المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
أختي العزيزة

    في وسط زحمة الحياة، يسقط أحيانا أناس من ذاكرتنا، ولا يعودون إلا بعد أن تمر علينا يد الأيام، لتربت على أكتفانا بشكل حنون، لتقول لنا لا تنسى هؤلاء. وقد كتبت عن الكثيرين في مدونتي، وتناولت العديد من المواضيع، والأحداث، والمدونات، ونسيت أن أحدثكم عن أختي.

 

    فقد نشأت في بيت لم يعرف إلا كلمتي الحرية والمساواة شعارا له. وقد قاسمتني شطرا كبيرا من أيامه أختي الكبرى، التي كانت زميلة لعبي في الصغر، ورفيقة دربي في الطفولة والشباب، وملاكي الحارس منذ أن عرفت تحديات الحياة.

 

    أذكر أني في أول سنة دراسية لي، كنت أخاف أن أسير إلى المدرسة القريبة من منزلي وحدي، فكانت تسير معي لتوصلني أولا ثم تذهب إلى مدرستها. وكنت أجدها عند خروجي تنتظر لتوصلني للبيت مرة أخرى. وكانت في بعض الأحيان تتشاجر مع صبيان الحارة، متى ما تنمروا علي، وأرادوا أن يسلبوني شيئا ملكي. كم كنت أراها قوية، وكبيرة، وقادرة على فعل أي شيء تلك الأيام.

 

    ومرت السنين، وبدأت أدرك أن المجتمع الذي أعيش فيه لا يتوافق مع شعار بيتنا، الذي عشقناه وتربينا فيه. فلديه نظرة أخرى، مفادها أن الذكر يأتي أولا، ثم تليه الأنثى. وأن الرجل أعقل، وأقوى، وأفضل من المرأة. وأنني كذكر، يجب أن أفرض سلطتي على "أخواتي البنات"، كما سمعتها أول مرة، من زملائي الذين أنبوني لحديثي عن أختي بإعجاب، وتقدير، وتفاخر.

 

    لقد شهدت أختي تعاني الكثير لكونها امرأة. فمن الأقارب من يحتج على أبي وأمي  لماذا لا يزوجانها صغيرة، بدل الدراسة العليا. فالمرأة مصيرها البيت. وكم كنت احزن حين أرى نظرات الغيرة في عينيها حين قدت سيارة والدي لأول مرة خارج البيت. فقد كان والدي يعلمنا أنا وإياها قيادة السيارة في صغرنا. وكنا نحلم أنا وهي أن نجوب العالم في سيارة عائلية، نتعاقب السواقة عليها، حين يتعب أحدنا يخلفه الآخر.

 

    وأذكر احتجاجاتها المتواصلة، حين أجبروها على لبس العباءة أول مرة. فالمجتمع لا يسمح أن تخرج لهم كما هيا، فهي عورة، أما أنا فلا. وأكثر ما حز في قلبي، رؤيتها تقتنع بهذا الكلام، وتبدأ في النظر إلى نفسها بأنها كائن ضعيف وهش، ويحتاج إلى الحماية والرعاية الدائمة من قبل الرجل. وهي التي كانت تحميني في صغري، وكنت أراها "السوبرمان" الذي كنت أقرأ عنه في القصص. لكنه أصبح يلبس العباءة.

 

    أليوم أعلن أني تبنيت قضية المرأة من أجلها. وأني تحملت الكثير من اللوم والعتاب، وأحيانا الاتهام في رجولتي، لأني أقول أن المرأة في مجتمعنا السعودي هي مواطن من الدرجة الثانية. وأن هذا الوضع غير صحيح. وأني حين قرأت القرآن والحديث، لم أرى فيه صورة المرأة التي يصفها المجتمع. بل رأيت راوية الحديث، وراعية المال، والمحاربة على الخيل، والمبايعة في أمور السياسة، والمتبحرة في العلم.

 

    وقد عادت أختي إلى الإيمان بنفسها، وقدراتها، بعد أن مرت بتجارب مريرة، علمتها أن المجتمع لا يستحق من يستمع إليه. وأن الإنسان - رجل كان أو امرأة - لا بد أن يكون هو سيد مصيره. وما أسعدني بها اليوم، وأنا أراها بين أطفالها، تربيهم على المساواة التي تربينا عليها. وتعلّم بناتها أن المرأة كائن قوي، يستطيع أن يحقق ما يريد. وإن كانت لا تزال تتمسك ببعض "المحافظة"، التي ترى أن من الواجب الركون إليها، حتى لا يكون هناك صدام مع المجتمع.

 

    إن اليد الحانية التي ربتت على كتفي، لتذكرني بأختي، هي يد أخت أخرى، أخت من نوع آخر، أخت القلم، وأخت المدونة. فقد قامت إحدى الأخوات العزيزات بالدفاع عني في أحد المقالات. وقد قلت لها أنها أشعرتني أني طفل صغير، يختبئ خلف فستان أخته. وأني أفتخر بهذا الشعور، ولا أخجل منه. فارجوا أن تعلم الآن لماذا أنا فخور بها. ولماذا لا أريد أن اصطنع لنفسي رجولة من ورق، تعتقد أنها الأفضل، لأن الله جعلها ذكر.

 



أضف تعليقا

اضيف في 17 يوليو, 2006 08:12 م , من قبل ساره مطر
من المملكة العربية السعودية said:

هناك مقولة رائعة كنت قد قرأتها في أكثر من مكان وأكثر من قصة وأكثر من رواية. أنك إذا اردت أن تغير وطنك فأبدا بنفسك ثم بيتك ثم حارتك ثم مدينتك بعدها الوطن كله يتغير!!

