المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
ومن بعدي الطوفان

    مررت على العديد من المدونات التي تناولت الحرب اللبنانية الجارية الآن، وقد عكس معظمها الموقفين الرئيسيين السائدين على الساحة، من محمل لحزب الله المسئولية على ما يجري، إلى متهم لإسرائيل لاعتدائها على لبنان ومبرئ لحزب الله.

 

    لكن الذي جذب انتباهي هو اللغة المستخدمة لطرح كل رأي. فمعظمها كان متعصبا بشكل كبير لرأيه، وكأنه لم يسمع بتعدد الآراء، ولا إمكانية أن يكون مخطئا في رأيه. ولم يسمع قول الحكيم الذي قال: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

 

    والأدهى من ذلك، أن الأمر أصبح في بعض المدونات مسألة تشاتم مذهبي. واتهامات متبادلة بين السنة والشيعة. فقد يكون حزب الله بقيادة نصر الله قد أخطأ – حسب رأيي – هذه المرة، لكنه لا يمكن أن يتهم بالتخوين، ونسيان الماضي المشرف من المقاومة القوية التي خاضوها في سنين الحرب لتحرير الجنوب اللبناني.

 

    إن عقلية الرأي الواحد الذي لا يقبل النقاش ولا الخطأ كانت هي السائدة في تلك المنتديات. وكلهم كان لسان حاله يقول "أنا، ومن بعدي الطوفان". كأننا لسنا أمة واحدة، ولا شعب واحد. وكأن الخطر الذي يحيط بنا سيفرق إذا كنا سنة أو شيعة أو أي مذهب آخر.

 

    لقد كان رأيي منذ البداية أن السيد حسن نصر الله قد أخطأ هذه المرة، وأنه هو السبب في ما يحدث الآن من مذابح في لبنان، وأن ما تم ليس في مصلحة لبنان في شيء، بل يصب لصالح إيران. لكن ذلك لم ينسني كل الأعمال – الحسنة والسيئة – التي قام بها حزب الله بقيادة نصر الله. ولم يقدني أيضا إلى التشكيك في الشيعة كفئة خائنة في الأمة، ولا أقلل من رجالها أو أفكارهم.

 

    ولم ينسني – وذلك الأهم – أن رأيي قد يكون مخالف للواقع. وغير صحيح. وأن الآخرين هم الذين على صواب. فلماذا أحرم نفسي نعمة معرفة الصحيح وإتباعه، لمجرد أني تمسكت برأي، ولا أريد أن أتخلى عنه، أو أفسح المجال للآخرين لطرح آرائهم، فقد أقتنع بها.

 

المدينة الفاضلة

    كان أول ما لاحظت بعد وصولي إلى الرياض، هو كثرة سيارات الشرطة والمرور. ونقاط التفتيش المتعددة، والمختلفة الأسباب. معظمها لمراقبة السرعة، وأخرى مجرد نقاط أمنية. والغريب أن آخر تعليق سمعته قبل مغادرة دبي، كان عن سيارة الشرطة الوحيدة التي شاهدناها أثناء تواجدنا هناك. وكيف أن قلة سيارات الشرطة لم يشجع أحد من سائقي السيارات على المخالفة أو تعدي القانون. فهل يحق لنا التساؤل لماذا؟

 

    لماذا مع كل الأنظمة والقوانين، ورجال الشرطة والمرور المنتشرين في كل مكان، والحملات المرورية المتكررة – والتي ليس لها ذلك التأثير – ، لم نستطع أن نصل إلى أن نجعل السائق السعودي يلتزم بالنظام؟ الجواب السهل والسريع سيقودنا إلى التربية، والانضباط، والإهمال، وكل الأمور التي ممكن أن نقولها ولكن دون أن نستطيع أن نفعل بها شيء. فهي تقودنا إلى التساؤل لماذا لا نستطيع أن نربي بشكل سليم؟ ومن هو المسئول عنها الآن، لكي نخرج من هذه الدوامة التي لا تنتهي.

 

    برأيي كانت أنجح حملة مرورية قامت بها الدولة، هي التي نزل بها رجال المرور إلى الشارع، وشرعوا بتقديم الورود والهدايا للسائقين. وكانوا يتكلمون معهم لإقناعهم بلبس حزام الأمان، دون تهديد السلطة المعتاد، ودون الوعيد والتلويح بدفتر المخالفات.

 

    ولكي نصل إلى مجتمع خالي من المخالفات، لا بد أن نضع بعض الثقة في ذلك المجتمع. وبدل أن يكون هناك برامج دعائية تكلف الملايين، لماذا لا نحاول أن نقلل من الحملات التفتيشية التي قد تكون في الظاهر تقلل من نسب الحوادث، لكنها تنزع روح المسئولية من يدي السائقين، وتجعلهم يتصورون أن هناك "آخرين" ينبغي عليهم القيام بهذه المهمة.

 

    ولعل أقرب تشبيه إلى ذهني، هو كيف يعتمد الأطفال في البيت على الخادمة، بحيث يتصورون أن مسئوليتهم أن يعيثوا بالبيت فسادا وتخريبا، وواجب الخادمة أن تنظف ورائهم. إن روح المسئولية لا تدخل في النفوس إلا بعد أن نهبها المسئولية فعلا.

 

    المشكلة في هذا الحل أن الصدمة في تخويل المسئولية في البداية ستحدث نتائج عكسية، حيث ستكثر المخالفات والتعديات من معظم السائقين، الذين يعتقدون أنهم أصبحوا أحرارا بعد سنين القهر والرقابة. ولكن معدل التجاوزات سوف يقل بعد أن يدرك الجميع تدريجيا أنهم هم المسئولون عن سلامتهم وسلامة غيرهم على الطريق.

 

    أذكر أن أحد الأخوات العزيزات سألتني عن المدينة الفاضلة التي أتخيلها. واليوم أقول لها أنها المدينة التي يتحمل كل مواطن فيها مسئولية أفعاله وتصرفاته. دون أن يكون هناك رقيب يجري وراءه ليذكره بواجباته. أعلم أن ذلك شبه مستحيل، ولذلك يدعونها "المدينة الفاضلة". لكني متأكد أن تشجيع تطبيق القانون "العقابي" من غير الدعوة للمواطنين لتحمل نصيبهم من المسئولية سيقودنا في مسار آخر.

 

يوم المدونيين لأجل لبنان


كلنا مع لبنان وفلسطين ضد اسرائيل والمحتلين
بالإنجليزية
اWe are with Lebanon and Palestine against Israel and occupiers
الفرنسية
Nous sommes avec tous le Liban et la Palestine contre l’Israel et les occupants
الألمانية
Wir sind zusammen mit dem Libanon und Palästina gegen Israel und Besätzer
والإسبانية
Somos todos con Líbano y Palestina contra Israel e inquilinos
والصينية
我们都是同黎巴嫩和巴勒斯坦对以色列占领者
واليابانية
私達はイスラエル共和国および占有者に対してレバノンおよびパレスチナとのすべてである
بيل كلينتون

    في كل مرة أزور فيها أحد مكتبات دبي – يعني تقريبا مرتين يوميا – أبحث عن كتاب مذكرات بيل كلينتون. ليس لأشتريه، لكن لأقرر ما إذا كنت جاهزا ذهنيا ونفسيا الآن لقراءة هذا الكتاب. فأتصفح فيه قليلا، بعد أن اكتشفت أن له أكثر من نسخة. الكاملة، والبدايات، وسنين الرئاسة.

 

    وإعجابي بهذا الرجل ليس فقط لأنه كان رئيس أعظم دولة في العالم، ولكن لأنه أحد أذكى رجال القرن الواحد والعشرين، وأكثرهم حنكة وسياسة. فقد تعدت رؤية هذا الرجل لقيادة دولته، حتى أصبح من المنظرين والمفكرين للإنسانية جمعاء.

 

    أثناء محاكمته المشهورة لعلاقته بمساعدته "مونيكا لوينسكي"، ركّز الجميع على فساد الرؤساء الأمريكيين، وانحطاط المجتمع الأمريكي، ولم ينتبهوا إلى أن ما يحدث يظهر مدى قوة المجتمع في محاكمة رؤسائه، وكذلك يظهر أن أعداء كلينتون لم يجدوا عليه من الأخطاء والفساد إلا هذه القضية الصغيرة. وكان طوال جلسات المحاكمة يقود الدولة إلى نجاح اقتصادي، وعسكري، وسياسي، منقطع النظير في تاريخ الولايات المتحدة.

 

    من يتمعن في تاريخ هذا الرجل يجد ما للمرأة من دور كبير في حياته. فقد تربى على يدي أمه، التي حرصت أن يحصل ولدها على أفضل تعليم، وغرست فيه حب الطموح والثقة في النفس. ثم التقى برفيقة دربه "هيلاري"، التي لا تقل عزما ولا إصرارا من أمه في جعل مستقبل هذا الرجل هو الشاغل في حياتها. واستمرت في دعمه وتشجيعه، إلى أن أحتل أعلى منصب في الدولة، إن لم يكن في العالم.

 

    وأثناء لقاءه المشهور في برنامج "أوبرا"، سرد بكل تواضع كيف وقفت زوجته هيلاري معه أثناء المحنة. فكانت بصفة أمام الإعلام وأمام الناس والعالم. لكنها بينهما جعلته ينام على "الكنبة" كما قال في البرنامج. وأنه نادم على ما وقع منه من خطأ في حق زوجته، وسيظل يعتذر لها إلا أن تسامحه.

