الأختين قد نسيتا محافظهما في البيت "بالصدفة"، ودفعت أنا قيمة العشاء. أأأه منكم يا قبيلة النساء.
كلما شاهدت فيلمي المفضل "البودي جارد"، بطولة ذلك الممثل العبقري "كيفن كوستنر"، والمغنية العالمية "ويتني هيوستن"، أتوقف عند مشهد جلوسه أمام أباه، وقد وضعا أمامهما لعبة الشطرنج، التي استمرا يلعبانها مدة ثلاث سنوات، ولم ينهياها بعد.
لم تجذبني اللعبة نفسها، رغم أني من المغرمين الهاوين للعبة الشطرنج التي تفتقد للشعبية في بلادنا، بل فكرة الصبر التي يتحليان بها، والقدرة على فهم واقع الحياة، في أن الأشياء الجميلة والحقيقية لا تأتي بسرعة أو بسهولة.
إن ثقافة السرعة التي حلت علينا وانتشرت بين شبابنا وبناتنا، تصطدم بالواقع بشكل مخيف، وهي السبب (حسب نظري) لكثير من المشاكل النفسية والاجتماعية، الجميع يريد النتائج بأسرع الطرق، وبأسهل الوسائل.
إن المسافة والزمن بين طلب شيء ما والحصول عليه هو الحياة نفسها، وفيه يكمن الجمال الحقيقي، وكثير من الشباب يضيع هذا المفهوم فيخسر فرصة اكتساب الخبرات من الحياة، فتراه يعيش عشرين سنه بخبرة سنة واحدة، يكررها على نفسه كل عام، لأنه لا يريد أن يقضي الوقت في اكتساب العبر من لحظات الانتظار.
لقد نلت حظي من التسرع والندم عليه، وكانت بعض قراراتي بدون تفكير، ولا أطلب فيها إلا الحصول على السعادة بأسرع ما يمكن، لكن الحياة قد علمتني (بالطريقة الصعبة) أني قد أضعت الكثير، وأحاول أن استعيض عنه بكل دقيقة أقضيها في تأمل الحياة، والبعد عن استعجال الوصول إلى النتائج، فهي ستأتي متى ما سرت في الطريق الصحيح، ولو بعد حين.
لم أكن من متابعي كرة القدم أبدا، فرغم أنها من الرياضات الشعبية على مستوى العالم، إلا أن الكرة الساحرة (كما يسمونها) لم تجد صدها في نفسي، حتى أن كأس العالم الأخير لم أشاهد منه حتى مباراة واحدة.
لكن جذبني في مباراة فريقي الهلال والنصر الأخيرة، التي أثارت زوبعة من التعليقات، أمر بعيد عن الكرة تماما، فقد سمعت من قال أن التحضير لهذه المباراة قد أعطي ميزانية 90 مليون ريال، لتجهيز الملعب الذي ستقام فيه، فأثار هذا المبلغ فضولي وقررت التحقق من الأمر.
وقد أتبعت في ذلك نظرية علمية تقول أن كل إنسان لا يفصله عن أي مصدر إلا "ستة" أشخاص، فإذا أحسنت الاتصال بتسلسل الأشخاص، ستكتشف أنك على معرفة بأي إنسان آخر (حتى لو كانت ملكة بريطانيا حسب إدعاء النظرية).
لم يستغرق مني الأمر إلا الوصول لثلاثة أشخاص، حتى وقعت على شخصية تعمل في أحد اللجان الخاصة برعاية الشباب، وقد أكد الخبر، أن التجهيزات قد بلغت 90 مليون ريال، بشيك قد وصل إلى "رعاية الشباب"، التي بدورها خرج منها شيك آخر بـ45 مليون ريال لمقاول كبير، والذي أصدر بدورة شيكا لمقاول "من الباطن" بـ 12 مليون ريال، وقد تكلف هذا المقاول 9 مليون ريال فقط لعمل التجهيزات اللازمة للملعب.
