المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
في مواجهة الموت

    منذ أيام، كنت على مجلس غداء مع أحد الأصدقاء. وكان هذا الصديق يعمل في مستشفى، وبدا ذلك اليوم متوتر أكثر من العادة. فلما تحينت الفرصة وسألته كما يشغله، استرسل في حكاية قصة جرت في المستشفى لديهم.

 

    كانت بطلة القصة فتاة مراهقة، نقلت إلى المستشفى بعد أن تناولت كمية من الحبوب في محاولة للانتحار. وقد تم إسعافها وهي فاقدة للوعي. ولما أفاقت حكت لهم أنها حاولت الانتحار بعد أن نهرتها أمها وحرمتها من الجوال، والإنترنت، والخروج إلى السوق، بعد أن شكت في سلوكها، وبتعرفها على شاب عن طريق الإنترنت.

 

    يقول صديقي أن موظفي المستشفى انقسموا إلى قسمين، قسم يلوم الفتاة على تفاهة شخصيتها وكيف أنها لم تتحمل الحرمان من أمور تعتبر ترفيات وليست أساسيات. وقسم آخر يلوم الأهل على قسوتهم الزائدة على فتاة مراهقة تتحكم بها العاطفة في هذه السن أكثر من العقل.

 

    والفتاه تعيش في بيت توفي فيه الأب، وليس لديها إلا أم وأختين، وأخ من الرضاعة يمر عليهم بين الحين والآخر. وهي قصة أعتبرها كلاسيكية بالنسبة للمجتمع السعودي، حيث يربي الأهل أبنائهم على الترف والدلال الزائد، ولا يحيطوهم بالمتابعة والرعاية، حتى تقع المصيبة، فينفجروا في وجوههم غاضبين، وينقلب الدلال إلى حرمان.

 

   ليس المنع هو ما دفع تلك المراهقة إلى محاولة الانتحار، وليس الحرمان من تلك الرفاهيات هو الذي قادها لتلك النهاية، إنه عدم القدرة على التواصل بين الأم والابنة. فلو علمت تلك المراهقة أن ما فعلته أمها بها كان بدافع الحب المطلق، لما قامت بهذا العمل.

 

    والغريب أن المواضيع حين تأتي تظهر بشكل جماعي. ففي نفس اليوم، ولكن في المساء، أجد صديقا آخر يتحدث عن مقطع بلوتوث، أصر أن يريني إياه. وكان يتناول فتاة تحاول الانتحار بالصعود إلى السطح والتهديد بالانتحار. وفجأة، حدثت الأمور بسرعة، وحاول أحد أخوانها الإمساك بها، لكنها وقعت إلى الأسفل. ولا أعلم إن كانت ماتت أو لا.

 

    ولو سمعت البنت بكاء أهلها وأخوتها عليها، لما فكرت أن تفعل ما فعلت. ولكننا كالعادة، نبقي مشاعرنا مكبوتة عن من نحب، حتى وأن كانوا أبنائنا وبناتنا. ولا نظهر لهم إلا القوة والحزم. بل أني أجزم أن هاتين الفتاتين لم تسمعا كلمة "أحبك" من أهلهما. ولو سمعتها لما قامت بهذا الفعل الذي لا يدل إلا على الحزن والحرمان العاطفي.

 

    هل ينبغي أن تقف أمام الموت لنتذكر أن نقول لأهلنا أننا نحبهم. هل هذه الكلمة صعبة أن تنزل على لساننا لنهديها بين الحين والآخر لمن يستحقها. أم أنا نتوقع أنهم سيسمعونها بعد أن تكون الروح قد فارقت الجسد.