 

    هل ما زلتم معي أننا نتحدث عن أقوى رجل في العالم. وعن رئيس الدولة العظمى أمريكا. فارجوا أن تشعروا معي لترددي بشراء كتابه حتى الآن. فذاك الرجل حقيقة يستحق التقدير. ليس لكل النجاح الذي حققه أثناء فترته الرئاسية، ولكن لقدرته على الظهور بهذا الشكل البسيط والمتواضع. واعتقد أننا لم ننتهي من سماع آخر أخباره. فمن المؤكد أنه لن يغيب عن تسجيل تاريخ هذا القرن.

 

حول العالم في 200 يوم

    ما دمت في جو السفر، دعوني أحدثكم عن أول الكتب التي قرأتها، واستمتعت بها كثيرا، ولن أكون مبالغا حين أقول أنه حبب القراءة إلى نفسي منذ الصغر، وحبب السفر إليها أيضا. إنه كتاب حول العالم في 200 يوم، للكاتب الكبير أنيس منصور.

 

    وعلى الرغم أنه يعتبر من الكتب ذات الحجم الكبير، إلا أنه سهل القراءة، بمقالاته الشيقة، وأسلوبه السهل الممتع. فقد كان أنيس منصور يعمل مراسلا صحفيا في أحد الصحف المصرية، التي وفرت له الدعم المادي لينتقل حول العالم ويغطي الأخبار لها، ويكتب عن تجارب بلاد العالم، والأحداث التي تجري فيها.

 

    ففي ذلك الزمن، لم تظهر بعد القنوات الفضائية، ولم يكن من السهل تغطية الأخبار بشكل حي ومباشر، كما هو حاصل الآن. وكانت الناس تعتمد على الصحف للإطلاع على آخر الأخبار.

 

    لقد عشت مع ذلك الكتاب أحلى الأيام، وأروع الأحلام. لقد وجدت نفسي أسافر مع أنيس منصور، وأزور كل تلك المدن والأماكن المذهلة. فقد تنقلنا من أدغال أفريقيا إلى جبال أسيا، من طوكيو ذات التراث العريق إلى نيويورك المدينة التي لا تنام. قابلنا الدلاي لاما، وصافحنا العديد من رؤساء الدول. تعرفنا على نساء جميلات، واستمتعنا بمجالسة الكثير من عباقرة الفكر.

 

    أعتقد أن الشيء الساحر في هذا الكتاب، أن كاتبه ليس مجرد كاتب صحفي، بل هو أستاذ للفلسفة . فهو إذا فيلسوف يرى العالم بعينين خاصتين، ويضع تلك الرؤية في كلمات خاصة، تنساق إلى أذهاننا عبر أسلوب أنيس منصور السهل والمحبب.

 

    نال أنيس منصور العديد من الجوائز التقديرية عن هذا الكتاب الرائع. لكن أكبر ما ناله من تقدير، أن هذا الكتاب لا زال يطبع ويوزع بشكل مستمر. وما زالت الناس تنظر إليه على أنه أحد أفضل كتب الرحلات باللغة العربية. أنا أرشح هذا الكتاب للقراءة، وللإهداء لمبتدئي القراءة، ولمبتدئي السفر أيضا.

 

سي السيد

    أثناء سيري في شوارع مدينة دبي، المليئة بالعمائر الشاهقة، والشركات العالمية، والمحلات ذات الماركات، خطرت في بالي فكرة. وهي لماذا لا يكون كل ذلك لدينا في السعودية. لماذا استطاع سكان دولة الأمارات التأقلم مع هذا الانفتاح الحضاري على العالم، وهم يتشكلون تقريبا من نفس التركيبة الاجتماعية التي لدينا.

 

    ولا أدري لماذا مرت ببالي صورة "سي السيد"، تلك الشخصية التي كتب عنها الروائي العالمي الكبير نجيب محفوظ في ثلاثيته المشهورة. وكيف أبدع بتشخيص نمط الرجولة العربية المحافظة، بكل تناقضاتها.

 

    ربما الذي جعلني أفكر فيه، هو النسبة الكبيرة من الزائرين السعوديين، الذي أتوا للاستمتاع بالجمال والحرية. ولكن بشرط أن تظل بعيدة عنهم. فسي السيد كان مثال الرجل المحافظ الملتزم والصارم في بيته. ولكنه كان يعيش حياة أخرى، خارج نطاق ذلك الالتزام.

 

    يبدوا أن ذلك هو الحاصل مع المجتمع السعودي. يفضل أن يعيش حياة المحافظة في موطنه، رافضا أن تدخلها رياح التغيير والمعاصرة. فهو لا يريد أن يعكر صفو مجتمعه الذكوري أمور تجد عليه، فلا يعرف كيف يتعامل معها، ولا يعلم إن كانت ستغير عليه مكانته من السلطة التي اعتاد عليها.

 

    فأن نرفض الحرية الزائدة، والانفساخ عن الأخلاق، والانفتاح الذي يؤدي إلى تسيب، ذلك أستطيع أن أفهمه. لكني لا أفهم كيف لا يمكنا أن نتقبل الحرية الشخصية، وحق الترفيه البريء للعائلة، ورؤية السياح الأجانب يجولون في مدننا المليئة بالحضارة، والتاريخ، والإمكانيات المعطلة.

 

    ستظل شخصية سي السيد هي المسيطرة على الواقع السعودي. ولكن مع الوقت، لن يبقى إلا الشخصية المتوازنة، الصادقة مع نفسها، والعادلة في تعاملها مع كل أطياف المجتمع. والتي تتعامل مع واقع أننا نعيش الآن في قرية عالمية صغيرة. ولا نستطيع أن نعزل أنفسنا عنها إلى الأبد.

 

عالم جديد شجاع

    تلك رواية "لألدوس هكسلي" (Brave New World)، الكاتب الإنجليزي الشهير، تحكي عن المستقبل كما يتخيله رجل من أوائل القرن العشرين. يروي فيها صراع القديم مع الحديث، ويحاول أن يضع تصورا لأخلاق المستقبل.

 

    ما دعاني إلى ذكر الرواية، هي تواجدي الآن في مدينة دبي، تلك المدينة العصرية الناشئة، التي تسابق الزمن في عملية تطور مذهلة. فعلى الرغم أني لم اغب عنها أكثر من سنة، إلا أنها تطورت، وتأنقت، وأضافت لنفسها المزيد من الحسن.

 

    وقرأت في مقالة عن الخطط التنموية التي تنوي أن تقوم بها. مدينة بحرية كاملة تحت الماء، المزيد من ناطحات السحاب الشاهقة، خط قطارات داخلي يغطي مواصلات المدينة، ويقلل من الازدحامات التي تفرضها زيادة عدد الزوار القاصدين لهذه المدينة.

 

    لكن كل ذلك لم يكن يشغل بالي. فهي جميعها لا تتطلب إلا توافر المال والمخططين الجيدين. فقد كان السؤال الذي يعن في ذهني هو ماذا بعد ذلك؟ ماذا بعد كل هذا التطور والاستثمار في البنية التحتية. هل سيتزامن مع ذلك ثورة في القوانين والعادات الاجتماعية؟ هل سيخلق كل هذا التطور في البنية التحتية والمنشآت، نظاما اجتماعيا جديدا، في هذا البلد الخليجي؟

 

    أذكر من عدة أشهر، قراءتي لخبر يتحدث عن إيقاف مجموعة من الشباب الذين حاولوا إقامة عرس جماعي للشواذ في الأمارات. فهل كان رؤيتهم للتطور الحادث في البلد هو الذي شجعهم على تجربة التطور في الحرية المدنية؟! وماذا عن الحريات السياسة، والإعلامية، والاقتصادية، والثقافية. هل سنرى تطور في القوانين – وتطبيق القوانين – مما يجعل مدينة دبي مقصد الجميع.

 

    من الواضح أن دبي تسعى لمجاراة المدن العصرية العالمية، مثل نيويورك، وهونج كونج، وطوكيو، وباريس، وغيرها من المدن التي تعتبر منارات للناس في القرن الواحد والعشرين. بل يخيل لي أحيانا أنها تحاول أن تتشكل بهيئة كل هذه المدن في وقت واحد. فهل ستكتفي بمجاراة المظهر السطحي فقط؟ أم أنها ستقوم بقفزة في نظامها الاجتماعي والقانوني؟ أم أنها ستجد لها طريقا جديدا يجمع ما بين حداثة المباني ومحافظة الشعب الخليجي، العربي، المسلم؟

 

    تلك أسئلة تدور في ذهني الآن وأنا أسير في شوارعها، وأرى مجمعاتها التجارية، ومطاعمها، ومكتباتها، ومراكزها الترفيهية. لقد أقاموا قرية ثلجية كاملة في وسط الصحراء. فهل سيستطيعون إقامة نظام اجتماعي جديد للمجتمع العربي الإسلامي المعاصر، يكون مثالا يحتذي لبقية المدن العربية؟ ذلك سؤال أنتظر الإجابة عليه بفارغ الصبر.

 

حب تحت الحصار

    مع كل الأحداث الدائرة في بلدنا الشقيق لبنان، أطلت علي قصة لم أتوقع أن تحدث. لأنها أولا مخالفة لما يحدث الآن، وأيضا لأنها حدثت لشخص أعرفه، وأكن له معزة خاصة.

 

    فقد علمت أن أحد الأصدقاء قد غادر بعد سماع الأحداث، وذهب إلى لبنان. نعم، إلى لبنان وليس منها. فصديقي متزوج من فتاة لبنانية. وقد غادرت الفتاه إلى لبنان قبل الأحدث، لتزور أهلها، وتقضي جزء من فترة الصيف في ذلك البلد الجميل.

