المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
علامات الترقيم

    إذا كان مقال الأمس يتحدث عن أهمية التعبير بالجسد والصوت، وأن ذلك يفوق الكلام بمراحل، حسب ما تقوله الدراسة. فماذا بقي للكتابة من تأثير؟ وهي لا تملك لغة الجسد ولا نبرة الصوت. وليس فيها إلا الكلمات.

 

   هل هذا صحيح؟ هل الكتابة لا تملك إلا الكلمات؟ لا. فهي تملك الكثير. بل قد يكون أكثر من ما تملكه المحادثة الشفهية. فقد قابل الكتّاب الأوائل تلك المشكلة، وتعاملوا معها، بنفس الإبداع الذي تناولها فيه مبدعو الخطاب والمحادثة.

 

    فقد بدأ الكتّاب وضع مساعدات للكتابة لتحل محل لغة الجسد ونبرة الصوت. ولأن لغة الجسد هي الأهم، فقد بدءوا بها. واستعاضوا عنها برسم الخط الجميل، والتفنن في الكتابة على الورق، واستخدام الألوان البراقة. ومن يشاهد بعض المخطوطات القديمة سيشاهد ذلك بشكل واضح. فصار متلقي الكلمات المكتوبة يتأثر – من حيث لا يعلم – بالمحيط الجمالي الذي كتبت فيه الكلمات.

 

    فتخيلوا معي لو كانت هذه المدونة قد كتبت على صفحة بيضاء فارغة، وكان الخط مقاس عادي وخالي من الألوان المتميزة. فماذا كان سيكون شعوركم حينها. صدقوني ما كانت ستلاقي المدونات نفس هذه الشعبية لو لم تكن فيها هذه الزخارف، والألوان، والصور.

 

    فماذا فعلوا بنبرة الصوت. وهي التي تأتي في المرتبة الثانية من حيث التأثير. لقد أوجدوا لها ما يعرف اليوم بعلامات الترقيم. التي قد نكون سمعنا عنها – وإن كان البعض لا يعلم أن هذا أسمها – لكن الغالبية تجد صعوبة تبنيها داخل النص. فيتخلى عنها الكثير من الكتاب. فتراه يبدأ الفقرة إلى أن ينهيها دون استخدام علامة واحدة.

 

    وعلامات الترقيم هي المقابل في الكتابة للانفعالات الصوتية. فمثلا لو أخذنا الفاصلة والنقطة، الأكثر شهرة واستخداما في الكتابة، والتي يعتقد البعض أنها توقف عند فكرة فرعية وفكرة أساسية. هي في الأساس رمز يمثل السكوت بين الجمل. سكوت قصير لأخذ النفس، أو وقوف طويل لتحضير القارئ لفكرة جديدة.

 

    وكذلك بعض العلامات المشهورة مثل علامة الاستفهام (؟) فلو سألنا ماذا تعني هذه العلامة، يجيب الأغلبية أنها تفيد أن الجملة استفهامية. وذلك خطأ كبير. فهي موضوعة لكي ينتبه قارئ النص إلى أنه ينبغي عليه تغيير نبرة صوته عند قراءة هذه الجملة، للتناسب مع الاستفهام الموجود فيها. وكذلك بقية العلامات.

 

    أرجو أن أكون قد أسعفني الحظ والوصف للتعبير عن هذه الفكرة التي طالما أقلقتني في الكتابة. وهي أن الكتابة ليست مجرد صف كلمات وطرحها على القراء. لكنها آلية فنية، يستطيع الكاتب أن يوظفها، ليصل بالقارئ لحالة نفسية وذهنية تساعده على توصيل المعلومة التي ينشدها، بيسر وسهولة.

 

لغة الجسد

    هل تعلم أنك حين تتحدث للآخرين فإن جسمك يقول أكثر من ما يقول لسانك؟ وأن الفرق بين المتحدث الجيد الذي يجذب كل من حوله بحديثه، والمتحدث السيئ الذي تريد أن تهرب منه، هو في طريقة تحكم كل منهما بعضلات وجهة، وحركات يديه، ونبرات صوته.

 

    ففي دراسة قامت بها جامعة أكسفورد، تناولت طرق توصيل المعنى أثناء تخاطب أثنين مع بعضهما، ظهرت نتائج لم يكن الإنسان يتصورها. وكانت هذه الدراسة مفتاح لثورة اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، غيرت كثير من معالم التخاطب بين الناس.

