المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
نافذة على الرمال (3)

- ليلة في القصر -

 

    بعد أن قبلت ضيافة الأمير، توجهنا أنا وهو إلى منزله، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الراحة، وإلى حمام يغسل عني آلام الليلة السابقة. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت بيته من الداخل، فقد كان على الطراز الأوربي الحديث، وكل قطعة فيه تدل على يسر الحال الذي يعيشه هو وأهله، وكأنما هو قصر من القصور التي كنت أشاهدها في العاصمة، وهو ليس من المناظر التي تتخيل أن تراها في قرية كهذه.

 

    لقد تغير الرجل علي بشكل كامل عندما دخلنا بيته، فقد بدأ يغير من لكنته البدوية، وظهرت فجأة "الذال" في أستاذ، ثم بدأ يعرفني على أهل بيته، فسلمت علي زوجته وابنتيه، وعهدي برجال بلدي لا يقرون سلام النساء على الرجال، واعتذر لي عن عدم تواجد أبنه "سعد" للسلام علي، لأنه خارج في رحلة صيد مع أصحابه. وفي هذه اللحظة، بدأت استشعر شيئا من السريالية فيما يحدث حولي، فقد كونت صورة مسبقة عن هذا البدوي، ثم ها هو يكسر نمط هذه الصورة، ليدخلني في عالمين مختلفين في وقت واحد.

 

    استأذنت من الجميع متعللا بالإنهاك، وطالبا الذهاب للغرفة، وكان تصرفي مثل رجل إنجليزي مهذب، فقد وجدت من حولي يفرضون علي تلك الشخصية، بطريقة غير مباشرة، فقد كانت تصرفاتهم جميعا تميل إلى تلك الخصال الأجنبية، وكانت البنتان تتصرفان في حضور رجل أجنبي وكأنه أمر معتاد لديهما، لا بد أن يكونا قد درسا في مدارس أجنبية، فانطباعي عنهما وهما يدخلان ألفاظا إنجليزية أثناء حديث التعارف جعلني استبعد أن يكونا قد تربيا في هذه القرية. لا بد لي أن أخرج من هنا، فقد بدأ رأسي يشعرني بنوبة غثيان عارمة، ولم أعد أفكر إلا بتناول حبات المسكن التي أحضرتها معي، أريد أن أبقى وحيدا كي أستوعب ما يحصل لي في هذا المكان.

 

    استدعت زوجة الأمير أحد الخدم، وطلبت منه إيصالي إلى غرفتي، ولم تنسى أن تذكرني بأن موعد العشاء سيكون في الساعة الثامنة، وأن هناك كثير من الوقت الكافي لكي أرتاح، شكرتها بابتسامة بالكاد خرجت من فمي، وذهبت مع الخادم إلى الغرفة، وبمجرد أن وضع الحقيبة وخرج، أغلقت الباب، وأسندت ظهري عليه، حتى لا أسقط من شدة الإعياء، فأحيانا يكون الجهد العقلي أكبر بكثير من البدني. تناولت حبتين من المسكن، وارتميت على الفراش، وصرت أحدق في السقف، باحثا عن راحتي هناك.

 

    لم يكن هذا التناقض هو ما أخذني على حين غرة، فهو حالة مألوفة لمن عاش في مدننا السعودية الكبيرة. فستجد فيها كل أطياف المجتمع المختلفة، وكذلك تجد الطبائع والأخلاق المتفاوتة أيضا، منها المنفتح أقصى حدود الانفتاح، بحيث تعتقد أن المجتمع السعودي أقرب إلى طباع الغرب منه إلى الشرق، ومنها على طرف النقيض المنغلق الذي يجعلك تجزم أن هذا المجتمع لا يزال يعيش في القرون الوسطى. أما غالبية الناس، فمنقسمة بين الاثنين، تارة هنا وتارة هناك.

 

    ولا أعلم لما حضر في ذاكرتي الآن صديقان يمثلان تلك الفئتين. فالأول عندما تزوج، لم يقبل أن يخبرني حتى باسم زوجته، والثاني كنت بجانبه حين اتصلت عليه خطيبته، فأصر إلا أن أحدثها وأبارك لها شخصيا بالخطوبة. قد يكون المكان الذي أتي منه هذين الرجلين له أثر في ذلك، فالأول من أرض جرداء، بلا ماء ولا بحر، والثاني قد نشاء جوار البحر، فتطبعت روحه بهوائه العليل. اعتقد أن حتى الحيوانات والنباتات تختلف في الصفات بين تلك البيئتين. ففي الصحراء كلها جوارح، ومسامير مدببة، أما بجانب البحر فكلها ملساء، ورطبة، وندية. فسبحان الله في خلقه.

 

    قد يكون عدم استعدادي لمشاهدة ما رأيته اليوم هو الذي جعلني أفقد توازني، أو ربما يكون هو حكمي المسبق الذي ألبسته لهذا الرجل، فقد تعلمت باكرا أن لا أصدر مثل هذه الأحكام المسبقة، لأنها تضعنا دائما في خانة ضيقة من القدرة على مشاهدة الحياة بشكل كامل وصحيح. قد يكون التعب ألهاني عن هذه الحكمة الذهبية.

 

    بعد هذه الأفكار، وبعد أن بدأ مفعول المسكن يلطف من شعوري، قفزت مسرعا عن السرير، فليس من عادتي أن أستطيع النوم قبل أن أمسح قطرات العرق الصحراوي عن جسدي، فهي تشعرني أن هناك من يلف قبضته حولي، ويخنقني بيدان متسختان، فرميت ملابسي على عجل، ووقفت عاريا أمام المرآة، أنظر إلى جسدي الطويل، وقد اشتد من ممارستي الدائمة لتمارين اليوغا، ومن الحمية الغذائية النباتية التي أتبعها. فقد تأثرت من صغري بتلك العادات الشرقية الروحية، ووجدت فيها طقوس مريحة للجسد والذهن. وكذلك أنظر إلى شعري الأسود القصير، وأتفقده بأصابعي إن كان بحاجة إلى تقصير، فرغم أمنيتي الدائمة أن يكون لي شعر طويل، إلا أني لم أسعى يوما لذلك، فأنا لم أستطع التخلي عن طبيعتي المحافظة أبدا.