 

     وبعد أن وقعت الأحداث، حاول صديقي أن يعيد زوجته إلى السعودية. لكنها لم تستطع أن تفارق أهلها وهم في هذه الأوضاع. وقررت أن تضل معهم إلى أن يكتب لهم الفرج. فلم يكن من صديقي إلا أن ذهب إليها. مخاطرا بنفسه كي يظل بجانبها في هذه الأيام الصعبة.

 

    تربطني بصديقي هذا أعوام كثيرة من العشرة. وقد عرفته إنسانا كاتبا، شاعرا، مرهف الحس، وعاشقا من الطراز الأول. وأذكر أني كنت أعاني من الإلحاح عليه كي نلتقي في ليال نهاية الأسبوع لنتسامر ونتناقش، فهو من المثقفين الذين يسعدني مجالستهم. لكن أغلب محاولاتي كانت تبوء بالفشل لانتزاعه من أحضان زوجته وحبيبته، التي أعتقد أنها كانت ترأف بنا أحيانا وتسمح لنا أن نلتقي.

 

    لم يكن هذه التصرف غريبا عنه. وربما يكون هو السعودي الوحيد الذي سافر عكس وجه الآخرين. فبينما فر الآخرون من ويلات الحرب، والقصف، والإرهاب الإسرائيلي، إلى نعيم الأمان في بلدهم السعودية. قرر صديقي أن يفر من آمان بلاده إلى أمان الحب.

 

    أطلب من الله أن تنتهي هذه الأزمة على خير، وأن يعود صديقي وزوجته إلى أرض الوطن سالمين. وأن يغمر هذا الحب بينهما كل البشر، حتى يكون هناك مكان لأن يعيش الجميع بلا حرب، وقتل، ودمار.

 

ملاحظة:

سأغيب عن هذه المدونة لمدة أسبوع تقريبا. سأكون خارج البلاد، وسأحاول أن أطل عليكم إذا سنحت لي الفرصة.

 

وعاد أحمد

    عاد العقل إلى مكينة الحجب. وعاد لنا أحمد (سعودي جينز) سالما غانما. وكما نقدنا مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، على حجبها العشوائي الأخير، نشكرها على رجوعها عن الخطأ، ونأمل أن تكون بادرة خير ووعي من قبلها، خاصة تجاه المدونات، والمواقع المفيدة.

 

    وكما انتقد البعض "أوسكاب" وحمّلها جزء من مسئولية ما حصل، فقد قام الأخ أحمد بشكرهم على ما قاموا به من مجهود لتحرير مدونته من الحجب. فقد قامت مجموعة منتدبة من أوسكاب بزيارة لمدينة الملك عبدالعزيز، للسؤال عن سبب حجب مدونة سعودي جينز، والمطالبة بإرجاعها. وكان ذلك ما حصل.

 

    والمهم في القضية كلها، ان المدونين كمجتمع، تفاعلوا مع هذه القضية بشكل جيد، وجميعهم شارك بشكل أو بآخر في ما حصل. وذلك دليل وعي ونضوج المدونات السعودية، ووصولها إلى مرحلة النضج المؤسسي الاجتماعي الفاعل. ونجاحهم في قضية واحدة، سيدعمهم إلى المحاولة في تحقيق نتائج جماعية أخرى. مما سيزيد التجربة إثراء.

 

    وبكل بساطة، أعبر عن سعادتي لرجوع مدونة الزميل أحمد لنا، فلا اعتقد أن الوضع كان سيكون طبيعيا لو استمر كما كان. وسعيد أيضا أن أكون جزءا من هذا المجتمع الجديد – مجتمع المدونين – الذي يجمعه ويوحده الرغبة في التعبير الحر، ولو كان من بينهم من يمارس عكس ذلك. لكن سيكون لكل مجتمع أخطاءه وهفواته.

 

لماذا تنتصر إسرائيل

    لم أبدأ هذه المدونة كي تتحول إلى منصة مجاملة اجتماعية لزملائي المدونين. بل لتكون منبر أعبّر منه عن رأيي الخاص، حتى وإن كان مخالف للآخرين.

 

    وما يمر به اليوم بلدينا الشقيقين لبنان وفلسطين، أمر يشغل بال الكثيرين. وللأسف بدأ يدب شيء من الخوف والارتباك في صفوف المدونين، فأصبحوا يرون أنفسهم مطالبين بعمل شيء، لا يدرون ما هو. وصار كل منهم يكتب بطريقته الخاصة، إما معبرا عن ألمه، أو مطلقا لشحنات غضبه.

 

    والعمل الوحيد الذي رأيت فيه شيئا من الحقيقة العملية، كان ما قامت به الأخت المدونة "ليال" من البحرين. حيث كانت أول من دعا إلى عمل جماعي موحد، نتوجه به نحن كتاب المدونات بنداء جماعي بعديد من لغات العالم. وهذا جزء كبير من سياسة خوض الحرب الناجحة. أن تتضافر الجهود بشكل واعي ومدروس لتحقيق هدف محدد.

 

    وما زلت أرى أن ذلك الخطاب الجماعي ينبغي أن لا يعامل على أنه طريقة معالجة جماعية لأخواني المدونين. بحيث يستطيع كل منهم أن يصرخ بأعلى صوته فيفرغ ما بداخل جوفه من غضب. بل أن نضع في بالنا إلى من نريد أن يسمع هذه النداء، وما هي الحالة الذهنية لمتلقيه، وما الصورة التي نود أن نزرعها في أذهان من يصل إليهم.

 

    هل نريد أن يعلم العالم أننا "مظلومين"، ونطلب منهم التعاطف معنا. أم نريد أن نقول أننا شعب يحب السلام، وأن هناك من يرفض أن يمد يده لهذا السلام، وأن ما يحدث يجب أن يتوقف حتى يكون هناك أمل لممارسة الدبلوماسية والمفاوضات، فيرتاح أخواننا من الرعب والتدمير اليومي الذي يعيشون فيه.

 

    لماذا لا نتعلم من دروس الماضي؟ لماذا يرفض العرب أن يقرءوا التاريخ؟ ألا تذكركم هذه الأيام بالحروب والمواقع العربية الإسرائيلية السابقة. حيث كان العرب يجرون إلى حروب خاسرة، تقودهم عواطفهم الجياشة فقط. وليس هناك أي اعتبار لموازين القوى، وللرأي العام الدولي، ولا لأبعاد الحرب من حيث السياسة الإقليمية. فتنتهي دائما باحتلال المزيد من الأراضي العربية.

 

    إن الحرب الحادثة الآن ليست حرب لبنان - وإن كان هو المتضرر الأول منها -. إنها حرب حزب الله، وسوريا، وإيران. الدولة اللبنانية رفضت أن يتدخل جيشها، فهي لا تريد أن تدخل في حرب قادها إليها حزب الله، دون مشاورة الحكومة، ولا الأحزاب اللبنانية الأخرى. هو فقط قام بالتشاور مع سوريا وايران.

 

    أرجع فأقول أن الخاسر الأكبر هم دائما الناس البسطاء. هم الأطفال، والنساء، والرجال الذين لم يشاورهم أحد فيما يحدث. ولا يعلمون فيما هم يقتلون، ولا لأي قضية. وأن الجهد الواجب علينا الآن هو نصرة هؤلاء الأبطال الصامدين، وليس تشجيع من كان السبب في هذه المأساة.

 

أختي العزيزة

    في وسط زحمة الحياة، يسقط أحيانا أناس من ذاكرتنا، ولا يعودون إلا بعد أن تمر علينا يد الأيام، لتربت على أكتفانا بشكل حنون، لتقول لنا لا تنسى هؤلاء. وقد كتبت عن الكثيرين في مدونتي، وتناولت العديد من المواضيع، والأحداث، والمدونات، ونسيت أن أحدثكم عن أختي.

 

    فقد نشأت في بيت لم يعرف إلا كلمتي الحرية والمساواة شعارا له. وقد قاسمتني شطرا كبيرا من أيامه أختي الكبرى، التي كانت زميلة لعبي في الصغر، ورفيقة دربي في الطفولة والشباب، وملاكي الحارس منذ أن عرفت تحديات الحياة.

 

    أذكر أني في أول سنة دراسية لي، كنت أخاف أن أسير إلى المدرسة القريبة من منزلي وحدي، فكانت تسير معي لتوصلني أولا ثم تذهب إلى مدرستها. وكنت أجدها عند خروجي تنتظر لتوصلني للبيت مرة أخرى. وكانت في بعض الأحيان تتشاجر مع صبيان الحارة، متى ما تنمروا علي، وأرادوا أن يسلبوني شيئا ملكي. كم كنت أراها قوية، وكبيرة، وقادرة على فعل أي شيء تلك الأيام.

 

    ومرت السنين، وبدأت أدرك أن المجتمع الذي أعيش فيه لا يتوافق مع شعار بيتنا، الذي عشقناه وتربينا فيه. فلديه نظرة أخرى، مفادها أن الذكر يأتي أولا، ثم تليه الأنثى. وأن الرجل أعقل، وأقوى، وأفضل من المرأة. وأنني كذكر، يجب أن أفرض سلطتي على "أخواتي البنات"، كما سمعتها أول مرة، من زملائي الذين أنبوني لحديثي عن أختي بإعجاب، وتقدير، وتفاخر.

