جاك دريدا هو آخر الفلاسفة المعاصرين، مفكر فرنسي يخوض غمار العقل لأقصى الحدود، ورائد فكر "ما بعد الحداثة" (أو ما يعرف بالتفكيكية) الذي يعتبر المرحلة الأخيرة من الفلسفة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين.
الحسين بن منصور الحلاج، متصوف ومفكر إسلامي، عاش وقتل منذ أكثر من ألف عام، وهو رائد الفكر الروحي الشرقي، وصل بالإنسان لأقصى مراحل الاتصال بالطبيعة والخالق، وصار علما لكون الروح هي ما يحكم الطبيعة.
يشكل الرجلان ثنائي متناقض على كل الأصعدة، فالأول يمثل الغرب في أشد توجهاته المادية الإلحادية، والآخر يمثل الشرق في أقصى مساعيه للتوحد بروح الكون، وهما بذلك يحددان قطبي الثنائية الفكرية التي عاش الإنسان بينهما على مر العصور.
وقد تجلت تلك الثنائية المتضادة في الرؤية الإنسانة لكل ما حولها، ففي الدين والفكر، تراوح العقل بين الإيمان المطلق والإلحاد، وبين الخير والشر، والواقع والخيال. وكذلك ظهرت الثنائية في العلم، ووصلت مداها في التضارب الحاد بين نظرية النسبية التي ترى النظام الأوحد في الكون، والنظرية الكمومية التي تحكمها الصدفة والقفزات غير القابلة للدراسة. وكذلك في السياسة، لا زالت ثنائية الصراع بين العدالة والحرية هي التي تحكم النظم السياسية، وما تفرضه كل منهما من تقديم حرية الفرد على المجتمع أو حقوق المجتمع على الفرد.
يلتقي دريدا والحلاج في أمرين، الأول أن كليهما يتمتع بشخصية ساحرة، استطاعت أن توظف قدراتها الشخصية في الإقناع والجذب إلى مذاهبهما الفكرية. والثاني أني أقرأ الآن لكليهما في وقت واحد، بضع صفحات من كتاب سامي مكارم "الحلاج في ما وراء المعنى والخط واللون"، ثم بضع صفحات أخرى من كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" لعبدالوهاب المسيري.
فقد عودت نفسي أن لا أنظر لشيء من زاوية واحدة فقط أبدا، وعندما أجد نفسي أمام عملاقين في السحر والتأثير، كان لا بد أن أحصن نفسي من الوقوع في محيط أحدهما، فدعوتهما للحديث معي في نفس الوقت. الأول يحدثني عن أقصى اليسار، والثاني يدعوني لأقصى اليمين، لكني باقي دائما على مقولة أرسطو، أن الفضيلة هي دائما وسط بين رذيلتين.







said:


said:

said:



من لبنان