 

    لا أعلم لماذا أحس دوما أن هناك من يراقبني كلما تعريت، ربما هي قصص الجن التي كنت أسمعها في صغري، تلك المخلوقات العجيبة التي تستطيع أن ترانا ونحن لا نراها، يا له من شعور مخيف. لقد تخيل الإنسان دوما أنه سيكتشف اختراعا يجعله مثل الأشباح، يرى الناس وهم لا يروه. وأذكر أني قد شاهدت فيلما سينمائيا عن رجل استطاع أن يحصل على هذا الاختراع، وكم هالني تصور المخرج عن الشرور الإنسانية التي يمكن أن تظهر عندما يمتلك الإنسان هذه القدرة، لقد بدت الشياطين كالملائكة مقارنة بما قام به بطل الفيلم من قتل، واعتداء، وتخريب. ربما لهذا وضع المخرج أسما مختلفا للفيلم، فلم يدعوه الرجل الخفي، بل "الرجل الفارغ" أو "هالو مان"، إشارة إلى خلو هذا الرجل من الإنسانية، ولو كان أحد أبنائها.

 

    بعد الحمام البارد، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة، استعدت نشاطي وتركيزي من جديد، كم يختلف مزاجنا عندما نكون متعبين، فقرارات الإنسان، وقدرته على الحكم السليم على الأمور، مرتبطة بحالته الذهنية والبدنية. أريد أن أكون مستعدا عندما ألتقي بالأمير وعائلته مرة أخرى، فهم يمثلون لي تحديا ذهنيا، ومن المتوقع أن يصير بيننا ما أحب أن أسميه صراع الإرادات، حيث يحاول كل فرد أن يفرض سيطرته على ساحة الحوار، ويتوقع من الآخر أن يقابله بالمثل، فيدخل الجميع في ما يشبه ساحة معركة فكرية وكلامية، لا يخرج منها منتصرا إلا صاحب النفوذ الأكبر، لأن الجميع سيجاملونه في رأيه، خوفا من إغضابه، وطلبا لوده، وهو عادة يسعد بهذا الانتصار، لكنه يفضل دوما أن يكون خصمه بارعا في طرح الحجة، وبارعا أيضا في إظهار الهزيمة.

 

    وأذكر أن أخي الصغير كان له طريقة عجيبة في تجنب تلك الأمور التي تحدث بين الناس والأقران عند اجتماعهم، فقد كان يشترط في اختيار أصحابه أن يكونوا أقل منه في المستوى العقلي والثقافي، حتى يكون هو دوما الأبرز بينهم، فيخرج منتصرا في كل نقاشاته وحواراته معهم، وتراه حين يسير في وسطهم كأنه معلم بينهم، وكأنهم حواريين يحومون حول أستاذهم، يطلبون وده، ويخافون غضبه. وكان يعلم برفضي لتلك الفكرة دوما، فأنا على عكسه، أحب أن أجلس مع من يتحداني ذهنيا وعقليا، وأكره اللحظات التي تجبرني على اللقاء بمن هم أقل من ذلك التحدي.

 

    وقد حدث ما توقعت، حيث قضينا أمسية كاملة بالنقاش في شتى المواضيع، وظهر ذلك الصراع بين الفينة والفينة، لكنه لم يكن بالحدة التي تخيلت، حيث ظل الأمير صامتا معظم الوقت، يرقب النقاش بيني وبين إحدى بناته تارة، وبين زوجته وبيني تارة أخرى، وهو ينظر إلينا جميعا وقد وضع ابتسامة صغيرة على وجهه، ويرمي كلمة موافقة هنا، وإيماءة رضا هناك، لكني شعرته يراقبني طوال الوقت، بعينين كعيني النمر، محاولا أن يقرأ أفكاري، وعلمت لحظتها، أني لم أكن قبالة رجل عادي، بل أمام مارد ذهني، يستطيع أن يحلل كل حركة وكل كلمة تمر أمامه، وأنه كان واعيا لكل ما قمت به من دراسة لشخصيته، أعتقد أني أمام رجل يرى أكثر من ما يجب.

 

    وحين حانت فرصة للحديث بيني وبينه، نظرت إلى عينيه مباشرة، وقد بدت أصغر من ما كانت عليه ظهر اليوم، وأقل لمعانا، وسألته عن الصخب الحاصل أمام المسجد، وعن قصة الرجلين والسياط. فتبسم كمن يعلم أني كنت سأسأله هذا السؤال، وسقطت عينيه إلى الأسفل، ثم إلى اليمين قليلا، وعادت لي بعد أن أخذت دورتها السريعة حول المكان، وقال لي بنبرة خفيفة، لكنها جازمة:

 

"لا تشغل بالك يا أستاذ، هذولي ناس فسقه، وكنا نطبق فيهم حكم الشرع".

 

    ثم بدأ يشرح لي أن أحد الرجلين، وهو كبير في السن، مشهور في القرية بالتهاون في حضور الصلاة مع الجماعة، وأن من عادة إمام المسجد أن يتلو أسماء رجال القرية بعد كل صلاة صبح، حتى يتأكد من حضور الجميع، وأن اسم الرجل قد سجل في دفتر الملاحظات أكثر من مرة، فصدر الحكم عليه بالجلد عشرين جلدة، أمام الجميع، ليكون عبرة لغيره. أما الآخر فهو شاب، ضبطه أحد الرجال وهو يحاول أن يتحدث مع فتاة كانت تسير في الشارع، وهذه تعد مفسدة عظيمة في القرية، فكان نصيبه مثل نصيب الرجل الأول من العقاب. وقد قال لي الأمير كلاما كثيرا بعدها، صدمني أكثر من ما قاله الآن، لكني سأدع الكلام عنه لوقت آخر.

 

    لقد أيقنت عندها، أن ما يدور في رحى هذا القصر، له أثر مباشر لما يحدث خارجه، ولو بشكل عكسي، فبقاء القرية على حالها، هو الضمان الوحيد لبقاء هذا القصر، وبقاء الخير لأهله.

 

نافذة على الرمال (2)

- في حضرة الأمير -

 

    حين دخلت بيت الأمير، لم أجد أحدا في استقبالي، فها أنا في باحة البيت، التي تحيطها شجيرات صغيرة متناثرة، وليس أمامي إلا مدخل بابه مفتوح. اقتربت من الباب، ووضعت حقيبتي بجانبه، ثم دخلت.

 

    كان البيت قديما بعض الشيء، لكنه يحمل مظهر قصر كان له شأنا يوما ما. وتجولت عيناي بدافع من الفضول، على المساحة الصغيرة التي يظهر أنها غرفة استقبال، لكن الشيء الوحيد الذي يستقبلك فيها، هو لوحة مرسومة لرجل بدوي، يحمل صقرا، ورمال الصحراء تحيطه من كل جانب. لم تكن اللوحة من رسم فنان جيد، لكن الإطار الذي يحيطها بدا غالي الثمن. ومن الواضح أن الرسام حاول بكل جهده أن يعطي ذلك الرجل البدوي مظهر الزعامة والوجاهة، لكنه أضاف لها أيضا انطباعا لا يراه إلا من كان له خلفية بقراءة اللوحات، وشاهد لوحات الزعماء الدكتاتوريين، أمثال هتلر، وصدام حسين، وجمال عبدالناصر. فقد كان هناك شيء من السخرية من ذلك البدوي، الذي يريد أن يظهر كزعيما دكتاتوريا. ويبدو أن الرسام كان له روح المرح التي تمتع بها شاعر العرب المتنبي، حيث اتفق معظم النقاد أن مدائحه لكافور الإخشيدي لم تكن أكثر من سخرية مبطنة، أجاد المتنبي إخفاءها، إلا عن أعين المتبحرين في الشعر.

 

    وبعد أن تنبهت إلى نفسي، تذكرت أني لا زلت أبحث عن الأمير، فأنا دائما ما اسرح في حضور لوحة أو صورة قد وضعها الآخرون لتزيين الجدران الصامتة. فهي تحكي الكثير عن من يقطن المكان، فادخل في حوار معها، وأتخيل من صنعها واقفا بجانبي، يشرح لي الرموز والمعاني التي تحملها الألوان والأشكال. كم هو عظيم ذلك الإنسان، الذي استطاع أن يضع لسانا للجدران الخرساء، بمجرد أن يزينها بقطعة من الفن التصويري أو التشكيلي.

 

    تقدمت في غرفة الاستقبال إلى باب في نهايتها، يظهر منه نور، ويصدر منه بعض الأصوات التي تدل على أن هناك أحد في الداخل. وحين اقتربت، صدمتني رائحة غريبة، لا استطيع وصفها إلا بروائح الملابس القديمة البالية، وحين دخلت إلى الغرفة ساد الصمت فيها.

 

    كان هناك ثلاثة أشخاص، اثنان جالسان على المقاعد الجانبية الجلدية، وواحد خلف مكتب كبير، وقد بدا من تعابير وجوههم أنهم لم يتوقعوا حضور زائر في هذا الوقت، وخاصة شخص غريب. لكن الرجل الجالس خلف المكتب، سارع إلى تغيير معالم المفاجأة على وجهه، ووضع مكانها ابتسامة مصطنعة، وضرب على الطاولة بيده في حركة مسرحية لمن يريد أن يشعر الآخرين أنه مسيطر على الموقف، ووقف بشكل سريع وهو يوجه الحديث لصاحبيه:

 

    "هذا هو أكيد ((الاستاد)) إلي أرسلوه لنا من الرياض. ما قلت لكم أنهم بيرسلون لنا واحد."

 

    بمجرد أن سمعت كلمة "استاد"، علمت أني في حضرة جماعة من البدو، فقد كان من عادتهم تغيير الذال إلى دال عند النطق بكلمة "أستاذ"، ولا أعلم إذا كانوا يقومون بذلك بشكل عفوي أو متعمد، فهم قادرون على نطق حرف الذال بشكل سليم، لكنهم معروفون بالتقليل من شأن التعليم والمعلمين، وربما كانت هذه أحد طرقهم للسخرية من ما يسمونهم "الحضر". فلو لم تجبرهم الدولة على التعليم، وتجعل الحصول على الشهادة المدرسية شرطا لتولي المناصب في الدولة، لكانوا يفضلون أن يظلوا بلا تعليم، فهم يشعرون أن المدارس قد وضعت لتقضي على حياتهم البدوية.

 

    تقدم نحوي الرجل وسلم علي بحرارة. وبعد أن تأكد من كوني الأستاذ المنتظر، عرفني بنفسه أنه الأمير، لكنه يفضل أن يناديه الجميع "بأبو سعد"، وعرفني بالرجلين الذين وقفا بمجرد أن وقف الأمير، على أنهما من كبار تجار القرية. وقد كنت معتادا على أن الرجال في المجتمع السعودي يفضلون أن ينادي بعضهم البعض بأسماء أبنائهم الكبار، فهو أبو فلان، وزوجته أم فلان، وحتى لو لم يكن للرجل ولدا فإنهم يسمونه على اسم والده، تيمنا بالولد القادم له في المستقبل.

 

    ثم أخذني من يدي وكأننا أصدقاء منذ زمن بعيد، وقادني إلى خارج البيت، وأخذ يحدثني عن مدى حاجة القرية إلى معلم، وأنهم كانوا يطالبون وزارة التعليم منذ مدة أن ترسل لهم معلما، لأنهم قد سئموا إرسال أبنائهم إلى القرية المجاورة، لكن الوزارة كانت ترد عليهم بالنفي، لعدم القدرة على بناء مدرسة في القرية، فقد كان من سياستها بناء مدرسة واحدة لمجموعة من القرى، ويكون موقعها في أكبر قرية منها. وعرفت منه أيضا أنه قد قام شخصيا بالبحث عن "واسطة" في الوزارة، لكي توافق على إرسال مدرس للقرية، بعد أن تعهد بإقامة مدرسة على حسابه الخاص.

 

    لقد بدا لي الرجل كواحد من الذين يحبون التحكم بمن حولهم، وأنهم يعيشون على ذلك، ولا يقبلون أن يخرج أحد عن طوعهم. وقد ذكرني بقصة ذلك المسئول الكبير الذي أحيل إلى التقاعد، فلم يستطع أن يتحمل خسارة التحكم في الموظفين والمراجعين، فما كان منه إلا أن فتح سبيلا من الماء النقي، ووضعه في قوارير متعددة الألوان والأشكال، يشرب منه كل من يشاء، لكن بشرط أن يحدد هذا المسئول من أي قارورة يشرب الظمآن.

 

    توقف الرجل أمام أرض فارغة بجانب الجامع الذي نمت فيه، وقال لي بصيغة جازمة أن هنا ستكون المدرسة، وهنا أيضا سيكون منزلي. وقد صدمت حين قال لي أن ليس هناك من مدرسة، ولا مدير، ولا مدرسين، بل أني سأكون أنا كل ذلك، وأنهم سيبنون لي غرفة صغيرة قرب المسجد الجامع، لتكون هي المدرسة، وغرفة أخرى بجانبها لتكون بيتي. وأنني سأبقى في ضيافته إلى أن يتم بناء هاتين الغرفتين.

 

    حدث كل ذلك في لحظات قصيرة، وأنا أحاول أن أستوعب الوضع الجديد الذي وجدت نفسي فيه، لكني تعلمت من أساليب السياسة والمداهنة، ما يجعلني قادرا على التواصل مع مثل هذه الشخصيات. فسرعان ما نما بيننا خيطا من الألفة، عززه قراءتي السريعة لشخصية الرجل، ثم تقمصي لحركاته ووقفاته التي يقوم بها، ومحاكاتي لنبرات صوته، ومجاراتي له في انفعالاته عندما يتحدث عن إنجازه العظيم في فتح مدرسة للقرية، فصرت كمرآته التي تعكس شخصيته، ومن منا يكره أن يرى نفسه في المرآة.


    قبلت ضيافة الأمير، وأنا أرسم ابتسامة رضا عن ما أراه وأسمعه، لكني كنت قلقا جدا من عدم قدرتي على أن أعيش في هذه القرية، خاصة وأني لم أعرف بعد ما هي قصة تلك السياط، وتلك الصيحات، لكني ترددت أن أسأل الأمير عنها، فليس من الكياسة أن تطرح كل ما لديك من تساؤلات في أول لقاء لك مع شخصية كبيرة كالأمير أبو سعد، وقررت أن أتركها ليوم آخر.

 

نافذة على الرمال (1)

- القادم الجديد -

 

    حين رمت بي الحافلة على قارعة الطريق لم يدر بخلدي أن هذا هو المكان الذي سأعيش به لمدة عام كامل. لقد تخيلت أن تكون القرية التي تم تعييني بها صغيرة، لكن أن تكون بهذا الحجم فلم يخطر لي على بال. إني أستطيع أن اخترقها بنظري من أولها لأخرها، إنها أصغر من حارة في مدينة كبيرة كالرياض.

 

    ماذا سأفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ّ! لا يبدو أن في هذه القرية فندقا ولا استراحات للمسافرين، وليس هناك من يستقبلني. لقد رمى بي سائق الحافلة وهو يدعو الله لي بالتوفيق. إنه رجل طيب، ولكنه مهذار. فلم يتوقف عن الحديث طوال الرحلة، وكان من حظي العاثر أني الراكب الأخير في محطته النهائية، فلم استطع أن أتهرب من مواضيعه التي لا تنتهي. وقد ظل يقفز بين المواضيع بشكل عشوائي. فتارة يتحدث عن محاكمة "صدام حسين" وكيف أنها مؤامرة كبيرة يقودها الأمريكان للقضاء على العروبة والإسلام، وتارة أخرى عن الأسهم وعالمها المليء بالاتفاقات السرية بين "الهوامير" الكبيرة وبين تجار العقار، ثم يقفز إلى انتقاد الدولة لتقصيرها في حق الفقراء أمثاله، وكيف أنه قضى سنين عمره في انتظار قرض "البنك العقاري" الذي يخاف أن يموت قبل أن يصله الدور.

 

    وقد كنت جالسا طوال الوقت أتظاهر بالاستماع إليه، واسمعه كلمة موافقة بين الحين والآخر، حتى يشعر بإنصاتي معه، وهو لا يعلم أني سارح في الكتب التي جلبتها معي، أملا أن أقضي بها على طول المسافة، وعلى القائمة الطويلة المتأخرة من الكتب الواجب علي قرأتها هذا الشهر. فقد كان من عادتي أن أضع قائمة بالكتب لكل شهر، وأحاول أن ألتزم بها، وإن تأخرت في واحد منها حملته إلى الشهر الآخر، مثل ما كنا نفعل أيام الدراسة الجامعية، حين يحمل أحدنا مادة، فيحاول أن يعوضها مع بقية المواد في الفصل القادم.

 

    ليس هناك من حل إلا أن أذهب إلى مسجد القرية لأقضي الليل هناك، وفي الصباح سيوقظني الناس لصلاة الفجر بالتأكيد. وسأتعرف عليهم حينها، وأعرفهم على نفسي، وستكون بداية تعارف طيبة بهذه الطريقة، فالانطباع الأول الذي نرسمه في مخيلة الناس يكون عادة هو الباقي.

 

    لكن كيف كان لي أن أعرف أن ذلك التصرف هو بداية مصادفات عجيبة في هذه القرية. التي منذ أن حللت بها وهي لا تفتأ تفاجئني بسيرها عكس تيار التاريخ، والمنطق، والعالم كله. فقد كانت مفاجأتي الأولى أني استيقظت حوالي الظهيرة، ولم يحضر أحد للمسجد لصلاة الصبح. وعندما خرجت وجدت حركة خفيفة في منتصف القرية، وقد خمنت أن ذلك هو السوق فيها. فحملت حقيبتي وتوجهت إلى أقرب إنسان لأستفهم عن القرية، وعن مكان المدرسة فيها. وقبل أن أصل للحديث مع الشخص القريب لي، سرح خيالي قليلا في هذا اللفظ "إنسان"، وكيف أن بعض علماء اللغة قالوا أنه من "النسيان"، والبعض الآخر قال أنه من "الإيناس"، وأنا أميل للرأي الآخر، لأني في تلك اللحظة كنت أحتاج لمن أتونس به بعد قضاء ليلة موحشة ووحيدة.

 

    وبعد أن سلمت على الرجل، وعرفته بنفسي، بأني الأستاذ جلال أحمد الفاروقي، وقد كنت أشد على لساني بكلمة أستاذ لكثر اعتزازي بها، وأني المدرس الجديد في القرية، وأنا أبحث عن المدرسة. وسألته باستغراب عن عدم حضور المصلين لصلاة الصبح، وكيف أني لم استيقظ إلا الآن، لأني كنت متعبا من السفر. وقد وجدت في إجابته شيئا من الطرافة حين أخبرني أن المسجد الذي نمت به هو "جامع" القرية، وأن الناس لا تصلي به إلا يوم الجمعة، وأن هناك مسجد صغير آخر في الطرف الثاني من القرية. يا لها من قرية عجيبة، فهي تبدو صغيرة، ولا يمكن أن يكون بها من الناس بحيث يستدعي وجود مسجدين.

 

    دلني ذلك الرجل الباسم البشوش، والذي يدعى "دعيج"، على بيت يقصده كل المسافرين، والغرباء، وذوي الحاجات، وهو بيت "الأمير"، كما يسميه، وهو أمير القرية المعين من قبل الدولة. فمن عادة الدولة في السعودية أن تعين على القرى أمراء من عامة الناس، ولو لم يكونوا من الأسرة الحاكمة، قد يكون ذلك نوع من تشارك السلطة، حتى لا يحس الشعب أنهم محرومون من كل شيء. فحملت حقائبي مرة أخرى،  وتوجهت صوب البيت الذي أشار إليه دعيج، وفي الطريق شاهدت تجمعا آخر، لكنه هذه المرة أكبر من الأول، والناس تتدافع لتكوين حلقة تمكنها من رؤية المنظر. ولم أعرف ماذا كان يحصل داخل تلك الحلقة الملتفة من الناس، ولكني كنت أسمع صراخا يأتي من الوسط، وصوت سياط تصرصر في الجو، وقد ميزت الصرخات البشرية على أنها واحدة لرجل كبير، والأخرى لشاب صغير، فلم أنتظر لأعرف ماذا يحصل، بل سارعت الخطى صوب بيت الأمير، الذي كان مفتوحا، ودخلت لأبحث عن الأمير.
 
تجربة جديدة

    في البداية، تحياتي للتعليقات الحارة لكل من شاركني الرأي في موضوع التغيير المقترح في رمضان، وكم أسعدني قراءة الآراء المختلفة في تأييد التغيير أو عدمه. وهدفي الأول والأخير هو أن أضيف لعالم المدونات شيئا جديدا، بالإضافي لتطوير أسلوبي الكتابي، وبعض الأهداف "الخاصة" الأخرى.

 

    فقد أنشأت المدونة بعد وضع خطة زمنية لأسير عليها، وكل همي أن تكون ذات طابع متميز، يعبر عن شخصيتي، وأن تنمو كما أردت لها أن تكون، وأن أتعلم أثناء الطريق كل ما أستطيع أن أحصل عليه، وقد حصلت على الكثير. وقد حان الانتقال إلى المرحلة الأخرى.

 

    وهذه المرحلة الجديدة لن يكون فيها أي انتقاص لسابقتها، بل إضافات كثيرة، إذا تحقق التصور الذي في ذهني، وسارت الأمور كما أتوقع. ولكي أكون قريبا من خواطر القراء الأعزاء، فسأتحدث قليلا عن عملي القادم في زاوية "نافذة على الرمال".

 

    الفكرة عبارة عن رواية، تدور أحداثها في عالم الصحراء، الذي طالما اعتبرته رمزا حقيقيا يمثل الحياة التي نعيشها، والمجتمع الذي نراه. وهي وإن حملت الشكل الروائي، إلا أنها ستكون من وحي الكتابة اليومية، فلن يكون هناك شيئا معد مسبقا. وستحمل في طياتها مسارين في الكتابة، قصة الحكاية الرئيسية المتواصلة، والأحداث اليومية التي اعتدت الكتابة عنها في مقالاتي، وأرجو أن أوفق إلى ذلك.

 

    وأنا أعول على التعليقات الشيء الكثير، متمنيا أن تكون مفتوحة المجال، عن الموضوع، وعن الأسلوب، وعن الأخطاء اللغوية، والبناء السردي للرواية، وقبل ذلك أرجوا من كل قلبي أن تعجبكم، وتستمتعوا بقراءتها.

 

    وبما أني أكتب هذه الكلمات، وقد أعلن ثبوت رؤية هلا شهر رمضان، فأتمنى للقراء الأعزاء رمضان كريم، وشهر مليء بالروحانية، والمعرفة، والمحبة، والمتعة أيضا. وغدا سيكون الجزء الأول من الرواية إن شاء الله، فإلى لقاء الغد.

 

تغييرات رمضانية

    بما أن الجميع قد استغلوا هذا الشهر الكريم بتنزيل العروض التجارية التسويقية، وملئ الشاشات الفضائية بالمسلسلات والبرامج الكوميدية والاجتماعية المميزة، فقد قررت أن أواكب الحركة التجارية الساعية نحو التغيير والتجديد، وأضع برنامجا جديدا للمدونة في رمضان.

 

    وسيطال التغيير كل الجوانب، في الشكل، والمضمون أيضا. فمن حيث الشكل، سأحاول تجربة بعض التصاميم الأخرى التي يوفرها موقعنا المحبوب جيران. وعلى حبي للتصميم الحالي، إلا أني أجد نفسي مجبرا على تغييره، فالتغيير هو المطلوب هذه الأيام لاستمرار كل ما يراد له البقاء والمنافسة.

 

    أما من حيث المضمون، فلن يكون هناك التزام بالكتابة اليومية، بل ستكون شبه أسبوعية، أي في أيام مختلفة من الأسبوع، وذلك لسببين. الأول لأني أعمل الآن على تصميم مدونة جديدة متخصصة في مجال عملي، والثاني لأن الهدف الذي قد سرت عليه حين قررت ممارسة الكتابة قد تحقق جزئيا بالنسبة لي، ولا احتاج إلى إثبات المزيد لنفسي. وسأعوض على القراء الأعزاء بإضافة باب جديد في المدونة أرجو أن يحوز على رضاهم.

 

    سيكون اسم هذا الباب "نافذة على الرمال"، وهو عبارة عن رواية مجزأة كانت تدور في ذهني لفترة من الزمن، ولا يخفى على أحد من الذين تابعوا كتاباتي المستمرة في المدونة عشقي لهذا الصنف من الأدب، فكان لا بد أن أقتحم هذا المجال إن عاجلا أو آجلا. ويشرفني أن أدخل فيه تحت أنظار مجموعة من الأصدقاء المدونين المتميزين في عالم الكتابة والنقد، الذين لن يبخلوا علي بنصائحهم وتوجيهاتهم، بل ونقدهم اللاذع إن استدعى الأمر.

 

    ستكون كتابتي اليوم وغدا آخر ما سأسطره بصيغة المقالة، وبعدها سأبدأ بطرح أفكاري في الرواية التي أرجو أن تكون انتقال إلى مرحلة جديدة من الكتابة، وأن توفر لي مساحة أكبر من حرية التعبير، ومناخا أفضل في عالم الخيال والرمز. وسيكون في يوم غد تفصيل أكبر عنها إن شاء الله. فكل عام والجميع بخير، ورمضان مبارك علينا وعليكم.

 

بروميثيوس إله النار

    تروي الأساطير اليونانية القديمة، أن أحد الجبابرة قام بسرقة النار من الآلهة الإغريقية، وقدمها للإنسان، وكان اسمه بروميثيوس. وبروميثيوس هو أيضا أسم صاحب المدونة التي كنت أبحث عنها منذ مدة، واسمها تأملات فنية.

 

    فكما قام بروميثيوس الإغريقي بجلب النار، يقوم بروميثيوس العربي بحمل شعلة الفن إلى كل من أراد أن يطلع عليها. فهو يصف في مدونته أعمال فنية، ولوحات عالمية، لفنانين مشهورين.

 

    والأكثر من ذلك أنه يستخدم لغة وخيالا، تضيف إلى الجانب الفني، جانب جمالي، يجذبك لمتابعة القراءة، والاطلاع على المزيد من أخبار اللوحات الفنية. وهذا ما ينقصنا في كثير من المجالات الثقافية، وهو أن نجد من يفتح لنا الباب لدراسة الرموز الخاصة بكل موضوع، بطريقة سهلة وممتعة، حتى نكون أقرب لهذه الأعمال.

 

    ولكي أوضح اللغة المستخدمة من قبل الكاتب، لا بد أن استشهد ببعض مقاطع من كتاباته، مثل هذا المقطع، الذي يتحدث فيه عن لوحة "وصيفات الشرف"، للفنان الأسباني "دييغو فيلاسكيز"، ويتساءل بشكل مشترك مع القراء عن بعض المعاني التي تحملها اللوحة:

 

"ترى هل كان فيلاسكيز يبغي من وراء رسم هذه اللوحة جعل الناظر أهمّ من اللوحة وشخوصها، أم أراد أن يقول إن الشخوص ليسوا اكثر من أفراد افتراضيين ولا يوجدون سوى في عقولنا؟ ثمّ ما الذي كان يرسمه الفنّان على وجه التحديد؟ هل كان يرسم نفسه أم الملك والملكة المنعكسة صورتهما في المرآة المعلّقة على الحائط؟"

 

    ويستمر بهذا الأسلوب الجميل في الحديث عن جميع اللوحات، حتى يجعلك لا تنتهي من قراءة لوحة، إلا وتود الانتقال فورا لقراءة اللوحة الأخرى.

 

    الشكر للعزيزة المدونة توتي فروتي على إرشادي لموقع هذه المدونة، بعد أن قضيت الساعات الطوال في البحث عنها. وهي أيضا من مبدعات الفن التشكيلي، وأنا في انتظار دائم لأن تكتب لنا عن بعض تلك الرموز الخاصة بهذا الفن، وكيف يمكن للمبتدئين معرفة الفرق بين معنى لوحة وأخرى.

 

هنالك فرق!!! (2)

    إكمالا لحديثي بالأمس عن الحوار الذي دار بيني وبين الصديق "الملهم"، ولإيضاح لغير السعوديين الذين لا يعرفون أبعاد هذين المصطلحين "قبيلي وخضيري"، فإن القبيلي هو الفرد المولود في عائلة تنتمي لقبيلة معروفة، والخضيري هو الشخص المولود في عائلة لا يعرف أصل قبيلتها. والناس في السعودية ينظرون بدونية إلى "الخضيري"، ويضعونه بمرتبة اجتماعية أقل، فلا يتزوجون منهم، ولا يزوجونهم.