 

    لقد شهدت أختي تعاني الكثير لكونها امرأة. فمن الأقارب من يحتج على أبي وأمي  لماذا لا يزوجانها صغيرة، بدل الدراسة العليا. فالمرأة مصيرها البيت. وكم كنت احزن حين أرى نظرات الغيرة في عينيها حين قدت سيارة والدي لأول مرة خارج البيت. فقد كان والدي يعلمنا أنا وإياها قيادة السيارة في صغرنا. وكنا نحلم أنا وهي أن نجوب العالم في سيارة عائلية، نتعاقب السواقة عليها، حين يتعب أحدنا يخلفه الآخر.

 

    وأذكر احتجاجاتها المتواصلة، حين أجبروها على لبس العباءة أول مرة. فالمجتمع لا يسمح أن تخرج لهم كما هيا، فهي عورة، أما أنا فلا. وأكثر ما حز في قلبي، رؤيتها تقتنع بهذا الكلام، وتبدأ في النظر إلى نفسها بأنها كائن ضعيف وهش، ويحتاج إلى الحماية والرعاية الدائمة من قبل الرجل. وهي التي كانت تحميني في صغري، وكنت أراها "السوبرمان" الذي كنت أقرأ عنه في القصص. لكنه أصبح يلبس العباءة.

 

    أليوم أعلن أني تبنيت قضية المرأة من أجلها. وأني تحملت الكثير من اللوم والعتاب، وأحيانا الاتهام في رجولتي، لأني أقول أن المرأة في مجتمعنا السعودي هي مواطن من الدرجة الثانية. وأن هذا الوضع غير صحيح. وأني حين قرأت القرآن والحديث، لم أرى فيه صورة المرأة التي يصفها المجتمع. بل رأيت راوية الحديث، وراعية المال، والمحاربة على الخيل، والمبايعة في أمور السياسة، والمتبحرة في العلم.

 

    وقد عادت أختي إلى الإيمان بنفسها، وقدراتها، بعد أن مرت بتجارب مريرة، علمتها أن المجتمع لا يستحق من يستمع إليه. وأن الإنسان - رجل كان أو امرأة - لا بد أن يكون هو سيد مصيره. وما أسعدني بها اليوم، وأنا أراها بين أطفالها، تربيهم على المساواة التي تربينا عليها. وتعلّم بناتها أن المرأة كائن قوي، يستطيع أن يحقق ما يريد. وإن كانت لا تزال تتمسك ببعض "المحافظة"، التي ترى أن من الواجب الركون إليها، حتى لا يكون هناك صدام مع المجتمع.

 

    إن اليد الحانية التي ربتت على كتفي، لتذكرني بأختي، هي يد أخت أخرى، أخت من نوع آخر، أخت القلم، وأخت المدونة. فقد قامت إحدى الأخوات العزيزات بالدفاع عني في أحد المقالات. وقد قلت لها أنها أشعرتني أني طفل صغير، يختبئ خلف فستان أخته. وأني أفتخر بهذا الشعور، ولا أخجل منه. فارجوا أن تعلم الآن لماذا أنا فخور بها. ولماذا لا أريد أن اصطنع لنفسي رجولة من ورق، تعتقد أنها الأفضل، لأن الله جعلها ذكر.

 

قبيلة تدعى ساره

    اليوم تعرفت على مدونة أخذت بلباب عقلي ووجدان قلبي. اليوم أدركت أن المدونات أرض خصبة ينمو في داخلها كاتبة يرصف لها المستقبل الطريق لقلوب القرّاء. اليوم عرفت أن هناك مدونة أسمها "قبيلة تدعى ساره".

 

    نظرت إليها في البداية، فوجدتها مليئة بالكلمات، والعبارات، والفقرات المتراصة بشكل يعبئ الصفحة. فاستثقلت قرأتها. ودعوت نفسي إلى تأجيل القراءة فيها لوقت آخر.  فقد بدت لي كأحد المدونات التي تنهمر الكلمات بين أصابع أصحابها، فيكتبون دون كلل ولا ملل. ولا يعلمون أنهم يخلطون الغث بالسمين. فتكون كتابتهم مدعاة للملل، ولو اختصروا لكان خير لهم، ورحمة بقرائهم.

 

    لكن ضل صوت صغير يصيح داخل رأسي. يناديني إليها. ويقول لي أن أسم هذه المدونة لا يدل على أنها من ذلك النوع من أصحاب المدونات الثقيلة على العقل والعين. ثم أني تذكرت أن من أشاد بها – ولو بشكل غير مباشر – هي إنسانة احترم رأيها، وأعرف رجاحة عقلها، فلا يمكن أن تنجذب إلى مدونة إلا إذا كانت تملك شيئا مميزا. فتركت ما كان بين يدي من أوراق، وعدت لقراءتها.

 

    كانت المقالة الأخيرة الموجودة في المدونة بعنوان "ستحبك كل النساء يا أسد!!". ويعلوها صورة شاب يبدو أنه سعودي، فقلت لا بد أن يكون هذا هو أسد. وعاد إلي الشعور بأنني سأقرأ مقالة مملة مرة أخرى، واني سقطت ضحية ذوق نسائي في نوعية لا أحبذها من المدونات. ولكني لا أحب أن أرجع عن أمر عزمت عليه. وما أسعدني بهذه العادة. لأنها لم تخذلني أبدا.

 

    فبمجرد أن بدأت في قراءة المقالة – والأصح أن أسميها قصة أو جزء من رواية – حتى شعرت أن هناك شيئا مميزا في أسلوب تلك الكاتبة. فرغم وجود بعض الأخطاء الإملائية، والاستخدام غير الأمثل لعلامات الترقيم، إلا أن هناك سحرا غريبا يجعلني لا استطيع أن أتوقف عن القراءة. وكل ما تقدمت أكثر بين سطورها، كل ما أحسست أني أدخل لعالم لا أريد أن أخرج منه.

 

    وهذا الشعور لا يأتيني عادة إلا عندما أقرأ روايات قضيت الأيام في البحث عنها. وأحيانا أضطر للسفر لاشتري نسخة لاضمها لمكتبتي الخاصة، بعد أن أكون قد قضيت أسعد لحظاتي بين صفحاتها. فهل من المكن أن أكون قد وقعت على أحدها وبهذه الطريقة.

 

    توقفت عن قراءتها، وألهيت نفسي ببعض الأعمال البسيطة لأشتت نفسي عنها. فقد أكون في حالة ذهنية جعلتني أقوم بإسقاط شعوري نحو كتاب كنت أقرائه وقتها، فالتبست علي الكاتبتان. وعدت بعد استراحة قصيرة لقراءة المدونة. وما هي إلا لحظات، حتى عاد إلي نفس الإحساس، وذات الشعور. فلم أتوقف هذه المرة إلا وقد أكملت ما نظمته تلك الكاتبة الرائعة. ولم يبقى لدي إلا ذلك الشعور المزعج، وأمنيتي أن لا تنتهي تلك السطور، كي لا أخرج من ذلك العالم السحري. فأنا دائما أحس بالانزعاج كلما انتهيت من قراءة كاتب من طراز عالي.

 

    إنذار بسيط قبل أن أنهي الكلام عن المدونة وكاتبتها. لن يرى القارئ ما أراه في هذه المدونة، إلا إذا كان عاشقا حقيقيا لسحر البيان. فهي كالجبل الشاهق، لا تستمتع به إلا بعد أن تكون قد صعدت إلى قمته. وأختم بكلمات كتبتها "ساره" للرد على من علق على مدونتها:

 

    "أني فقط ابحث عن أن تجدوا المتعة، أريد أن يستريح الجميع، أن يفكوا ربطات العنق، ويزيحوا الأحذية الضيقة من على أقدامهم، أريد من الجميع المتعة الجميلة فقط، أريدكم أن تسعدوا معي كما أسعد أنا في حياتي".

 

بلوك في بلوك

    منذ يومين، قامت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، الجهة المخولة لتقديم خدمة الإنترنت في المملكة، والتي تملك حق الرقابة الحصري على المواقع فيها، قامت بحجب مدونة الكاتب المميز أحمد (سعودي جينز).

 

    ومن الطريف أن عملية الحجب تمت بعد أن كتب الأخ أحمد مقالا يتحدث فيه عن الحجب العشوائي، وأنهاه بتساؤل عن من سيكون التالي على سلم ضحايا الكلمة. فكان الجواب سريعا.

 

    وقد اختلف المعلقون على سبب منع هذه المدونة، التي لا يمكن أن نصفها إلا بالمعتدلة. فمنهم من اتهم كاتبها بالتحيز لطائفة على أخرى، ومنهم من اتهمه أنه يسيء لصورة السعوديين والعرب، ومنهم من كان سعيدا فقط بإقفال هذه المدونة، دون شرح للأسباب، وآخرين اتهموا "أوسكاب" بتنظيم مؤامرة على المدونين غير المسجلين لديها.

 

    والذي سرني أن تلك التعليقات كانت هي الأقلية. والغالبية كانت متعاطفة مع الأخ أحمد وما تمر به مدونته من اختبار لحرية الرأي والتعبير. وغريب أن يحدث مثل هذا الحجب لمدونة عاقلة ومشهورة مثل مدونته. فقد كتبت عنها وسائل الإعلام العربية والغربية. وهو يعتبر نموذجا للشاب السعودي المعتدل.

 

    مثل هذه الأمور تجعلني أشكك في حركة الإصلاح المزعومة التي يتفاخر بها الإعلام ليل نهار. فهل تكون بداية الإصلاح بتكميم أفواه المواطنين. لو كان لهم من الذوق إرسال خطاب تنبيه إليه بالتوقف عن بعض كتاباته التي يرونها غير مناسبة، أو حتى يخبروه بسبب هذا الحجب. لكن غرور السلطة المطلقة يمنعهم من ذلك. فأحمد مجرد مواطن فقط، فلماذا يستحق عناء إبداء الأسباب لمنع حريته في التعبير والكتابة.

 

    من أراد المساهمة في إرجاع مدونة العزيز أحمد فليعبئ هذا الطلب. اضغط هنا.

 

الرفيق قبل الطريق

    في البداية أود أن اعتذر عن الانقطاع المفاجئ لمدة يومين، فقد سنحت الفرصة لي للذهاب إلى "البحرين" لمشاهدة فيلم "الدفنشي كود" أخيرا. وكان الفيلم أكثر من رائع، على عكس من قال لي أن من قرأ الرواية فلن يعجب به.

 

    وموضوعي اليوم ليس عن الدفنشي كود، ولكن عن صاحب السفر الذي تعطلت لمدة أسبوعين بحثا عنه. فلدي شروطي الخاصة – العديدة - لمن أصاحب في السفر. وكم أنا مسرور الآن أن قضيت كل هذه المدة كي أجده.

 

    من الشروط التي وضعتها على ذلك الرفيق، أن يكون عاشقا لمشاهدة الأفلام مثلي، وأن يكون لديه الاستعداد أن يبذل الغالي والنفيس ليراها. وأن يكون من النوع الذي يحب الحديث عن ما يشاهده بعد الخروج من صالة السينما، حتى نقضي الساعات في تحليل ونقد ما قضينا حوالي الثلاث ساعات متواصلة في متابعته.

 

    وكذلك أن يكون متحدثا جيدا، فنقضي على ملل الطريق ذهابا وإيابا فوق جسر الحرية. ولا يحتاج إلى كثير جهد مني أن أتصنع المواضيع السطحية كي نصل إلى أتفاق في الرأي حول أساسيات حرية الفكر والتعبير.

 

    ومن أهم شروطي أن يستيقظ مبكرا، ولا يضيع فترة الصباح الساحرة في النوم. وأن تكون وجبة الفطور على منظر البحر، وهي الفترة التي نقضيها في التخطيط لبقية اليوم.

 

    لقد ذهبنا لمشاهدة الفيلم، وتسوقنا في مجمع السيف، وزرنا بعض المكتبات في المنامة، وقضينا ساعة منافسة على طاولة البلياردو – انتهت بالتعادل المشرف -، تناولنا الفطور على البحر، استمعنا لبعض العزف الحي لعازف بيانو رائع في بهو الفندق، زرنا عيادة لمكافحة التدخين تعرض أسلوبا جديدا لعلاج من ابتلوا بهذه المصيبة، زرنا معرضا لأحدث المنتجات الإلكترونية، جربنا بعض الوجبات الغريبة، واستمتعنا باستغلال كل دقيقة قضيناها في ذلك البلد الخليجي الشقيق المضياف.

 

    وأهم ما فعلناه أننا تحدثنا وتحدثنا طوال الوقت. فقد كان ذلك ما أبحث عنه في رفيق الطريق. أن يفهمني حين أبدي رأيي في وضع اجتماعي معين، من غير ضرورة أن يوافقني الرأي. وأن يكون كلامه منطقيا في التعبير عن رأيه، وأن لا يجد حرجا في مخالفتي وتصحيحي إن لزم الأمر. لقد كانت أجازة قصيرة وممتعة ومثمرة. واعتقد أن أكثر ما جعلها كذلك هو وجود رفيق دربي هذا.

 

جدة غير..

    أشعر بالسرور كلما سمعت حديثا عن مدينه جده، على الرغم أني قد أكون الشخص السعودي الوحيد الذي لم يذهب إليها حتى الآن. فقد أفنيت عمري عشقا لسواحل المنطقة الشرقية الذهبية، ومتيمن بتلك المدينة الصغير "الخبر".

 

    لكن مدينة جدة، والمنطقة الغربية عموما، تحمل من الرموز الخاصة للمملكة الكثير من ما لا يعلمه الناس. فبعد استسلام الأسرة الهاشمية، التي كانت تحكم الحجاز سابقا، التقى الملك عبدالعزيز مع وجهاء المنطقة الغربية، وكان من شروط التسليم أمور مازالت سارية إلى الآن.

 

    فقد حدث بين نجد والحجاز ما يشبه التحالف، تنقسم حسب شروطه الحكومة إلى أن تكون ستة أشهر في الرياض، وستة أشهر في جدة. كذلك الوزارات، لا بعد أن يحمل بعض الحقائب الوزارية أفراد من عوائل معروفة في الحجاز. بالإضافة إلى احتفاظ الحجاز بجزء من استقلالية اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وتعليمية.

 

    واعتقد أنه لم يبقى لأهل الحجاز الآن إلا الاستقلال الاجتماعي. وستلاحظ ذلك بمجرد زيارتك لمدينتي الرياض وجدة وعمل مقارنة بينهما. فستجد بعض الانفتاح والحرية في مدينة جدة أكثر من زميلتها الرياض. على أنهما يقعان في نفس الدولة، وتحت طائلة نفس القانون والتشريع.

 

    فالمنتزهات وأماكن الترفيه لا ينطبق عليها نظام فصل الرجال عن النساء المعمول به في الرياض. فبينما تدخل مدينة الملاهي لتجدها يوم للرجال ويوم للنساء هنا في الرياض، ستجدها طوال أيام الأسبوع للعوائل في جدة. ومن يذكر جامعة الملك عبدالعزيز في السابق، سيعلم أنها كانت أول جامعة أهلية غير حكومية في المنطقة، ولكنها للأسف تحولت لتلحق بزميلاتها الجامعات الأخرى، لتسقط في فخ الروتين الحكومي.

 

    وأذكر قصة طريفة حدثت على أيام الملك عبدالعزيز، حيث دخل جيش "الأخوان" المعروف بنزعته الدينية المتطرفة إلى منطقة الحجاز، وحاول أن يفرض سيادته الدينية عليها. وقد بدأ الاحتكاك أولا في مسألة التدخين، حيث كانت عادة منتشرة ومقبولة بين أهلها. لكن الأخوان كان لهم رأي آخر. وهو تكفير من يمارس هذه العادة، وسعوا إلى منعها.

 

   فما كان من أهالي المنطقة إلا الشكوى للملك عبدالعزيز منهم، والذي تدخل بدوره لمنع وإخراج الإخوان من المنطقة، وتثبيت حق أهالي تلك المنطقة في الاستقلال الاجتماعي. وما زال هذا الأمر يحدث إلى الآن. وقد أدى ذلك إلى نزوح الكثير من المواطنين إلى جده - ومنهم خالي – للعيش في داخل هذه المنطقة المحمية سياسيا، من تدخل التيار الديني في حياتها اليومية.

 

    وقد يكون إعجابي بهذه المدينة هي قدرة أهلها على الحفاظ على هذا الاستقلال الوحيد، والتمسك به وعدم الاستسلام للتيار المتشدد الذي انتشر نظامه في جميع أنحاء المملكة. والذي أرجوا أن يتحول إلى نظام اجتماعي تحتذيه بقية المناطق الأخرى في مملكتنا الحبيبة.
 
الذكاء الاجتماعي

    تعودنا على أن نصنف الناس حسب مستواهم العقلي والسلوكي إلى صنفين، إما أذكيا أو أغبياء. وكانت المدارس تمارس نوع آخر من التصنيف، أصحاب الدرجات المتفوقة "الناجحين"، وأصحاب الدرجات الضعيفة "الراسبين".

 

    وكان أكثر ما يربكني في صغري أن أولائك الطلاب الأشقياء ذوي العلامات الضعيفة – والمفروض أنهم أغبياء – كانوا يتلاعبون بزملائهم من ذوي الدرجات العالية، وكانوا يتفوقون عليهم في كل شيء ما عدا الدرجات.

 

    فسقطت عندي من الصغر الرغبة في تصنيف الناس حسب درجاتهم العلمية. لكن لم تتوضح الصورة لدي إلا بعد أن بدأت مشوار القراءة. فتعرفت على أن الذكاء الإنساني ليس نوع واحد، بل أنواع عديدة.

 

    فهناك الذكاء العقلي الأكاديمي، الذي تعودنا أن نراه، والذي للأسف لا يزال هو المعيار الوحيد في نظامنا التعليمي والوظيفي. حيث يكون المتفوقون دراسيا هم من ينال التميز، والدرجات العلمية.

 

    وهناك نوع آخر من الذكاء، وهو الذكاء الاجتماعي. حيث يكون من أنعم الله عليهم بهذا النوع، قادرين على مجاراة جميع الأصناف من الناس، وتحقيق النجومية الاجتماعية، بما يتمتعون به من ذكاء اجتماعي يمكنهم من كسب ثقة الآخرين وتعاونهم.

 

    وذكاء آخر هو الذكاء الإبداعي. ويكون أصحاب هذا الذكاء عادة مبدعين في مجال واحد فقط، كالرياضيات، أو الموسيقى، أو الرسم، أو الكتابة، أو أي مهارة أخرى. ولا يعلم أحد عن كيفية عمل أذهان هؤلاء الناس. ويتميز معظمهم بغرابة الأطوار، وتفرد الشخصية.

 

    أما النوع الأخير من الذكاء، فهو الذكاء العاطفي. وهو آخر المكتشفات بالنسبة لأنواع الذكاء، حيث لم تظهر الكتابات الشارحة له إلا مؤخرا. ويتمتع أصحاب هذا النوع من الذكاء بقدرة على فهم مشاعر الآخرين والتواصل معها بطريقة فطرية. هذا بالإضافة إلى تواصلهم الكامل مع مشاعرهم. ويكثر إبداع هؤلاء الناس في مجال الخدمة الاجتماعية، والأعمال الخيرية، والعلاج النفسي والاجتماعي.

 

    وإذا كنت متأكد من شيء، فهو افتقادي إلى قليل من الذكاء الاجتماعي، وكثير من الذكاء العاطفي. لكن ما يحمله عقلي لقليل من الذكاء الاجتماعي، يجعلني لا أنسى أن أقدم اعتذاري لكل من أخطأت في حقه. فالاعتذار الصادق الصادر من القلب كفيل أن يسوي جميع الخلافات.

 

الكذب المباح

    موضوع اليوم شائك لأنه يتعلق بصفة تربينا على أن ننضر إليها بشكل أحادي. ويرتبط بالكثير من المشاعر التي قد تلبس على القارئ ما أود التحدث فيه. فالكذب ارتسم في أذهاننا بتلك الصفة الذميمة، التي لا ينبغي لكل إنسان شريف أن يتصف بها. وعلى الرغم من أن الجميع يمارسها بين فترة وأخرى، إلا أنهم يرفضون أن تكون آلية للممارسة المقبولة.

 

    ماذا لو قلنا أن الكذب هو ككل شيء آخر له ميزاته الجيدة، وله ممارساته السيئة. وانه آلية للعمل في المجتمع يكون الحكم عليها حسب نية من يستخدمها. فالصدق مثلا – وهو مقابل الكذب – ليس مستحبا في كل الأوقات.

 

    سأبني طرحي في هذا الموضوع على حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، الذي ورد في صحيحي البخاري ومسلم، عن أم كلثوم، أنها سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا، أو يقول خيرا" ، وقد زاد مسلم "قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث؛ الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".

 

    ومن هذا الحديث نستخلص أن الكذب ليس جائز فقط، بل هو مستحب في هذه المواقف الثلاثة. التي لا تمثل مواقف مستقلة ومنعزلة، بل هي مواقف عامة يمكن أن تمثل مواقف مثل العلاقات الاجتماعية، والمصالح العامة، والسياسات ضد الخصوم.

 

    أعلم أن تغيير نظرتنا لمثل هذا الموضوع الشائك لن يكون بسهولة. ولكنه جزءا من عالم البلوغ، وخلاص من عالم الطفولة البريئة. ولكي نكون واقعيين ينبغي أن نعلم أن عدم قول الحقيقة كاملة، أو تحريفها في بعض الأحيان مطلب أساسي لسير العلاقات بشكل أفضل. بل أنه واجب الفعل في بعض الأحيان، كما أشار رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

 

    وأرجو أن لا يفهم كلامي على أنه دعوة مفتوحة للكذب بشكل مطلق، أو استغلال تلك السياسة اللفظية في كل وقت وكل مناسبة. بل ينبغي أن يكون المعيار الأساسي فيها هو النية الحسنة. وأن لا يكون استخدامه بشكل مبالغ، فيعارض المثل الذي يقول "كل ما زاد عن حده، أنقلب إلى ضده". وكذلك قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "لا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذّابا".

 

ذكورة مشفرة

    منذ وعيت على واقع المجتمع السعودي، كانت هناك دائما نقطة تحيرني، وأرفض أن أصدقها أو أن أكون أحد أتباعها. فقد لاحظت منذ أن بدأت بالاحتكاك بالمجتمع الذكوري خاصة، أن أغلبهم قد اتفق على أن لا يتحدث عن أموره الخاصة والعائلية بطريقة مباشرة.

 

    ولا أنسى أول مرة سمعت فيها لفظ "العيال"، وكيف أني تهت في تلك المحادثة لضني أن من يتحدث يقول كلاما عن أولاده أو بناته، مع علمي أن ليس لديه أبناء، فهو متزوج حديثا ولا يمكن أن يكون قد أنجب بتلك السرعة. ولم أعلم أن لفظة "العيال" يقصد بها الزوجة، إلا بعد أن مر علي أكثر من موقف مشابه.

 

    ويمر بذاكرتي أيضا كيف أن الزملاء في الدراسة كانوا يتعايرون بأسماء أخوات أو أمهات بعضهم، متى ما نشب خلاف بينهم. فكان كل واحد منهم يسعى بالخفاء لمعرفة أسماء النساء في بيت الآخر، ليكون جاهزا لاستخدامها عند الضرورة.

 

    وعلى نفس المنوال أذكر زميلا اضطر إلى تغيير المدرسة التي تقع في حيه القريب، لينتقل إلى مدرسة أخرى بعيدة، لأنه لم يستطع أن يخبئ أن لديه ضعف في النظر. وأنه بحاجة للبس النظارة. ولو لم يكن مضطرا للبسها لما اعترف أبدا بحاجته إليها. ولفضّل أن يقضي حياته مشددا على عينيه ومعانيا القراءة من لوحة الأستاذ على أن يعلم أحد أنه يحتاج للبس النظارة.

 

    وكثيرا ما مر على في حياتي أناس هم يعانون من مشاكل تحتاج أن يسمع لهم الآخرون ليخرجوا من بلبلتها، لكنهم يرفضون الحديث عنها. مفضلين أن يعانوا في صمت، على أن يعلم غيرهم من الرجال أنهم يعنون. ولن أنكر أني كنت في فترة من الفترات ممن يعاني من هذه النقطة.

 

    وأعتقد أن الأمر تطور ليشمل كل العالم الذكوري، حتى أصبح الإنسان ينبغي أن يكون خبير في فك الشفرات حتى يفهم ما يدور في عالم الرجال. فالاقتصاد، والسياسة، والدين، كلها أصبحت أمور ليست كما نراها. بل أنها ألغاز داخل ألغاز. وأعتقد أني بدأت أفهم بعض هذه الشفرات. لكن هل الأمر يستحق كل هذا العناء.

 

مخ سعودي

    وردني بريد إلكتروني من أحد الأصدقاء السعوديين المقيمين في أمريكا. ووجدتها فرصة لتوضيح ما يحمله الشباب السعودي من ذكاء فطري شديد.

 

    بدأت القصة عندما توجه شاب سعودي إلى أحد البنوك في نيويورك، وطلب مقابلة مسئول القروض في البنك. وأخبر هذا المسئول أنه سيقوم برحلة عمل إلى السعودية لمدة أسبوعين، ويحتاج إلى اقتراض مبلغ 5000 دولار.

 

    فأخبره مسئول القروض أن البنك سيطلب ضمانا مقابل المبلغ، فلم يكن من الشاب إلا أن سلمه مفتاح سيارته الفراري الجديدة الواقفة أمام البنك. وسلمه أوراق ملكية السيارة، وتم التحقق من كل شيء. فما كان من مسئول القروض إلا أن سلمه المبلغ مقابل ضمان السيارة.

 

    تضاحك مدير البنك ومسئول القروض مع عدد من مسئولي البنك على هذا الشاب السعودي الغريب الذي يقدم سيارة بمبلغ 250,000 دولار كضمان لقرض صغير بمبلغ 5000 دولار. وأمر مدير البنك أن ينقل أحد الموظفين السيارة إلى داخل مواقف البنك الآمنة.

 

    وبعد أسبوعين، عاد الشاب السعودي إلى البنك، ورد المبلغ المقترض مع فائدة تبلغ 15,14 دولار (خمسة عشر دولار وأربعة عشر سنت). تبسم مسئول القروض للشاب وقال له: "سيدي، نحن سعيدون جدا بتعاملك معنا، ولكن هل تسمح لي بسؤال، فبعد مغادرتك لنا، تفقدنا حسابك معنا، وكان لديك مبلغا كبيرا جدا، واكتشفنا أنك أحد أكبر عملائنا، فما كانت حاجتك لاقتراض مبلغ صغير مثل 5000 دولار؟"

 

    فرد الشاب السعودي وهو يبتسم: "ليس هناك مكان آخر استطيع أن أجد به موقف آمن في مدينة نيويورك بمبلغ صغير مثل 15,14 دولار. وأكون متأكدا أني سأجدها حين أعود".

 

    وأكثر ما أعجبني في البريد الإلكتروني لهذا الصديق، أنه يتساءل في نهايته "يعني مو مصدقين أن شاب سعودي يطلع منه هالشي؟".

 

الحلقة الأضعف: غريبة، ريمية، ميسون

    قرأت في جريدة الحياة منذ أيام هذا الخبر الغريب. فقد قامت الشرطة الدينية أو ما يعرف بـ"هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بمنع أمسية شعرية نسائية. كان من المقرر أن تحضرها ثلاث شاعرات سعوديات هن غريبة نجد، وريمية، وميسون أبو بكر. لكن الهيئة منعتهن ومنعت الحضور من الدخول أيضا. وكان السبب من قبل رجال الهيئة عدم حصول الشاعرات على تصريح من إمارة الرياض. مع أن المنظمين قد حصلوا على الموافقة من وزارة الثقافة، لإقامة هذه الأمسية الخاصة بالنساء.

 

    ولا أعلم ما الهدف من منع هذه الأمسية ما دام هناك تصريح من وزارة الثقافة. أم أن هذه الوزارة غير مخولة لإعطاء مثل هذا التصريح. وإن لم تكن مخولة فمن يكون إذا. لا أعتقد أن المسألة قضية تصاريح. بل هي صراع وتصفية حسابات بين جماعة بدأت تشعر بالحصار والضغط من حولها. وتدرك أن صلاحياتها تتقلص يوما بعد يوم. فلم تجد إلا "الحلقة الأضعف" لتشن عليها حملتها الدفاعية.

 

    فلا أحد يستطيع أن يقول أن أمسية خاصة بالنساء فيها ما يستدعي تدخل الهيئة لمنع مثل هذه المناسبة. أو فيها ما يخل بالأدب ويخدش الحياء. إلا إذا ظهر لنا من يقول أن الشعر مضيعة للوقت، وأن تلك النسوة ينبغي أن يقضين أوقاتهن في أمور أكثر فائدة.

 

    والقضية عندي هي أن يقوم موظف دولة بعمل كهذا. مستغلا صلاحياته لأغراضه وقناعاته الشخصية. وأن لا يكون هناك نظام قضائي للجم مثل هذا التصرف. فكيف يكون من صلاحيات موظف صغير أن يلغي تصريح من الوزارة. وكيف يتجرأ أن يقف في وجه النسوة اللاتي حضرن وانتظرن لمدة ساعتين، ويكون بداخل نفسه مقتنعا أنه يخدم الوطن.

 

    أنا أضم صوتي لصوت الشاعرة غريبة نجد، التي طالبت بالتدخل السريع للمسئولين لوقف ما سمته بالمهزلة التي أفسدت الجمال المتوقع للأمسية. وأتساءل أنا بدوري، ما الغاية من وجود مثل هذا الجهاز – هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -، أليس ذلك من واجب أجهزة الأمن الأخرى. أليس واجب رجال الأمن العمل على تنفيذ القوانين والسهر على راحة الناس، وأمنهم، وأموالهم، وأعراضهم. فلماذا نحتاج إلى غيرهم.

 

أبجد هوز

    لكل اللغات في العالم أبجدياتها اللغوية التي تتغنى بها. وجميعنا يعرف الأبجدية العربية. لكن ألم تتساءل يوما لماذا لدينا أبجديتان للغتنا العربية. نعم لا تستغرب عزيزي القارئ، فلدينا أبجديتان. إحداهما هي (أ ، ب ، ج ، د ....) أبجد هوز المعروفة لمعظم دارسي العربية. والأخرى (أ ، ب ، ت ، ث ...) المعروفة أيضا لكل من تربى على برنامج أفتح يا سمسم، أعاده الله للتلفزيون مرة أخرى.

 

    فمن أين أتت هاتان الأبجديتان. لقد حاولت البحث في الموضوع، ووجدت أن جميع المعاجم العربية - بما فيها معجم العين أول معجم عربي موضوع - تستخدم الأبجدية المتسلسلة (أ ، ب ، ت ، ث ...). وليس هناك أي استخدام رسمي قديم لأبجد هوز. ولم ترد إلا في بعض كتب التاريخ كذكر لتسميتها. وهي أنها مجموع حروف ملوك العرب وقت إذا. لكن كل تلك القصص لم تكن موثّقة، ولا هي منطقية لقبولها.

 

    فقررت البحث في المراجع الأجنبية. وبعد قراءة لمجموعة من كتب تاريخ اللغات العالمية، والرجوع لبعض المصادر والمعاجم اللغوية الأجنبية، وجدت ضالتي في معجم "وبستر" المشهور. حيث ورد تحت لفظ الأبجدية (alphabet) جدول يذكر الترتيب الأبجدي لمعظم الحروف في لغات مختلفة. ووجدت من ضمنها العربية. وكانت بالترتيب المعروف (أ ، ب ، ت ، ث ...)، لكني وجدت بجانبها – وقد كانت صدمة حقيقية – الأبجدية العبرية.

 

    لقد اكتشفت أن الترتيب المعروف لدينا (أ ، ب ، ج ، د ...) هو نفسه للغة العبرية. وأن الألفاظ "أبجد هوز حطي كلمن سعفص... إلى آخر الأبجدية"، إنما هي ألفاظ عبرية. لكني لم أستطع معرفة متى وكيف دخلت تلك الأبجدية العبرية إلى لغتنا العربية. فمن المعروف أن اللغتين العربية والعبرية تنتميان لنفس الشجرة اللغوية التي هي اللغات السامية. لكن من المعروف أيضا أن اللغة العبرية أقدم أثرا وكتابة من العربية.

 

    وكان لي اكتشاف آخر من جراء كل هذا البحث. أن هناك تسميتان مختلفتان لتلك الأبجديتين. الأولى هي الأبجدية. ومن الواضح أن الاسم مشتق من اللفظ أبجد. والأخرى هي الألفبائية. وهي التسمية الحديثة لمعظم أحرف اللغات العالمية. وبالنسبة لي، إلى أن تجدّ معلومة عن أصل الأبجدية، سأضل استخدم الألفبائية. فوداعا للأبجدية، ومرحبا بالألفبائية.

 

عالم صوفي

    دار حوار صغير عن الأدب مع أحد الأخوات، بعد أن علقت على مقالة في المدونة، وسألتني عن رأيي في الأدب. وأقول بأعلى صوت، أنا عاشق أول للأدب بكل أصنافه. بل مؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يوصل الأفكار بالأدب، ويكون أكثر سلاسة ويسرا من الكتب العلمية الجافة.

 

    وقد أبدع مفكرونا الأوائل عندما صاغوا علومهم بالشعر، الذي هو ديوان العرب قديما. فألف ابن مالك ألفيته في النحو، وكتب ابن سينا علوم القانون والطب في ألفيات متعددة، وكذلك أبدع ابن ماجد في ألفية عن علوم البحر. وغيرها كثير زاخر في مخطوطاتنا القديمة.

 

    وكذلك الغرب أبدعوا على هذا المنوال. فرواية "موبي دك" العالمية تصنف على أنها أفضل كتاب تعليمي عن البحر والسفن في ذلك العصر. ومن قرأ "مغامرات نيلز" لن يتعجب إذا عرف أن من ألفها معلمة جغرافيا، رأت أن تعلم طلابها جغرافية بلدها بسرد حكاية ولد صغير يتحول إلى قزم، ويتنقل مع سرب من البجع على كل مدن وقرى بلادها بحثا عن المفتاح السحري الذي سيعيده ولدا طبيعيا مرة أرخى.

 

    بل أن حتى الفلسفة لم تخلو من محاولات جادة لشرحها عن طريق الروايات والأعمال الأدبية الأخرى. أذكر منها على المستوى العربي "حي بن يقضان"، التي ألفها العالم العربي ابن الطفيل. وهي تحكي قصة الإنسان وتعرفه على نفسه وخالقه.

 

    وأذكر من الأعمال الغربية رواية "الغثيان"، للفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر. التي تناول فيها وفي أعمال أدبية أخرى، شرح فلسفته عن الحرية الإنسانية، والصعوبة التي يواجها الإنسان الحديث في التعامل مع هذه الحرية، التي طغت على المجتمعات الغربية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وكيف أن الخلاص هو التمسك بمبدأ الالتزام، الذي يعرّفه الكاتب بإدراك الإنسان لحريته، وأنه مسئول عن ما يفعله بهذه الحرية.

 

    ولن أنسى الحديث عن أحد كتبي المفضلة، وهو رواية صدرت من وقت قريب. اسم هذه الرواية "عالم صوفي". وهي تتحدث عن قصة بنت مراهقة تردها رسالة من مجهول، تشجعها على تعلم السر الكبير قبل فوات الأوان. وخلال أحداث الرواية، تتعرف "صوفي" على تاريخ الفلسفة الإنسانية كلها. بطريقة سردية روائية ممتعة. ثم تنقلب الرواية بشكل فلسفي عجيب. لكني لن أخبركم كيف حدث هذا. فمن أراد معرفة السر الكبير، والانقلاب الفلسفي، فالرواية موجودة في مكتبة جرير. وباللغتين العربية والإنجليزية. أرجو أن تستمتعوا بها كما استمتعت.

 

    هل كان في ذلك إجابة شافية لكي أختي العزيزة السائلة. أرجو ذلك. لكني اسمحي لي أن أضيف أيضا، أني اعتقد أن كل الأعمال الأدبية، سواء الرواية، أو الشعر، أو القصة، أو المسرحية – حتى الأفلام السينمائية إذا جاز أن ندخلها في التصنيف -، جميعها تحمل رسائل تنويرية مبطنة في داخلها. وما علينا إلا أن نبحث عن هذه الرسائل وفك شفرتها، لتصلنا المعلومة.

 

    وهناك من يذهب إلى أن الكاتب الجيد ينبغي أن يخبئ هذه الرسالة. فالنصيحة والمعلومة المناسبة ينبغي أن يتعب من يبحث عنها كي يقدرها. فما يأتي بسهولة، يذهب بسهولة. ويبقى في الذهن ما شقي الإنسان في البحث عنه.

 

صيد الخاطر

    تمر كثير من الأفكار في أذهاننا يوميا، ولكننا كالعادة ندعها تذهب، دون أن ندري أنها أثمن شيء قد حل علينا. وبالنسبة لي، فأنا أسجلها سريعا قبل أن تطير. فإن كان الحاسب بجانبي سجلتها عليه، وإلا فعلى أقرب ورقة، أو جريدة، أو حتى علبة مناديل.

 

    إذا فهي لحظة عزيزي القارئ/الكاتب، تمر علينا كلمح الطيف. إن اصطدناها فزنا بفكرة لمقال آخر. وإن فاتت علينا، فأرجو أن لا تكون من الذين يتحرقون على ضياع الشيء. لأنك فعلا قد أضعت شيئا ثمينا.

 

    ومن النصائح التي يقدمها علماء التطوير الذاتي، أن يبقي كل شخص بجانبه قصاصة ورقم وقلم، ليكتب فيها كل فكرة تخطر على باله. لأنك لا تدري أي هذه الأفكار سيكون لها أثر بالغ في نجاحك الشخصي. هذا بالإضافة إلى أن تسجيل الخواطر اليومية، يساعدك في المستقبل على تذكر أمور ستتمنى أنك لم تفرط بها.

 

    عندما بدأت هذه المدونة، احتفلت مع نفسي بمرور أول أسبوع. واحتفل اليوم معكم بعد مرور شهر عليها.

وإذا كان هناك من يحب أن يشاركني علم الإحصاء – فأنا مغرم بالإحصاءات -، فقد بلغت عدد المقالات 30 مقالا، وعدد الزيارات إلى المدونة حتى اليوم 3108، وعدد المشاركات 243.

 

    لا أخفيكم القول أني استمتعت بهذه الأيام، وهذه الكتابة، والمشاركات أيضا. لكن كان أكثر ما سرني حقيقة هو التعرف على بعض الكتابات والآراء التي تحملها المدونات، سواء في جيران أو خارجها. لكن ما زال هدفي الأول أن استمر بالكتابة. فقد وجدت أن الكتابة نفسها والأفكار ليستا هما العائق بالنسبة لي. ولكنه الوقت والاعتياد على الممارسة  كعمل يومي.

 

    وإن صعب عليك صيد خاطرك، فتخيل معي مجموعة من الفراشات التي تطير فوق بستان من الزهور. وأنك تحمل شبكة رقيقة، وتحاول أن تلتقط هذه الفراشات. ستجد أنها تحلق ببطء حتى تتمكن من أن تمسك بها. كذلك الخواطر. متى ما ركزت بحثك عليها، ستجدها أمامك تسير على مهلها، منتظرة منك أن ترمي عليها بشباكك. لتعرضها على الآخرين.

 

كل عام وانتم بخير

    أعلم أن اليوم ليس مناسبة وطنية، أو دينية، أو نهاية العام. لكنه يوم ميلاد شخص عزيز على قلبي. فرأيت أن أبارك لهذا الشخص إكماله لعام قد مضى، وأهنئه وأدعو له بالفرح والسرور والتوفيق بعام قادم.

 

    وكذلك لاستغل الفرصة لأتحدث عن معاناتنا نحن السعوديين مع هذه المواقف المحرجة من كل عام. فبعد سن التاسعة أو العاشرة، يحضر علينا – أو على أغلبنا – ممارسة التهنئة بيوم الميلاد. وما كان في يوم ما مصدر سعادة لتلقي التهاني - والهدايا طبعا - أصبح فجأة من المحظورات والممنوعات الاجتماعية التي لا يمكن ممارستها.

 

    وقد امتد الحضر ليشمل كل عيد لم يكن موجودا من ألف عام. فعيد الأم، وعيد الأب، وعيد الحب، بل أن حتى عيد الشجرة الذي أذكر أننا نحتفل به أسبوع من كل عام حين كنا صغارا في المدرسة، فنقوم بزرع عدد من الأشجار في الحي، قد منعوه لأنه ليس موجود على قائمة أعياد الألف عام.

 

    ومن الطريف أن عيد الحب لدينا، أو ما يسمى بالفالنتاين، أصبح عيد بشكل آخر. فالعيد سمي عيدا لأن ما يحدث فيه "يعود" ليحدث في العام القادم. وأصبح عيد الحب يعود لنا كل عام بالمطاردات المضحكة من قبل "رجال الشرطة الدينية" لمحال الورود الحمراء، وإغلاق من يبيع الورود فيها ذلك اليوم. بل وصل الأمر إلى مطاردتهم الشباب والشابات الذين يرتدون اللباس الأحمر، أو يحملون الحقائب والمناديل الحمراء. وبصراحة أخشى أن يمنعوا لبس الشماغ الأحمر في ذلك اليوم، فلا نستطيع الذهاب إلى الدوائر الحكومية كاملي الشروط في الزي (من أراد أن يفهم هذه النقطة فليعود لمقالي شماغ وعقال وثوب).

 

    وأذكر في أحد المرات، حين كنت مسئولا عن إصدار النشرة الإخبارية في الشركة التي أعمل بها، أني قد كتبت تهنئة بعيد رأس السنة الميلادية. فقد كانت المناسبة تدعو لذلك. ويوجد الكثير من الأجانب الذين يحتفلون بهذا اليوم، ويعتبرونه بداية مشوار عام جديد، يتبادلون فيه التحايا والأماني بعام سعيد. وكان هناك شاب نشيط و"ملتزم" شارك معنا بمقالة في ذلك العدد. لكنه حين قرأ التهنئة حضر عندي في المكتب، وكان الشرر يطير من عينية، واتهمني بالخيانة، والعمالة، وصفات أخرى مخرجة من الملة. وطالبني بسحب مقالته، وعدم طلبي له بالمشاركة في هذه النشرة بعد الآن.

 

    احترم قرار ذلك الشاب، لكني لا أرى في تصرفه أي شيء من العقل – ولا الدين -. بل هو من منفرات التصرف التي تجعل الآخرين ينظرون لنا كأصحاب ثقافة مهزومة، لا تستطيع التعامل مع الحاضر، أو مع المجتمعات والحضارات الأخرى، إلا بالرفض، والاستنكار، والاستعلاء. وما أتعسها من صورة.

 

    صدقوني أني لا أجد مشكلة في فهم من يرفض ممارسة التهنئة بالأعياد غير الأعياد الدينية. واحترم حقه في ممارسة ما يعتقد أنه الأصلح والأفضل. لكني عاجز عن فهم من يريد أن يحرم الآخرين من حقهم في الإيمان بشيء آخر. من أين أتت فكرة الوصاية على العقل وعلى الأخلاق. نحن أناس بالغون. ونعلم ما هو الصحيح وغير الصحيح. ونعلم أن الله يراقبنا ويحاسبنا على ما نقول ونفعل. لكن ليس لأحد غيره أن يحاسبنا ويقول أنه ينفذ كلمه الله فينا. هذا ما لن استطيع أن أفهمه.

 

    وإلى صاحب المولد السعيد، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فأنا أعتذر عن تحويل يوم ميلادك إلى يوم مظاهرة كتابية وطنية للتعبير عن الحقوق المدنية المهضومة. وأريدك أن تعلم أن اليوم هو من أسعد أيام حياتي، لأنه اليوم الذي أهداك الله فيه لنا. فأنت هديتنا الثمينة التي نشكر الله كل يوم أن وهبنا إياها. وكل عام وأنت بخير.

 

بسرعة شوي

    يكثر الحديث في الشارع والإعلام السعودي هذه الأيام، عن الإصلاح والتغيير. وكثير من يقول أن هذا التغيير مرتبط بالضغوطات الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وكثير أيضا من أصبح هو بطل هذا التغيير، وكذلك بطل الحرب ضد التغيير.

 

    ولأسف أنا مع من يقول أن هذه الإصلاحات لم تكن لتحدث لو لم يكن هناك ضغط أمريكي ودولي. فقد كنا ننتظر طويلا أن يأتي من يتبنى الإصلاحات، أو أن تأخذ الدولة مسئوليتها بإضافة بعض التعديلات على الوضع التعليمي، والاقتصادي، والدستوري، والإعلامي، والقائمة تطول.

 

    لكني في نفس الوقت لست مع الذين يقولون هذا الكلام ليوقفوا أي حركة للإصلاح والتغيير الاجتماعي لأنه قد أتي بدعوة من الخارج. فالشعب السعودي وصل لمستوى من التعليم والوعي يجعله قادرا على معرفة حقوقه واحتياجاته. ولا يمكن معاملته كطفل صغير جاهل كما السابق.

 

    وأكثر من أجده يقف في وجه التغيير – بالإضافة لعدوه الرئيسي الجماعات المتشددة – هم الذين ينادون أن التغيير يحتاج إلى وقت طويل، بل يصلون بالقول إلى حاجتنا إلى أجيال متعاقبة للوصول إليه. وبذلك يؤخرون عملية الإصلاح جيل كامل. ويأتي بعدهم جيل بنفس الحجة. وتستمر المأساة.

 

    وأقول لهؤلاء الناس أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، غيّر العالم أجمع في جيل واحد. فكيف ندّعي بعد ذلك أن التغيير يحتاج إلى أجيال عدة. الإصلاح لا يحتاج إلى وقت، ولكن يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بما يقولون، ويفعلون كما يقولن. دون السقوط بدوامة المجاملات الاجتماعية التي نتفنن فيها نحن الشعب السعودي، حتى لو كانت على حسابنا.

 

    أنا أفهم أن لا تتغير المجتمعات في يوم وليلة، لكني أرفض أن استمع لمن يقول أننا نحتاج إلى أجيال وأجيال ليحدث هذا التغيير. إن من يقول بهذا الكلام إما من جماعة المنتفعين من الأوضاع الراهنة، أو من المتفننين في المجاملة الاجتماعية، والخاشين على صورتهم ومكانتهم، ومما قد يحصل لها إذا تبنوا المواقف الشجاعة.

 



<<الصفحة الرئيسية