كتابة جميلة،ومعبرة، ليعلم الجميع إننا في السعودية، نعيش كأسرة متلازمة، لها كيان واحد، وقد سمعت الكثير من الصديقات ممن يحققن مبدأ الصداقة مع أشقائهن الشباب، كما أنت مع أختك التي تحبها.
شعور عظيم أن تكتب عن شقيقتك، لا كما يفعل كل الأدباء حينما يكتبوا دائماً عن أمهاتهم، إحساسهم أنهم عظماء لأنهم خلقوا من ضلعها، من هنا جاء التربيت على كتفها.
مجتمعنا السعودي على مافيه من نسق متجانس وغير متجانس خاصة فيما يتعلق ببعض حقوق المرأة، إلا أنه سيظل المجمتمع الأول عالمياً في الأندماج والترابط العائلي و العاطفي، إنه نسيج عظيم لا يمكننا أن نغفل عنه.

وأنت أيها الساحر حينما تتكلم عن شقيقتك، فأنت تعرض مجتمعنا الداخلي لكي يراه الناس على حقيقته المعاشه. خاصة لهولاءالذين لا يعرفون كم هي المودة العائلية التي تغلف معظم نسق حياتنا العائلية.

شكراً لمقالتك الدافئة، وأنت لا تشرف نفسك فقط بالكتابة عنها، فأنت تشرفنا جميعنا.

اضيف في 18 يوليو, 2006 10:14 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة ساره

إن مايفعله إنسان واحد، يمكن أن يؤثر في أناس عديدين. فبوجود هذه الأخت، أصبحت أنظر لكل امرأة باحترام وتقدير.

وما الكتابة عنها، أو عن حقوق المرأة المنتهكة، إلا من باب رد الجميل لها، والتقدير والعرفان لدورها المؤثر في حياتي.

اضيف في 18 يوليو, 2006 05:19 م , من قبل نيرفانا
من المملكة العربية السعودية said:

تحب نيتشــه؟

إذن خذ.... وتفكــر!

http://anoutsider.jeeran.com/Nirvana/archive/2006/3/


( يا عيني عـ الدعاية :) )

اضيف في 18 يوليو, 2006 05:34 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة نيرفانا

إضافة جميلة لما كتبت. ليتك نقلتي المقالة كلها، فهي في صميم ماأقول.

دعيني - بعد أذنك - أنقلها أنا، فهي تستحق القراءة:

جيء بشاب إلى حكيم وقيل له :" هاهو شاب تفسده النساء!"

هز الحكيم رأسه وأخذ يضحك: "الرجال هم الذين يفسدون النساء. وكل خطيئة ترتكبها النساء يجب أن يصلحها ويكفر عنها الرجال، لأن الرجل يصنع لنفسه صورة عن المرأة والمرأة تصوغ نفسها وفق هذه الصورة."

"إنك متسامح مع النساء كثيرا، قال أحد الحاضرين، يبدو أنك لا تعرفهن أبدا".

أجاب الحكيم: "طبيعة الرجل إرادة، طبيعة المرأة قبول_ هذا هو قانون الأجناس في الحقيقة!
قانون قاس بالنسبة إلى المرأة! جميع الكائنات البشرية بريئة بالوجود، لكن النساء في الدرجة الثانية على هذا الصعيد: إذن من يستطيع أن يمتلك من التسامح والعذوبة ما يكفيهن؟

"عذوبة! تسامح! ماذا يعني كل ذلك؟. صرخ أحدهم: من الأسلم أن نربي النساء!"

"من الأسلم أن نربي الرجال" قال الحكيم وأشار إلى الشاب أن يلحق به.

لكن الشاب لم يلحقه أبدا.

نيتشــه
فيلسوف ألماني

ملاحظة:
الموضوع منقول من مدونة العزيزة نيرفانا.

اضيف في 18 يوليو, 2006 06:21 م , من قبل SunShine
من كندا said:

Thanks for a great artcile =)

اضيف في 18 يوليو, 2006 06:32 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:

Dear SunShine

Welcome to my bolg, and happy you liked what I wrote

I was aiming for good, but you gave me great, so thanx

اضيف في 18 يوليو, 2006 08:22 م , من قبل layal
من البحرين said:

تعجبني نظرتك للامور
أذكر موظف لدينا بالعمل وهو مشارك بمؤتمر عن حقوق المرأه وكم كان متحمس للموضوع -ولو كنت تسمع احاديث باقي الموظفين عنه اسموه (نصير المرأه) بطريقتهم التهكميه

اضيف في 18 يوليو, 2006 08:36 م , من قبل layal
من البحرين said:

تعجبني نظرتك للامور
اذكر بهذا الخصوص زميل لنا بالعمل وكان مشارك بمؤتمر عن حقوق المرأه وكم كان متحمس للامر-ولو كانت ترا كلام بقية الموظفين عنه لقب (بنصير المرأه) بطريقتهم التهكميه

اضيف في 19 يوليو, 2006 07:37 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة ليال

الرجال كالأطفال، يكبرون ويظل في قلبهم طفل صغير يحب اللعب والمشاكسة. والطفل يحتاج إلى العناية والرعاية والتوجيه. فلا ينبغي أن نسكت على تصرف خاطئ، لأننا نعزز هذا التصرف في نفوسهم.

اضيف في 19 سبتمبر, 2006 04:32 م , من قبل sarah
من لبنان said:

احني رأسي و قبعتي بكل حب لشخصك عزيزي..

كن بحفظ الله

اضيف في 19 سبتمبر, 2006 08:04 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة سارة

يسعدني أنكِ قرأتي هذا المقال عزيزتي، فهو يتحدث عني أكثر من أي مقال آخر.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية