كان أول ما لاحظت بعد وصولي إلى الرياض، هو كثرة سيارات الشرطة والمرور. ونقاط التفتيش المتعددة، والمختلفة الأسباب. معظمها لمراقبة السرعة، وأخرى مجرد نقاط أمنية. والغريب أن آخر تعليق سمعته قبل مغادرة دبي، كان عن سيارة الشرطة الوحيدة التي شاهدناها أثناء تواجدنا هناك. وكيف أن قلة سيارات الشرطة لم يشجع أحد من سائقي السيارات على المخالفة أو تعدي القانون. فهل يحق لنا التساؤل لماذا؟
لماذا مع كل الأنظمة والقوانين، ورجال الشرطة والمرور المنتشرين في كل مكان، والحملات المرورية المتكررة – والتي ليس لها ذلك التأثير – ، لم نستطع أن نصل إلى أن نجعل السائق السعودي يلتزم بالنظام؟ الجواب السهل والسريع سيقودنا إلى التربية، والانضباط، والإهمال، وكل الأمور التي ممكن أن نقولها ولكن دون أن نستطيع أن نفعل بها شيء. فهي تقودنا إلى التساؤل لماذا لا نستطيع أن نربي بشكل سليم؟ ومن هو المسئول عنها الآن، لكي نخرج من هذه الدوامة التي لا تنتهي.
برأيي كانت أنجح حملة مرورية قامت بها الدولة، هي التي نزل بها رجال المرور إلى الشارع، وشرعوا بتقديم الورود والهدايا للسائقين. وكانوا يتكلمون معهم لإقناعهم بلبس حزام الأمان، دون تهديد السلطة المعتاد، ودون الوعيد والتلويح بدفتر المخالفات.
ولكي نصل إلى مجتمع خالي من المخالفات، لا بد أن نضع بعض الثقة في ذلك المجتمع. وبدل أن يكون هناك برامج دعائية تكلف الملايين، لماذا لا نحاول أن نقلل من الحملات التفتيشية التي قد تكون في الظاهر تقلل من نسب الحوادث، لكنها تنزع روح المسئولية من يدي السائقين، وتجعلهم يتصورون أن هناك "آخرين" ينبغي عليهم القيام بهذه المهمة.
ولعل أقرب تشبيه إلى ذهني، هو كيف يعتمد الأطفال في البيت على الخادمة، بحيث يتصورون أن مسئوليتهم أن يعيثوا بالبيت فسادا وتخريبا، وواجب الخادمة أن تنظف ورائهم. إن روح المسئولية لا تدخل في النفوس إلا بعد أن نهبها المسئولية فعلا.
المشكلة في هذا الحل أن الصدمة في تخويل المسئولية في البداية ستحدث نتائج عكسية، حيث ستكثر المخالفات والتعديات من معظم السائقين، الذين يعتقدون أنهم أصبحوا أحرارا بعد سنين القهر والرقابة. ولكن معدل التجاوزات سوف يقل بعد أن يدرك الجميع تدريجيا أنهم هم المسئولون عن سلامتهم وسلامة غيرهم على الطريق.
أذكر أن أحد الأخوات العزيزات سألتني عن المدينة الفاضلة التي أتخيلها. واليوم أقول لها أنها المدينة التي يتحمل كل مواطن فيها مسئولية أفعاله وتصرفاته. دون أن يكون هناك رقيب يجري وراءه ليذكره بواجباته. أعلم أن ذلك شبه مستحيل، ولذلك يدعونها "المدينة الفاضلة". لكني متأكد أن تشجيع تطبيق القانون "العقابي" من غير الدعوة للمواطنين لتحمل نصيبهم من المسئولية سيقودنا في مسار آخر.







said:



من المملكة العربية السعودية