وقد ذكرتني هذه الحكاية بحكاية "خيالية" أخرى، تروي أن ملكا قرر أن يقيم احتفالا في المدينة، فخصص مبلغا كبيرا من المال لذلك، وأعطاه للوزير وكلفه بالأمر، فأخذ الوزير نصفه لنفسه وأعطى الباقي لشيخ التجار وكلفه بالأمر، فأخذ شيخ التجار نصفه وأعطى الباقي لقائد الشرطة، فأخذ قائد الشرطة ما تبقى من المال، وأخرج "فرمانا" على كل الناس أن تضع الزينة على بيوتها ومحلاتها لأن الملك يريد أن يحتفل، وكان أن صار الاحتفال.
من 90 إلى 9 ليس هناك فرق يذكر، فهو مجرد صفر لا قيمة له (!!!)، وبالنسبة للمعلومات التي حصلت عليها فقد كانت كلها شفهية، ومن شخص إلى شخص يعرفه ويأتمنه، فكانوا في حالة تصارح وثقة، ولم يعلموا أن هناك من سيكتب على "النت" ما سيقلون، لذا فلا أستطيع أن أقول أن ما حدث حقيقة مئة بالمئة، لكن يضل الأمر أن لو كان لدينا نظام مراقبة مالية لما صار الموضوع عرضة للتشكيك أو "الإشاعات". هل كان مجلس الشورى سيحقق في الموضوع لو لم يكن مشغولا هذه الأيام باستجواب وزير الكهرباء والمياه؟!
مع انشغالي هذه الأيام في الملحمة الثقافية الجارية في كلية اليمامة، رمتني المدونة العزيزة بنان بخبر أعاد السعادة إلى نفسي، فقد دلتني إلى مقالة في صحيفة الجزيرة، أعدتها الكاتبة منال العثمان، وتناولت فيها لقاءا صحفيا تم عبر البريد الإلكتروني، مع عدد من المدونات السعوديات، تحدثن فيه عن تجربتهن المتميزة في عالم التدوين.
ومن رحمة الله بالناس، أنه حين يكون فيهم من يقف في وجهة النور والتقدم، يضع في مقابلهم آخرين يحملون شعلة المعرفة والرقي بالمجتمع، فكثير من المدونات اللاتي شاركن في الحوار قد أطلعت على كتاباتهن، وكلهن متميزات.
فمن الكتابة الجادة والملتزمة للمدونة خولة، إلى الكتابة الأدبية الإبداعية للمدونة سارة، وفن الرسم الحاسوبي للمدونة بنان، إلى الكتابة الاجتماعية (وأحيانا النسوية) للمدونة توتي، وصالون المدونة سعلوة الشامل، وغيرهم من المدونات السعوديات.
وأجمل ما في كتاباتهن التنويرية، أنهن لم ينفصلن كل في جزيرة مستقلة، بل يتواصلن، وتكتب كل واحدة منهن معلقة على أفكار الأخرى، ويجتمعن في لقاءات رسمية كما حصل لمدونات الغربية. فهن قد أدركن سر التفوق في القرن الواحد والعشرين، وهو العمل الجماعي.
أتمنى أن يأتي اليوم الذي أتحول عن مناصرة مدوناتنا العزيزات إلى الاختلاف معهن، وطرح المواضيع التي ننظر إليها من زوايا متفاوتة، لكن ذلك اليوم لن يكون إلا بعد أن يصبحن قوة مؤثرة، وكل قوة هي سلطة، وكل سلطة لا بد لها من رادع، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
بعد أن قرأت تلك المقالة، تنهدت بقوة، وعلت وجهي ابتسامة كبيرة، وقلت في نفسي، إن البلد ما زالت بخير.
"قل لي ما هو موقفك من المرأة.. أقول لك من أنت.."
نزار قباني