 

    فقد أظهرت الدراسة أن هناك ثلاث وسائل يستخدمها الإنسان لتوصيل المعنى أثناء التخاطب الشخصي. الكلام، نبرة الصوت، ولغة الجسد. والمفاجأة أن ما كان يعتقد الناس من أن الكلمات هي الموصل الأول، فلم تحصل إلا على 10% في هذه الدراسة. وحصلت نبرة الصوت على 35%. والباقي (55%) كان من نصيب لغة الجسد.

 

    وقد ظهرت دراسات أخرى بعدها، تفاوتت النسبة فيها بعض الشيء. لكنها اتفقت جميعا على أن لغة الجسد تستحوذ على النسبة الأكبر دائما، عند التخاطب مع الآخرين. فقد أجتمع الكلام مع نبرة الصوت وحصلا على 30% فقط في دراسة أخرى، ولغة الجسد 70%.

 

    لكن ماذا يعني كل ذلك بالنسبة لنا. فالسياسيين، والإعلاميين، والمعلمين، والبائعين، وكل من له تخصص مهني، عرف كيف يستخدم هذه الدراسة، ليستفيد منها لتحويل نتائجها لنجاح ملموس مع الآخرين. لكن ماذا عن الإنسان العادي. هل يستطيع أن يستفيد من تلك المعلومة.

 

    هل يستطيع الزوج إذا عرف ذلك أن يحسن من طريقة تعبير وجهه لزوجته إذا عرف أن ذلك سيجعلها سعيدة. وكذلك الزوجة، هل تستطيع السيطرة على نبرة صوتها، لتعرف أن نبرة الصوت هي سر حصولها على سعادة زوجها وحبه. وهل سنعرف أن أبناءنا لا يسمعون الكلمات التي نقولها لهم، ولا النصائح التي لا نطبقها، ولكن يقتدون بما يروننا نفعله من تصرفات.

 

    إنها حياة جديدة نقدر أن نعيشها متى ما عرفنا أن الكلمات ليست فقط هي سر المعنى. ولكن الحديث مع الآخرين بكامل جسدنا هو ما سيحل مشكلة التواصل بيننا. وأننا بقليل من العناية بنبرة صوتنا، وطريقة جلوسنا، وإشارات يدينا، والتفاتة عينينا، نستطيع أن نسعد كل من جلس ليتحدث معنا.

 

UFO

    أريد اليوم أن أخرج بعيدا عن نطاق المواضيع المعتادة التي أتناولها في هذه المدونة. وأتحدث عن موضوع شغلني منذ أن وعيت على هذه الدنيا، وبدأت بالاطلاع على ثقافات الآخرين. والموضوع هو عن ما يعرف بالأجسام الطائرة المجهولة أو UFO.

 

    فقد كنت مسحورا بهذه الفكرة الاستثنائية، أن هناك ناس من الفضاء، يأتون إلى الأرض، بأشكال غريبة، ولكن بتكنولوجيا متقدمة تفوق ما لدينا بكثير. وهدفهم الأول والأخير هو تنظيم سير الإنسان على هذه الأرض.

 

    وقد كنت استغرب عدم ظهور هذه المركبات لدينا نحن العرب. وأتساءل عن سبب ظهورها فقط في أمريكا، وأوربا، والدول الغربية عموما. فهم يظهر لهم رجال من الفضاء، ونحن يطلع لنا الجن فقط.

 

    وفي الوقت الذي كان زملاء الدراسة يتبادلون قصص الجن والعفاريت، وحكايات اكتشافها هنا وهناك، كنت أنا أقرأ كتب تفسير ظاهرة الأطباق الطائرة. وفي عقلي لازال يدور ذلك السؤال عن سبب عدم ظهور تلك المخلوقات الفضائية عندنا.

 

    ومع الوقت، نمى لدي حب البحث والتحري عن هذا الموضوع. فأصبحت أقرأ كل ما تقع يدي عليه من كتب عنه. وأتابع البرامج الوثائقية التي إما تؤيد، أو تخالف، أو تقف بين بين. لكني بدأت مع هذا المشوار مشوار آخر. وهو البحث في تراثنا عن ذكر لهذه المخلوقات الفضائية القادمة من السماء.

 

    ما أثار رغبتي للكتابة عن الموضوع الآن هو ما يعرض على قناة الإم بي سي وان، وهو مسلسل "تايكن" أو المخطوفون. مسلسل تلفزيوني رائع من عمل المخرج العبقري ستيفن سبلبرغ. يحاول فيه أن يعرض رؤية واقعية لحالة المخلوقات الفضائية.