 



أضف تعليقا

اضيف في 29 اغسطس, 2006 04:57 م , من قبل sarah
من لبنان said:

اسعفني الحظ ان اكون اول الزائرين ليفاجئني موضوع الموت و عدم التواصل مع الاهل و كتمان المشاعر
كل نقطة في موضوعك جديرة بالتناول على حدة لانها كلها مواضيع متفشية بقوة في مجتماعتنا العربية و هي ما يؤدي الى انهيار الاخلاق لا قدر الله و فقدان الحياة او حتى لانعدام التواصل بين اهل البيت الواحد بس دعاء واحد الله يصلح النفوس نحن العرب اطيب قلوب و احسن عالم بس المهم شوية وعي و ادراك بيوصلونا لاحسن الاماكن انشاء الله
اما عن آخر جملك للحقيقة هي واقع صعب الكثير يستخسر كلمة حب في عائلته او من يحب فيعيش حارما نفسه من نعمة اعطانا اياها الله و يحرم غيره منها بالنسبة لي هذا الموضوع بعيد كل البعد عني فانا اعبر عن مشاعري بكل الطرق و عندما اموت سوف يكون الجميع على علم بانني احبه و انا على يقين من يحبني :)

موضوع جدا مميز شكرا ماجيك للمشاركه

اضيف في 29 اغسطس, 2006 06:53 م , من قبل توتي فروتي
من المملكة العربية السعودية said:

قد أجد عذر للأم في المثال الأول،وهو عدم وجود الأب ففي هذه الحالة تحاول الأم أن تقوم بالدورين وهذا ما دفعها للتصرف الحازم التي قامت به.

مع إعتقادي أنه كان من الأولى أن تقوم معها بمحادثه ودّيه لمعرفة حقيقة الأمر وتقوم بإرشادها بشكل غير مباشر

عموماً الأسلوب الجاف وعدم إظهار المشاعر قد تكون صفة سائدة في مجتمعنا تترتب عليها ترسبات بعيدة المدى وأستثني أهل الغربيه والشرقيه
أهل السواحل عندهم اريحيه في التعبير يُغبطون عليها :)

اضيف في 29 اغسطس, 2006 07:03 م , من قبل kolita
من المملكة العربية السعودية said:

موضوع مهم و مشعبك..

لا نستطيع الحكم فلم نسمع من الطرف الأخر - أي الأم. لكن يبدو أن هناك خلل ما في التربية, طريقة التربية, الفتاة فقدت الأب و الأم شعرت بالمسؤولية العظيمة التي تركها لها, فأرادت أن تكون "قدها" و أن تربي ابنتها لتصبح فتاة صالحة و ناجحة لذا فعلت ما فعلت.

و في الحقيقة حرمان الأم الفتاة من جوال و خلافه عقاب يستخدم كثيرا و عادة تكون فترته مؤقته, لكن يبدو أن الفتاة شعرت بانعدام الثقة من قبل أهلها و هذا شعور قاتل فعلا, حتى و ان كانت الأم من النوع الذي يسمع أبنائه كلمات الحب عملية سحب الثقة خطيرة جدا و مردودها على نفسية الأبناء مردود سيء, فتبني حواجز بين الأهل و الابن فوق الحواجز الموجودة أصلا.

اضيف في 29 اغسطس, 2006 08:13 م , من قبل layal
من البحرين said:

اعتقد ان هذا النوع من التمرد الذي يصل لحد قتل النفس ليس الا طريقه ليصيح الانسان بها بصمه ويقول اني هنا

ولا اعتقد الحرمان من الهاتف او من الخروج الا وسيله لزياده الحال من سيء لاسوء

(((كم هو غبي هذا الانسان فهو لا يعرف قيمه الشيء الا بعد ان يفقده -اغباء اكثر من هذا الغباء ))) كلمات قرئتها اليوم واحببت ان اشارككم بها

اضيف في 29 اغسطس, 2006 09:09 م , من قبل فوزية الصويان
من المملكة العربية السعودية said:

اعجبتني جدا مقولتك الرائعة ( هل فعلا لابد ان نقع بايدي الموت حتى يقول لنا من حولنا انهم يحبوننا )
قصة تلامس واقع العديد من الفتيات والاسف اصبح اظهار المشاعر من الامور التي يخجل منها .؟ًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً!!!!!!!!!!!!

اضيف في 29 اغسطس, 2006 11:20 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة سارة

أعترف لكِ أنني أتردد في بعض الأحيان من أن أكون أول المعلقين، وقد تكون تلك الصفة مشتركة مع العزيزة توتي أننا لا نريد أن نتحدث في موضوع ونكون قد فهمناه بشكل مخالف. فتحية لشجاعتك واسبقيتك.

ولديك عزيزتي اختيار مميز للعبارات، لا بد أن قريحتك الكتابية قوية، حيث أنك اختصرت مقالي كله بقولك "عندما اموت سوف يكون الجميع على علم بانني احبه".

اضيف في 29 اغسطس, 2006 11:31 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة توتي

سأتغاضى عن ما في تلميحك من عنصرية ضد المنطقةالوسطى، وذلك لسبب واحد فقط. أن ما تقولينه صحيح مئة بالمئة.

ينبغي أن يكثر أفراد العائلة الواحدة من البوح العاطفي بمشاعرهم لبعضهم البعض. للأسف أننا مقصرين في ذلك، ونجد حرجا في أن نفعله، خاصة النجديين، لكن لكل شيء لا بد من بداية.

اضيف في 29 اغسطس, 2006 11:50 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة خولة

لم أكن أحاول أن أحكم لأحد ضد أحد هنا، فأنا متعاطف مع موقف الأسرة بشكل عام.

ولا أعتقد أن هناك شيء أسمه الوصفة السحرية للخلاص من المشاكل. فهي لا تنتهي إلا بنهاية العمر.

لكن لو استطاعت الأم وأبنتها التواصل بالمشاعر، وعرفت كل واحدة منهما مدى حب الأخرى لها، لشقّا طريقهما معا، إلى أن يصلا إلى الضفة الأخرى. وفي أسوء الحالات، لن يصل الموضوع إلى هذه النتيجة.

اضيف في 29 اغسطس, 2006 11:59 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة ليال

بدأت أرى جانبا من القدرة على التحليل النفسي الجيد لديكِ. فهل أنتِ متخصصة في هذا العلم؟

لقد قمت بتحليل الموقف بطرقة علمية صحيحة، ليت كل أسرة عربية يكون لها طبيبها ومرشدها النفسي الخاص بها.

اضيف في 30 اغسطس, 2006 12:03 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة فوزية

مرحبا بكِ ضيفة جديدة على المدونة. وأشكرك جدا على الإشادة بالمقالة.

وأتفق معكِ تماما في أن البوح بالمشاعر مطلوب بزمننا ومجتمعنا الحاضر أكثر من أي وقت.

اضيف في 30 اغسطس, 2006 12:46 م , من قبل sarah
من لبنان said:

عزيزي ماجيك شكرا للكلمات الرقيقة فانا فعلا احس بالتميز عندما اكون اول المعلقين لا ادري لماذا احس باهمية الكلمات و بانني اول شخص يشارك كاتب السطور ما يفكر به و يعجبني هذا الجانب كثيرا :)
اما بالنسبة لآخر جملة اسمح لي ان اعطيك مثلا صغيرا هنا في جيران كل اصدقائي هم احبائي و انا على ثقة انهم يعلمون ذلك و اهلا بك في مساحة قلبي الصغيرة ان كنت لا تعلم فها انا اخبرك :)
دمت اخا عزيزا

اضيف في 30 اغسطس, 2006 03:18 م , من قبل sarah
من المملكة العربية السعودية said:

والله شي يقطع القلب
ويحزن
بس ترى المراهق يكبر الموضوع ويكون حساس اكثر من غيره
ويتأثر بكل موقف يمر فيه
خصوصا الفتيات
عشان كذا اكثر نسبة انتحار تكون بين الفتيات
مشكور موضوع جميل جدا

اضيف في 30 اغسطس, 2006 04:15 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة سارة

لو أصبح البوح بالمشاعر الجميلة مثل شرب الماء واستنشاق الهواء، لكانت مجتمعاتنا أفضل مما هي الآن.

دمتي أخت عزيزة، ومدونة رائعة، وضيفة كريمة على هذه المدونة.

اضيف في 30 اغسطس, 2006 04:25 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة سارة

قد تكون أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان هي المراهقة. حيث يشعر المراهق أو المراهقة أنهم تائهون في البحث عن الهوية.

وقد يكون الإنتحار هو أقصى ما يمكن أن يحدث من مشاكل، لكني كتبت عنه لأشير إلى أن التواصل مع المراهق، وتوضيح المشاعر له، ستسانده كثيرا في عبور محنة المرحلة التي يمر بها.

اضيف في 30 اغسطس, 2006 09:09 م , من قبل nesrelsharke said:

مقال متميز
ولكنى ارى ان الام هى المذنبه
ليس لمعاملتها الجافة
ولكن للتدليل الزائد عن اللزوم
ومن المعروف ان اى يزيد عن حده ينقلب ضده
جزاك الله كل خير على التوعية
تشرفى مدونتى

اضيف في 30 اغسطس, 2006 11:54 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيز الجريح

لا أبحث هنا عن طريق الذنب، بل عن سبيل الخلاص. والوعي من قبل الأهل بطرق التربية الحديثة مطلب أساسي، لكن تظل أفضل سياسة في زمن المأساة الابتعاد عن تحميل الذنب لطرف من الأطراف.

لقد تعودنا أن نبحث على من نضع اللوم كلما قابلنا موقف أو حادثة ما، ألم يحن الوقت لتغيير هذه الطريقة في التفكير، ومحاولة التركيز على الحلول بدل من استعراض كبش الفداء.

اضيف في 31 اغسطس, 2006 07:45 ص , من قبل بنان said:

مرحبًا ماجيك..
وأنا بأقرأ المقال حسيت نفسي بأعيش مراهقتي من جديد.. :)


لا تستغرب.. انت لمن كتبت المقال واستغربت من محاولة الفتاة للإنتحار فدا لإنك كبير شوية!!
انا ما اعرف عمرك لكن واضح انك تخطيت مرحلة المراهقة بسرعة وبحلول كافية للنجاة من مشاكلها!!

اسمعني ماجيك..
في أنواع من المراهقين..
مراهقين بلا مشاكل ودول أعدادهم بالزيرو..
ومراهقين بمشاكل وهم كمان نوعين..
نوع يعرفوا يتصرفوا بعقل "قليلين جدًا جدًا جدًا"..
ونوع بيتصرفوا بعاطفتهم الممزوجة بالأفلام والمسلسلات وأخبار المراهقين اللي زيهم.. :)


غياب الأب ومحاولات الأم المتكررة لتسد المكانين سبب..
الفجوة العاطفية بين الأم وابنتها سبب.. << يتفاقم عند الطلاق..
جمود المشاعر في القلب وعدم التحدث عنها بحرية كمان سبب.. << بس مو شرط..
الفجوة العميييييييقة بين تفكير الأم وبين تفكير بنتها في مواقف معيّنة سبب آخر وأنا أشوفه أول سبب للتصادم بين الاتنين..
أسباب مالها حلول على فكرة..
ما اعرف ليش لإنه لو لها كان الناس كلها حلت مشاكل مراهقينها..


الانتحار الوسيلة الأولى للمراهقات عندما تقع لهم مصايب..
فكرت فيه كتير لكن الحمد لله ربي رحمني وأهو أنا قدامك كاملة بدون موت.. :)
يمكن رحمة من ربي إني لقيت ناس تساعدني في محنتي وتكون جنبي وتفهمني أخطائي الكثيرة..
ويمكن رحمة من ربي إني كنت شجاعة بما فيه الكفاية اعترافي بخطأي..
أنا ما أخجل من كوني كنت مراهقة بمشاكل.. بالعكس أتمنى تكون صراحتي حاجة تساعد مراهقات غيري..

أعرف بربرت كتير وضيّعت نص الهرجة..
بس الموضوع أثار شجوني..
شكرًا ماجيك..
سلام مكوكي..

اضيف في 31 اغسطس, 2006 01:09 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة بنان

إنك لم "تبربري" عزيزتي، بل أضفتي كثيرا من الكلام المفيد والتجربة الشخصية القيمة.

وتحياتي لقلمك الشجاع الذي يقدم ماضية عله ينقذ مستقبل غيره. بالإضافة إلى التحليل الرائع لنفسية المراهق.

وأنا متفق معكِ في مسألة أن مشاكل المراهق ليس لها حل، لكني أختلف في أن البوح في العاطفة لين يكون له ذلك التأثير على المراهق.

إن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء ويظل يجد له مبررا ليستمر في الحياة، لكن أقسى ما يمكن أن يذوقه أن يجد نفسه وقت الأزمات بلا إنسان آخر يحبه، ويقف بجانبه.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية