في وسط زحمة الحياة، يسقط أحيانا أناس من ذاكرتنا، ولا يعودون إلا بعد أن تمر علينا يد الأيام، لتربت على أكتفانا بشكل حنون، لتقول لنا لا تنسى هؤلاء. وقد كتبت عن الكثيرين في مدونتي، وتناولت العديد من المواضيع، والأحداث، والمدونات، ونسيت أن أحدثكم عن أختي.
فقد نشأت في بيت لم يعرف إلا كلمتي الحرية والمساواة شعارا له. وقد قاسمتني شطرا كبيرا من أيامه أختي الكبرى، التي كانت زميلة لعبي في الصغر، ورفيقة دربي في الطفولة والشباب، وملاكي الحارس منذ أن عرفت تحديات الحياة.
أذكر أني في أول سنة دراسية لي، كنت أخاف أن أسير إلى المدرسة القريبة من منزلي وحدي، فكانت تسير معي لتوصلني أولا ثم تذهب إلى مدرستها. وكنت أجدها عند خروجي تنتظر لتوصلني للبيت مرة أخرى. وكانت في بعض الأحيان تتشاجر مع صبيان الحارة، متى ما تنمروا علي، وأرادوا أن يسلبوني شيئا ملكي. كم كنت أراها قوية، وكبيرة، وقادرة على فعل أي شيء تلك الأيام.
ومرت السنين، وبدأت أدرك أن المجتمع الذي أعيش فيه لا يتوافق مع شعار بيتنا، الذي عشقناه وتربينا فيه. فلديه نظرة أخرى، مفادها أن الذكر يأتي أولا، ثم تليه الأنثى. وأن الرجل أعقل، وأقوى، وأفضل من المرأة. وأنني كذكر، يجب أن أفرض سلطتي على "أخواتي البنات"، كما سمعتها أول مرة، من زملائي الذين أنبوني لحديثي عن أختي بإعجاب، وتقدير، وتفاخر.
لقد شهدت أختي تعاني الكثير لكونها امرأة. فمن الأقارب من يحتج على أبي وأمي لماذا لا يزوجانها صغيرة، بدل الدراسة العليا. فالمرأة مصيرها البيت. وكم كنت احزن حين أرى نظرات الغيرة في عينيها حين قدت سيارة والدي لأول مرة خارج البيت. فقد كان والدي يعلمنا أنا وإياها قيادة السيارة في صغرنا. وكنا نحلم أنا وهي أن نجوب العالم في سيارة عائلية، نتعاقب السواقة عليها، حين يتعب أحدنا يخلفه الآخر.
وأذكر احتجاجاتها المتواصلة، حين أجبروها على لبس العباءة أول مرة. فالمجتمع لا يسمح أن تخرج لهم كما هيا، فهي عورة، أما أنا فلا. وأكثر ما حز في قلبي، رؤيتها تقتنع بهذا الكلام، وتبدأ في النظر إلى نفسها بأنها كائن ضعيف وهش، ويحتاج إلى الحماية والرعاية الدائمة من قبل الرجل. وهي التي كانت تحميني في صغري، وكنت أراها "السوبرمان" الذي كنت أقرأ عنه في القصص. لكنه أصبح يلبس العباءة.
أليوم أعلن أني تبنيت قضية المرأة من أجلها. وأني تحملت الكثير من اللوم والعتاب، وأحيانا الاتهام في رجولتي، لأني أقول أن المرأة في مجتمعنا السعودي هي مواطن من الدرجة الثانية. وأن هذا الوضع غير صحيح. وأني حين قرأت القرآن والحديث، لم أرى فيه صورة المرأة التي يصفها المجتمع. بل رأيت راوية الحديث، وراعية المال، والمحاربة على الخيل، والمبايعة في أمور السياسة، والمتبحرة في العلم.
وقد عادت أختي إلى الإيمان بنفسها، وقدراتها، بعد أن مرت بتجارب مريرة، علمتها أن المجتمع لا يستحق من يستمع إليه. وأن الإنسان - رجل كان أو امرأة - لا بد أن يكون هو سيد مصيره. وما أسعدني بها اليوم، وأنا أراها بين أطفالها، تربيهم على المساواة التي تربينا عليها. وتعلّم بناتها أن المرأة كائن قوي، يستطيع أن يحقق ما يريد. وإن كانت لا تزال تتمسك ببعض "المحافظة"، التي ترى أن من الواجب الركون إليها، حتى لا يكون هناك صدام مع المجتمع.
إن اليد الحانية التي ربتت على كتفي، لتذكرني بأختي، هي يد أخت أخرى، أخت من نوع آخر، أخت القلم، وأخت المدونة. فقد قامت إحدى الأخوات العزيزات بالدفاع عني في أحد المقالات. وقد قلت لها أنها أشعرتني أني طفل صغير، يختبئ خلف فستان أخته. وأني أفتخر بهذا الشعور، ولا أخجل منه. فارجوا أن تعلم الآن لماذا أنا فخور بها. ولماذا لا أريد أن اصطنع لنفسي رجولة من ورق، تعتقد أنها الأفضل، لأن الله جعلها ذكر.







said:

said:
said:

said:



من المملكة العربية السعودية