 

    وأعتقد أن في تاريخا الثقافي ما يشير إلى هذه الظاهرة. لكننا لم ننظر إليه بعين الحاضر. ومر علينا كما يمر الكثير، فنقرأه دون تركيز ولا بحث حقيقي لما يربطه بواقعنا المعاصر.

 

    تعالوا معي نتأمل هذا الحديث. عن أسيد بن حضير رضي الله عنه قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده. إذ جالت الفرس. فسكت فسكتت. فقرأ فجالت الفرس. فسكت وسكتت الفرس. ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه. فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. فلما أصبح حدّث النبي (صلى الله عليه وسلم) . فقال : "أقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير". قال: "اشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظّلّة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها". قال: "وتدري ما ذاك؟" قلت: "لا". قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم". رواه البخاري حديث رقم 5018.

 

    وهنالك أحاديث أخرى، مثل رواية العملية الجراحية التي أجريت للرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو طفل صغير. وشاهدها أحد أخوانه من الرضاعة. أنا اقترح لمن كان لديه فضول لهذا الأمر الرجوع وقراءة ما في كتب التراث عن مشاهدات المخلوقات "القادمة من السماء". لكن هذه المرة بعين أخرى.

 

شماغ وعقال وثوب

    طبقت الحكومة السعودية منذ فترة بسيطة قانونا أثار الاستغراب في نفسي. وهو أن على جميع من يرغب في مراجعة الدوائر الحكومية ينبغي أن يكون مرتديا للزي الكامل السعودي. شماغ، وعقال، وثوب.

 

    في أول الأمر اعتقدت أنها طرفة من أحد الزملاء الذين أخبرني بالقرار. لكن بعد زيارتي لأحد المرافق الحكومية، وكنت مرتديا بدلة العمل. تفاجأت بأحد الموظفين يردني، ويقول أن النظام الآن أن لا يراجع أحد في الدوائر الحكومية إلا بالزي الكامل.

 

    ماذا يعني هذه القرار؟ ومن هو هذا المسئول الذي ترك مشاكل المراجعات الحكومية – وما أكثرها – ليتفرغ لوضع قانون خاص بما يجب أن أرتديه أو لا أرتديه.

 

    لا شيء لدي ضد لبس الزي الوطني السعودي، وأنا مقتنع تماما أن الزي يمثل الثقافة والحضارة التي ينتمي إليها الإنسان. لكن الأمر لا يكون بهذه الطريقة. وهناك حسب ما أعرف أزياء تراثية أخرى حسب المناطق التي تنتمي إليها في السعودية. فأهل الحجاز وأهل الجنوب يرتدون ملابس خاصة ورثوها عن أجدادهم. فهل هم مجبرون على ارتداء الشماغ والثوب حسب هذا النظام.

 

    أنا شخصيا أحب أن أرتدي البدلة بين الحين والآخر. أولا من باب التغيير. وثانيا حتى أذكر الآخرين – ونفسي - أن لبس البدلة ليس حراما، ولا عيبا، ولا هو تشبه بالأجانب كما يقول بعض دعاة الجمود. وأخيرا لأنظم إلى العالم أجمع. الذي اختار أن يجعل البدلة هي الزي الرسمي العالمي. ويبقي زيه الوطني ليفاخر به في المناسبات الخاصة.

 

    وأعتقد أن في لبس مليكنا عبدالله للبدلة عندما قام بزيارة حول العالم، دليل كافي أن هذا الرجل يناصر النظرة الحديثة للمجتمع. وأنه يقول بفعله - لا بلسانه -، أنني معكم، وأننا للأمام سائرون. أطال الله عمرك أبومتعب.

 

    أنا متأكد أن هذا القرار سيسقط في تنفيذه إلى سلة المهملات، كما حدث لبعض القرارات الأخرى، كقرار منع التدخين في جميع الدوائر الحكومية، التي لا زالت تمارس فيها هذه العادة. لكني سأضل أتساءل، من الذي أتخذ هذا القرار؟

 

ذات الوشاح الأبيض

    سأتحدث اليوم عن مدونة غريبة وفريدة في فكرتها وأسلوبها. جذبتني منذ اللحظة الأولى التي كان الحظ باسم لي في اليوم الذي اكتشفتها فيه. وأسم هذه المدونة "رحلة البحث عنها".

 

    لقد تعرفت على هذه المدونة في يومها الثاني عشر. ومن يومها وأنا متابع لها، وفي انتظار أن يكتب صاحبها مكملا أحداث القصة. فالمدونة تروي قصة ذات الوشاح الأبيض، التي رآها فتانا في أحد الأسواق، وتعلق قلبه بها أشد تعلق. وبدأت من ذلك حكاية طويلة للبحث عن هذه الفتاة المجهولة.

 

    وككل القصص الرومانسية الجيدة، تنتهي هذه الحكاية بنهاية سعيدة. حيث يصل إلى فتاته في نهاية المطاف. وتكون أكثر روعة من ما رسمه خياله عنها. ويختم أيامه الأخيرة بوصف الزواج الميمون بينهما.

 

    وتتمتع هذه المدونة بجمال الأسلوب، وخفة اللفظ، والتشويق المستمر لمعرفة المزيد عن الحكاية. كما أن كاتبها عرف كيف يوظف اللهجة المحلية بشكل متناسق مع نمط الرواية. فأضافت لها بعدا ساحرا آخر.

 

    كاتب هذه الرواية – أو المدونة – يشتكي في النهاية من خلو ذهنه من الأفكار الجديدة. ويقول أنه لم يعد قادرا على تدوين أي شيء بعد أن أنها تلك المغامرة، التي لا يمكن أن توصف إلا بالرائعة.

 

    وكالعادة، ستكون هذه المدونة في مفضلتي لمن أراد أن يزورها. لكني ينبغي أن أحذركم أن الكاتب لم يعد يحدثها. ومن يدري، قد تقنعوه بالاستمرار بالكتابة، إذا شاهد عدد كبير من القراء الراغبين بالمزيد من جمال كتابته. فلا تقللوا من قوة الكلمة الطيبة. وجعل الله جميع كلامنا طيب.

 

صالة سينما يا ناس

    أعلم أن هذا الموضوع قد يكون غير ذات أهمية بالنسبة للقراء غير السعوديين. ولكنه – هل ستصدقون هذه الكلمة – أمنية لدى السعوديين الراغبين أن يعيشوا مثل بقية العالم.

 

    فبرّغم من متعتي للسفر إلى دول الخليج الأخرى، فقط لمشاهدة فلم جديد قد نزل إلى الصالات، إلا أنني أحس بنفسي أقل من الآخرين. وأن حريتي ناقصة إذا لم احصل على هذا الحق. وهو أن تكون في بلدي الغالية السعودية صالات سينما.

 

    لا أعرف لماذا يتناول المجتمع السعودي كل فكرة جديدة بشيء من الحساسية. فعندما كتبت عن حق المرأة في قيادة السيارة، علق أحد الأخوان بقولة "نقل العفن الغربي إلينا ومطالبتهم بالفساد الخلقي من فتح دور للسينما إلى قيادة المرأة".

 

    فمتى كان الفن فساد خلقي؟ وكيف توصل هذا الإنسان لهذه النتيجة المتطرفة بكل المقاييس. نحن لا نطالب بفتح صالة سينما إباحية، أو بتقديم المشروبات الكحولية في هذه الصالات. نحن فقط نريد أن نستمتع بمشاهدة سحر الشاشة الفضية في تحويل الروايات والقصص العالمية إلى مشاهد مصورة. تنقلنا ولو للحظات إلى عالم استطاع أن يأسر قلوب الملايين من الناس حول العالم.

 

    تخيلوا – السعوديين فقط رجاءا – أن تذهب في نهاية الأسبوع أنت وأهلك لقضاء وقت ممتع في سماء الفن السابع. تتناولون "البوب كورن" والمشروبات الغازية، وتخرجون بعد ساعتين وأنتم مليئين بالسعادة والمرح. لماذا نحرم من هذه الصورة الجميلة. لأن أحد ما يعتقد أنها "عفن غربي" و "فساد خلقي".

 

    سأستمر في الذهاب إلى إخواني الخليجيين لمشاهدة أفلامي المفضلة. وأرجو أن لا يملوا مني لكثرة ترددي عليهم. فإلى أن يهدي الله الحكومة الرشيدة، وتتوقف عن مجاملة الجماعات المتشددة، ستضل السينما أمنية عزيزة على قلبي، وعلى قلوب آخرين مثلي، يشتهون أن يتمتعوا بالفن الراقي.

 

الكتابة مرة أخرى

    حين كتبت مقالتي "الرهان الصعب"، كان تركيزي على أن استطلع آراء المدونين الآخرين، لأعرف منهم معوقات الكتابة لديهم. ولم يصدمني عدد الذين كانوا يشتكون هم الكتابة بالعربية، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر. وبغير المباشر اعني تأيدهم المتعاطف مع مشكلتي. مما يعني أنهم يعانون من نفس الأعراض.

 

    فإذا حددنا المشكلة على أنها رغبة شديدة بالكتابة من جهة، وعجز – غير مفهوم - عن ممارستها من جهة أخرى، يكون الطريق عبر تحليل هذا العجز المبهم، ومعرفة أسباب عدم تواصل العقل مع اليد للكتابة. فلا أعتقد أن أغلب الناس لديها مشكلة في التعبير اللفظي عن ما بداخلها. إلا قلة من الناس وهم ليسوا موضوعنا هنا.

 

    ترتبط الكتابة، بشكل وثيق، بالنسق الثقافي الذي ننتمي إليه. فجميعنا نشعر برغبة عارمة للكتابة، لكننا نجد أنفسنا بلا كلمات بعد أن نكتب السطر الأول. وأنا متأكد أن ليس لها علاقة بكوننا عربا، ولا بكتاب عبدالله القصيمي "العرب ظاهرة صوتيه". لأن تلك نظرة عنصرية غير علمية ولا منطقية.

 

    ينبغي أن نعلم أن تأصيلنا وتعليمنا للكتابة العربية منذ المراحل الأولى، لا يتم بشكل صحيح. فلو رجعنا قليلا إلى صفوف الدراسة فلن نتذكر إلا درس التعبير الممل، الذي كان يركز في مجملة على ماذا نكتب، مهملا الدور الرئيس له، وهو كيف نكتب.

 

    وتستمر معنا هذه المعاناة – التي لم ندرك أنها معاناة حينها – إلى مراحل الدراسة المتقدمة. حتى أنني أضيف من تجربة شخصية، أني تخرجت من الجامعة ولم يمر علي أستاذ واحد ليشرح لي ما هي علامات الترقيم. وقد شهدت العديد من خريجي الجامعات الذين لا يستطيعون كتابة صفحة واحدة، دون أن تكون هذه الصفحة مليئة بالأخطاء الإملائية، والقواعدية، والبلاغية.

 

    وأنا متأكد لو أني طرحت هذا الموضوع في مدونة إنجليزية، لما كانت النتيجة كما هي الآن. فثنائيو اللغة – وهذه من واقع تجربة – يستطيعون التعبير عن أنفسهم بأسلوب سلس. بل أن بعضهم قد يختار التعبير عن أصعب الخلجات العزيزة على نفسه بكلمة أو جملة باللغة الثانية. ويجدها معبرة أكثر. وذلك عائد إلى أن النسق الثقافي في الدول الغربية يركز على الكتابة كوسيلة مهمة من وسائل التعبير عن النفس. ومن النادر أن ترى واحدا منهم - حتى وإن كان بسيط الثقافة - يقع في الأخطاء التي نقع فيها نحن الكتاب العرب.

 

    سأكتفي هنا بطرح التحليل لظاهرة صعوبة الكتابة بالعربية. وسأخر الحلول المقترحة للخروج من هذه الأزمة إلى مقالة أو مقالات أخرى، حتى لا يكون الموضوع طويلا ومملا.

 

سعوديات كما يجب

    وقع نظري بالأمس على مدونة رائعة. قام على إنشائها مجموعة من الفتيات السعوديات، اللاتي ارتأين أن الوقت قد حان للمطالبة العادلة بحقوق المرأة الشرعية، التي حرمن منها. واسم هذه المدونة "سعوديات كما يجب".

 

    وأكثر ما شدني إلى المدونة، على الرغم من كونها قد بدأت حديثا، هي الواقعية التي تتمتع بها كاتبات تلك المدونة. فقد شرحن مطالبهن بطريقة عقلانية، وواضحة، وإن بدت لي مجاملة للمجتمع ومتحفظة. وقد يكنّ اخترن طريق الحكمة لدعوة المجتمع للإقرار بمطالبهن العادلة.

 

    ليس هناك أحق من المرأة بالمطالبة بحقوقها. فإن قام الرجل بذلك، لم يسلم من الاتهام، ورمي الغمزات واللمزات عن دوافعه الخفية لدعوة المرأة للمطالبة بحقوقها. ومن يرمي ذلك الاتهام لا يعرف أنه يفضح ما بداخل نفسه من ضعف واستسلام لشهوانية عقلة المريض، الذي يعتقد أن كل الناس مثله.