 

    ولنعد لقصة صديقي مرة أخرى. فبعد الإدانة الجماعية من قبلنا نحن الاثنين، فكر لحظة كمن يسترجع شيئا من الماضي، وقال لي: "يا محمد، حين تدين العنصرية القبلية وأنت قبيلي، غير أن تدينها وأنت خضيري، فهنالك فرق!!!".

 

    وأخذ يشرح لي كيف أنه عندما كان صغيرا، لم يكن يهتم بمعرفة أصوله، ولم يكن مصطلح قبيلي وخضيري يعني له شيئا. وشب على ذلك، إلى أن رأى الصراع الدائم في الموضوع حول هذا التعصب الأعمى. فقرر أن يعرف أصوله. وشرح لي أن شعوره حين كان ينتقد العنصرية القبلية عندما كان لا يعلم أصله القبلي، كان مختلفا عن نقده الآن، بعد أن أدرك أنه ينتمي إلى أحد أفخاذ القبائل الكبيرة المعروفة. ولم نستطرد كثيرا في هذا الموضوع بعد ذلك. لكن ضلت عبارته تلك "فهنالك فرق!!" تعن في رأسي، فقد صدمتني فعلا هذه العبارة. وفجأة اجتمعت الأفكار جميعها في رأسي، وعرفت لماذا يداهمني ذلك الشعور المزعج كلما أدنت هذه الظاهرة.

 

    فنحن حين ندين مثل هذه الأعمال العنصرية في المجتمع، وبخلفية اجتماعية وثقافية تضعنا في مرتبة أخرى، بعيدة عن من يعانون فعلا من هذا الاضطهاد، يصير من يسمعنا، يقرأ نبرة الاستعلاء في كلماتنا دون أن نعلم بذلك. بل أنه قد ينظر إلينا بعين القائل "من يده في الماء ليس كمن يده في النار". وأضيف كذلك، أن معظم الذين يدينون هذه التصرفات، لا يستطيعون أن يعارضوها فعليا، فلو مر أحدهم بتجارب حقيقية مثل التصاهر أو العلاقات العاطفية، فسيكون له موقف آخر. فقليلون من يستطيعون أن يقفوا ضد التيار بشكل فعلي.

 

    وأذكر قصتين حدثتا في السعودية، تمثلان هذه الحالة. الأولى كتبت عنها المدونة "هديل" عن قاضي قام بتطليق زوجين غصبا عنهما، حين طالبه أهل الفتاة بعمل ذلك على أساس عدم تكافؤ النسب. والأخرى تناولتها منظمة مراقبة حقوق الإنسان، وتحكي قصة رجل آخر حبسه القاضي بعد رفضه تسليم وثيقة الزواج، حين حكم القاضي بتفريق الزوجين على علة عدم تكافؤ المذهب.

 

    المجتمع في الواقع يضع علينا قيودا كبيرة بالنسبة لكسر الحدود التي وضعها بين طبقاته. وهو في ذلك متشابه في كثير من المجتمعات العربية والعالمية. فالتفرقة بين الغني والفقير، والعربي وغير العربي، والمسلم والمسيحي، والسني والشيعي، وغيرها من الفروقات التي لا تنتهي. وليس لها حل حقيقي مشرف إلا أن نفعل كما فعل رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وهو كسر حاجز عدم المساواة بالمصاهرة، والمعاشرة، والتعايش مع الآخرين، دون وضع فوارق ولا حدود.

 

    وأعلم أن ذلك سيكون صعبا على الكثير منا، ولذا ستظل هذه الغصة في نفوسنا، حتى لو أدنا هذه الممارسات التفريقية، سواء المذهبية أو الاجتماعية. فليس الكثير منا من يستطيع أن يتحمل ما تحمله الرسول من اضطهاد، وعزل، ومضايقة، حتى وصل إلى الحد الذي طلق فيه الرجال بناته، وأعادوهن له، لإعلان مثل الحرب "النسبية" على سلالته الكريمة. وستظل هذه الكلمات في ذهني إلى الأبد، "هنالك فرق!!!".

 

هنالك فرق!!! (1)

    من عادتي عندما أكتب المقالات، أن أترك معلومة أو حدثا، لأثيره بعد تعليق القراء، فهم يستحقون من يضيف إلى معلوماتهم شيئا جديدا بعد أن كلفوا أنفسهم عناء التعليق، وخاصة أصحاب التعليقات المميزة، التي تهدف إلى إنماء الحوار، والقفز به إلى مرحلة أخرى. وكذلك لأعطي الفكرة حقها من الاستيعاب والمراجعة، خاصة إذا كانت تحتاج إلى أن تصل إلى القارئ على مراحل.

 

    ومنذ عدة أيام، كتبت عن موضوع التفريق الاجتماعي من حيث المذاهب، وكيف أن الناس ممكن أن يكونوا قساة على أخواننا من الأقليات الإسلامية الأخرى، والدولة والقانون كذلك. وكيف أننا ينبغي أن نتحدث بنقد لهذا الموضوع، حتى لا يكون هناك صمت عن أي ظلم اجتماعي بأي شكل من الأشكال.

 

    لكن تعليقا أتى بشكل عفوي من العزيزة سارة مطر، جذب انتباهي إلى نقطة مهمة، حين ذكرت قصتها مع زميلتها الشيعية، وكيف أنها مهما حاولت أن تبدي أسفها لتلك الزميلة، تظل هناك غصة وشعور غريب، لا يجعلنا نحس بالرضا عن أنفسنا.

 

    وهذا الشعور غير المريح، لا يمكن أن يدركه إلا من كان يتمتع بحس مرهف، ودرجة عالية من الوعي، تجعله مدركا أن مجرد الإدانة، وتقديم الاعتذار، ليسا كافيين للخلاص من أننا لم نقم بالدور الكافي بعد. وأذكر أني حاولت تتبع أصل هذا الشعور، وعن السبب الحقيقي الذي يجعلنا نشعر هكذا، رغم أننا "نبدو" أفضل من غيرنا، حيث أننا ندين هذا الفعل المسيء. لكني لم أصل إلى نتيجة حقيقية.

 

    ولم تتضح الصورة لدي، إلا بعد أن دخلت مرة في حوار مع أحد الأصدقاء، وكان الحديث يدور عن قضية اجتماعية أخرى مشابهة، هي قضية "الخضيرية والقبيلية" في المجتمع السعودي. وكان أن سمعت منه كلمات، أضاءت لي طريق البحث، عن تلك المشكلة مع هذا الشعور المزعج المستمر.

 

    ما هي هذه الكلمات؟! وما الذي سمعته منه حتى يتغير ما لدي من تصور عن هذا الموضوع، وما يشابهه من مواضيع التفريق الاجتماعي!! سأتركه لمقالة الغد، حتى لا أطيل على القراء الأعزاء.

 

معركة الفارس الأخيرة

    دخلت في جدل خفيف مع أحد الزملاء، عن الوزير المحبوب غازي القصيبي. فقد كان ينتقده في ما يفعله الوزير القصيبي بوزارة العمل، وكيف أن تأشيرات العمال الأجانب الآن أصبحت شيء يندر أن يحصل عليه أحد. مما سبب أزمة في سوق الخدم والسائقين بالنسبة للكثير من العائلات.

 

    ولم أرد أن يكون هذا الموضوع هو الذي يقاس انجاز رجل مثل غازي القصيبي به، فهو أكبر من ذلك، ولا أريد أن أناقش أحد في مسألة محسومة كهذه، فالعمالة المنتشرة بشكل غير طبيعي لا يرضى بها من يستطيع أن ينظر إلى الصورة الكبرى لما تحدثه من هزة في اقتصاد البلد، وما تسببه من خلل اجتماعي. لكن الناس تميل أن تنظر إلى مصالحها المباشرة، متناسية المصلحة العامة.

 

    لذا فقد أدرت الحور إلى موضوع قد قرأت عنه في أحد الصحف السعودية، عن إعادة تعيين مجموعة كبيرة من الفتيات السعوديات، اللاتي فصلن من عملهن بعد شكوى كيدية من زملائهن الرجال، حيث أبلغوا رجال الشرطة الدينية أن البنات يعملن في جو من الاختلاط، ويمارسن عملهن في البيع المباشر للزبائن في أحد المحلات المشهورة.

 

    فنحن في عهد القصيبي الآن لا نسمع عن جدل توظيف المرأة هل هو جائز أم لا، وهل سيكون خارقا لعاداتنا وتقاليدنا أم أنه سيدخل فيها، بل أصبحنا نعيش هذا الشيء. فقد بدأت المعركة، ودخلت الطلائع الأولى من الفتيات العاملات إلى سوق العمل. وبدأ الوزير بتنفيذ ما كان الآخرين يجبنون عن القيام به، ويكسبون صيتا إعلاميا فقط عن منجزاتهم الوهمية في هذا المجال.

 

    إن القصيبي – في رأيي – يخوض الآن معركته الأخيرة في تقديم شيء لهذا المجتمع، الذي طالما اتهمه بعض منهم بالعلمانية والحداثية، وكل الصفات التي يمكن أن يحاولوا بها أن يثنوه عن برنامجه في تحقيق تقدم اجتماعي حقيقي للإنسان السعودي. وقد وقع اختياره على موضوع توظيف نصف المجتمع المعطل، الذي كان وزراء العمل السابقون يخرجونه من نسبة البطالة في البلد، حتى لا يقال عنهم أنهم عجزوا عن توفير سوق عمل فعال للمواطنين.

 

    وأصف هذه المهمة بالأخيرة، لأن ناموس الزمن لا يستثني أحدا، ولا حتى وزيرا محبوبا دخل قلوب الناس بأشعاره العذبة، ورواياته الجريئة، وبأيام وزاراته الخالية من الفساد، وبصراعاته مع دعاة الظلام. حين يرحل غازي القصيبي سيكون قد ترك لنا منجزات ثقافية وقوانين اجتماعية، سيسير عليها الشعب السعودي لفترة طويلة من الزمن. وسيظل اسمه خالدا في سجل الشرفاء الذين اختاروا خدمة الوطن كطريق لتحقيق الهوية الشخصية.

 

تحية للمرأة البحرينية

    منذ بدأت مشواري في القراءة، وأنا أركز على الكتابة الخليجية، مراقبا تطورها عبر السنين. فقد كان أشقاءنا العرب، قد اخذوا بمجد الكتابة من كل جانب، وتركوا لنا رعاية الإبل والغنم. لكن في فترة العشرين سنة الأخيرة، تقدم الأدب الخليجي بشكل ملحوظ، حتى صار منافسا للأدب العربي، وصار عندنا أعلام بارزة في كل مجالات الكتابة.

 

    وقد امتد الانتشار الخليجي ليبرع في مجالات عديدة غير الكتابة، فالأغنية الخليجية مثلا صارت مطلبا لكل مستمع، والأعمال الدرامية الخليجية التلفزيونية أعطتنا تسلية إضافية عن ما كنا نشاهده من احتكار للمسلسلات المصرية والسورية.

 

    وحتى قطاع الأعمال، صار الاسم الخليجي فيه مثل العلامة التجارية، وأصبحت مدن الخليج مصب أنظار رجال الأعمال من كل جانب. فأنشأت المدن الإعلامية، والإلكترونية، والصناعية، مما أثار حركة غير طبيعية في الزخم التجاري الخليجي.