 

    أتمنى أن تعلم الأخوات ما هن مقبلات عليه. وأرجو من الله أن يقيهن اتهامات وهجمات من لا يراعي كرامة الإنسان ولا حقوقه. فهم في كل مكان يتربصون بمن يرفع صوته مطالبا بغير ما يرونه الأصلح برأيهم.

 

    المجتمعات لا تتغير إلا بحركة من الأعلى، حين يكون هناك قائد شجاع يتخذ القرار السليم للقيام بالإصلاح حتى وإن أفقده ذلك شعبيته؛ أو من الأسفل، حين يجد الناس أنفسهم مضطرين للمطالبة بما يرونه حق لهم قد اغتصب.

 

    إننا نمر هذه الأيام بتغييرات عصيبة وجذرية في المجتمع السعودي. والكل قد شحذ سلاح لسانه لرفض أو تأييد هذه التغيرات. وما أراه أن الجماعات المتشددة هي أكثر استعداد وخبرة من الآخرين. لكن، والحق يقال، هناك إشارات كثيرة بالتأييد من قبل الحكومة لدعاة التغيير، وإن كانت لا تستطيع التصريح بذلك.

 

    من يريد متابعة نشاط الأخوات، يستطيع أن يزور مدونتهن المسجلة في المفضلة لدي. ومن لا يستطيع أن يدعمهن بالكتابة والتأييد، فلا ينساهن من الدعاء لهن بالتوفيق والسداد.
 
يا عمال العالم اتحدوا !

    ليطمأن الجميع، فلن تتحول هذه المدونة إلى اللون الأحمر الذي اشتهر به دعاة الشيوعية والاشتراكية في القرن العشرين. وهذه الصرخة التي كانت شعار الحركات العمالية، أصبحت دعوة عامة للاجتماع وتوحيد الجهود.

 

    وأنا أصيح بها اليوم لأتحدث عن نظام جديد في السعودية، أقره مجلس الشورى، وتم اعتماده من مجلس الوزراء. وهو نظام اللجان العمالية.

 

    فكل منشأة يزيد عدد أفرادها عن 100 عامل، يمكنها أن تتقدم بطلب لوزارة العمل لإنشاء لجنة عمالية واحدة خاصة بها. ويمكن أن تتكون اللجنة من أعضاء لا يقل عددهم عن ثلاثة، ولا يزيد على تسعة. ومدتها ثلاث سنوات. ويشترط في العضو أن يكون سعودي الجنسية، ولا يقل عمره عن تسعة وعشرين عاما، وأن لا تقل مدة عمله في المنشأة عن سنتين.

 

    والمثير فيها أيضا، أن اللجنة لا تعيّن، ولكن تنتخب من قبل العمال أنفسهم. وفي ذلك تدريب جيد لمجتمعنا الذي تعود التعيين الشرفي، حتى لم يعد يعرف ماذا يفعل حين يذهب لينتخب، أو من ينتخب، أو على أي أساس يختار المرشح الأفضل لديه.

 

    والجميل أن المرأة قد أخذت في الحسبان هذه المرة، منذ نشوء هذا القانون. فلها الحق بالمشاركة والترشيح كما الرجل. واعتقد أنها أول مرة يصدر فيها قانون مشترك، لعمل مشترك بين المرأة والرجل. وهذا يبشر ببداية طيبة.

 

    قد لا يكون ذلك جديدا على أخواني العرب الآخرين، الذي عرفت مجتمعاتهم النقابات والاتحادات العمالية. ولكنه جديد علينا نحن السعوديين.

 

قل لي أي جريدة تقرأ ؟

    سألتني مرة إحدى الصديقات عن الجريدة اليومية التي أقرأها. وبعد استغرابي لهذا السؤال المباغت، أجبتها أني عاشق لجريدة الحياة.

 

    أطالعها كل صباح لأقرأ المقالات الإخبارية والسياسية. وأول ما أبدأ به هو مقال الكاتب المبدع جهاد الخازن. ثم أضعها على جنب، لأعود إليها بعد العصر لقراءة المقالات الثقافية. ثم اختم في المساء قبل النوم بقراءة المقالات المنوعة الأخرى.

 

    كانت هذه عادتي طوال سنوات، وما زالت. وعندما سألتني الصديقة العزيزة هذا السؤال، وجدتني أجيب عليها، وأباغتها بسؤال عن سبب فضولها – المستغرب من قبلي – لمعرفة جريدتي المفضلة. فقد اعتدنا أن يسألنا الناس عن الكتب التي نقرأها، أو الهوايات التي نمارسها، أو حتى فريق كره القدم المفضل لدينا. لكن أن يسألني أحد عن جريدتي المفضلة، فتلك كانت تجربتي الأولى.

 

    وبعد أن سمعت منها سبب السؤال، توقفت عن الاستغراب من السؤال، لأبدأ بالاستغراب من الرأي الرزين والجديد علي.

 

    قالت لي أنها اكتشفت رابطا بين طريقة تفكير الناس وبين الجريدة التي يفضلونها. وأنها اعتادت أن تتعرف على ما يقرأه الآخرين من صحف، حتى تحدد شخصياتهم. فمن يختار جريدة الشرق الأوسط مثلا – وهي جريدتها المفضلة – ذات البعد الثقافي الواسع، يختلف عن من يقرأ الرياض أو الجزيرة المحليتين، واللتين ترتكزان على الإعلانات والرياضة.

 

    قد نكون نعلم جميعا أن متابعة الصحف التي تستقطب الكتاب العرب المبدعين ستخلق إنسانا مثقفا من طراز عالي. لكن هل فكرنا باكتشاف ثقافة من يتحدث معنا بسؤاله عن جريدته المفضلة. تلك كانت فكرة جديدة علي.

 

يا ترى، أي جريدة تتصفح عزيزي القارئ؟

 

مالئ الدنيا وشاغل الناس

    هذه عبارة تقال لوصف الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي. لكني استعيرها اليوم لوصف شاعر عربي كبير آخر هو نزار قباني. والذي دعاني للكتابة عنه، أنه يعاد هذه الأيام عرض مسلسل عن حياته. وقد وعدت نفسي أن أراه، ولم أفعل. فقد فاتني عرضه الأول في رمضان، والآن يفوتني مرة أخرى.

 

    لطالما كنت – وغيري الكثير طبعا – معجبا بأشعار هذا الرجل وحياته. ولو لم يكن مبدعا حقيقيا لما كان له من المعجبين بعدد الناقدين والكارهين له.

 

    فقد عاش نزار قباني حياة مليئة بالصراعات. وحرّم ومنع في عديد من الدول العربية. لكنه ضل صامدا في مكانه، ولم يتنازل عن أفكاره في الحرية، والديمقراطية، والكرامة الإنسانية.

 

    وإن كان نزار قباني اشتهر كشاعر الحب الأول - بلا منازع – في عصرنا الحديث، إلا أنه كتب في شعر السياسة والإصلاح الاجتماعي، بمقدار ما كتب عن المرأة والغزل.

 

    وطبعا لا نستطيع أن ننسى أن كثير من الأغاني الرائعة، التي يتغنى بها مطربين كبار، مثل أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، ونجاة، وماجدة الرومي، هي من إبداعات هذا الشاعر الرومانسي الكبير. وقد استغربت حين عرفت من نقاشي مع بعض الشباب والشابات، أنهم لا يعرفون أن كثير من أغاني المطرب العراقي كاظم الساهر، هي أيضا لنزار قباني.

 

    ولإكمال الحديث عن المسلسل، فإني تمكنت من رؤية بعض الحلقات. وأكثر ما أعجبني اختيارهم لممثل شاب جديد لأداء دوره. ويا ليتهم أتموا حلقات المسلسل بهذا الشاب.

 

    ومع علمي على تحفظ بعض القراء في الاطلاع على أشعاره، إلا أنني أدعوهم للعودة لقراءة كتابات هذا المبدع. ومحاولة فهم الرموز والمعاني التي كان يضعها بين السطور، ليقول لكل إنسان على حدة، بأنه مركز هذا الكون. وأن كل إنسان يستطيع أن يحب، ويغني لحن الحياة، ويعيش حياته كما يريد هو، وليس كما يرغبه الآخرون.
 
الرهان الصعب

    حين بدأت الكتابة في هذه المدونة، كان لدي العديد من الأسباب والدوافع لعمل ذلك. أحد هذه الأسباب هو رغبتي في معرفة قدرتي الشخصية في الاستمرار بالكتابة اليومية دون توقف.

 

    أذكر أنني قرأت رأيا للكاتب والروائي "الطيب الصالح" عندما سؤل لماذا هو مقل في إصدار رواياته. فأجاب أن كتابة المقالة اليومية قد استنفذت منه كل قدرة على كتابة الرواية.

 

    إن الكتابة اليومية معاناة فعلا. ولكنها معاناة جميلة ولذيذة. وفيها كثير من التحدي. فأنا اسأل نفسي دوما إلى متى استطيع أن أكتب؟  ومتى تنضب الأفكار التي استوحيها لكتابة هذه المقالات؟ وهل سيجيء يوما لا أعود قادرا فيه على كتابة مقال آخر؟

 

    إلى الآن لم يفل ساعدي، ولم تقل همتي، بل أن كل مقالة توحيلي هي بدورها بالمقالة التالية. وكذلك بعض المشاركات التي أتشرف بمطالعتها والاستفادة منها. وبعضها قد يقدم معلومة أو إضافة أهم من فكرة المقالة نفسها.

 

    فهو إذا رهان مع نفسي، أتمنى أن لا أخسره. لأني فعلا أحب الكتابة، وأحب أن أرى عيونا تقرأ تلك الحروف التي نظمتها أناملي. وأن تبتسم تلك العيون بعد أن تنتهي من قراءة ما كتبت. وأرجو أن تكون ابتسامة رضا.

 

لماذا العراق؟

    لا أحبذ الحديث عن الصراعات السياسية بين الدول. ولكني أجد في قضية غزو العراق واحتلاله بابا للحديث عن نمطية التفكير السائدة لدينا. والتي تكون مبنية على العاطفة أكثر منها على العقل.

 

    كل إنسان له قلب ينبض لا يستطيع إلا الشعور بالحزن والأسى على ما يحدث في عراقنا الشقيق. وجميعنا نتمنى أن تنفك هذه الغمة عن أشقاءنا، وأحباءنا، وأهلنا في بلاد الرافدين.

 

    ولكن لو أردنا أن نعرف ما الذي يحدث في العراق، ولماذا هو بالذات، لتوجب علينا أن نرجع ببصرنا إلى الوراء قليلا، حتى تكتمل الصورة لدينا. ونكون على فهم أكبر لمجريات الأمور.

 

    لا يجهل أحد منا قصة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي السابق. والتي انتهت بانتصار أمريكا وحلفائها على المعسكرات الشيوعية. وكان من الطبيعي أن تستثمر أمريكا هذا الانتصار بالإسراع لتحويل الدول الحليفة لروسيا إلى صفها. قبل أن يدب النشاط فيها وتطالب باقتسام العالم مرة أخرى.

 

    فكان أن شنت أمريكا على الدول الحليفة لروسيا حربا دبلوماسية، واقتصادية، وعسكرية، حتى تطيح بأنظمتها الموالية لموسكو، وتستبدلها بأنظمة تابعة لها. ولو حاولنا أن نرجع بالذاكرة للوراء قليلا، واستقراءنا أسماء الدول التي غزتها أمريكا بعد استسلام غورباتشوف المشهور، لوجدنا أن دول مثل يوغسلافيا، والعراق، والصومال، كانت جميعها في المعسكر السوفيتي.

 

    وعلى نفس التحليل نستطيع أن نفهم الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة الآن على دول مثل سوريا، وليبيا، والسودان، وإيران، ما هو إلا مقدمة لتحويل أنظمة هذه الدول، لتكون تابعة لها، أو أن الحرب والاحتلال سيكون مصيرها.

 

    وما يتم الحديث عنه بين فترة وأخرى عن حرب صليبية أو مؤامرة دولية على الإسلام والمسلمين، والعروبة "والعروبيين"، ما هو إلا محاولة لتبسيط الأمور، لا تؤدي إلا إلى إرباك المواطن العربي والمسلم، حتى يعجز عن فهم قضاياه المصيرية.

 

    ويدخل في هذا التحليل أيضا، الصراع العربي الإسرائيلي. حيث نعلم جميعا ارتباط الرئيس الراحل ياسر عرفات ومنظمة التحرير بالاتحاد السوفيتي السابق. فكان من الطبيعي أن تقف أمريكا مع إسرائيل التي تمثل حلقة صراع ضد الدول المعادية لها.

 

    وأود أن أختم بالقول، بأن ما هذا إلا رأي صاحب هذه المدونة. ويحتمل الصواب أو الخطأ. لكنه مبني على اطلاع واستقراء الواقع، حسب ما بينت في السطور أعلاه. فمن رأى غير ذلك أرجو أن يبين حيثيات الخلاف لهذه الرؤية.

 

ملاحظة: إذا أردت أن تعرف الدولة الهدف التالي لأمريكا، فانظر ل