المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
نافذة على الرمال (3)

- ليلة في القصر -

 

    بعد أن قبلت ضيافة الأمير، توجهنا أنا وهو إلى منزله، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الراحة، وإلى حمام يغسل عني آلام الليلة السابقة. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت بيته من الداخل، فقد كان على الطراز الأوربي الحديث، وكل قطعة فيه تدل على يسر الحال الذي يعيشه هو وأهله، وكأنما هو قصر من القصور التي كنت أشاهدها في العاصمة، وهو ليس من المناظر التي تتخيل أن تراها في قرية كهذه.

 

    لقد تغير الرجل علي بشكل كامل عندما دخلنا بيته، فقد بدأ يغير من لكنته البدوية، وظهرت فجأة "الذال" في أستاذ، ثم بدأ يعرفني على أهل بيته، فسلمت علي زوجته وابنتيه، وعهدي برجال بلدي لا يقرون سلام النساء على الرجال، واعتذر لي عن عدم تواجد أبنه "سعد" للسلام علي، لأنه خارج في رحلة صيد مع أصحابه. وفي هذه اللحظة، بدأت استشعر شيئا من السريالية فيما يحدث حولي، فقد كونت صورة مسبقة عن هذا البدوي، ثم ها هو يكسر نمط هذه الصورة، ليدخلني في عالمين مختلفين في وقت واحد.

 

    استأذنت من الجميع متعللا بالإنهاك، وطالبا الذهاب للغرفة، وكان تصرفي مثل رجل إنجليزي مهذب، فقد وجدت من حولي يفرضون علي تلك الشخصية، بطريقة غير مباشرة، فقد كانت تصرفاتهم جميعا تميل إلى تلك الخصال الأجنبية، وكانت البنتان تتصرفان في حضور رجل أجنبي وكأنه أمر معتاد لديهما، لا بد أن يكونا قد درسا في مدارس أجنبية، فانطباعي عنهما وهما يدخلان ألفاظا إنجليزية أثناء حديث التعارف جعلني استبعد أن يكونا قد تربيا في هذه القرية. لا بد لي أن أخرج من هنا، فقد بدأ رأسي يشعرني بنوبة غثيان عارمة، ولم أعد أفكر إلا بتناول حبات المسكن التي أحضرتها معي، أريد أن أبقى وحيدا كي أستوعب ما يحصل لي في هذا المكان.

 

    استدعت زوجة الأمير أحد الخدم، وطلبت منه إيصالي إلى غرفتي، ولم تنسى أن تذكرني بأن موعد العشاء سيكون في الساعة الثامنة، وأن هناك كثير من الوقت الكافي لكي أرتاح، شكرتها بابتسامة بالكاد خرجت من فمي، وذهبت مع الخادم إلى الغرفة، وبمجرد أن وضع الحقيبة وخرج، أغلقت الباب، وأسندت ظهري عليه، حتى لا أسقط من شدة الإعياء، فأحيانا يكون الجهد العقلي أكبر بكثير من البدني. تناولت حبتين من المسكن، وارتميت على الفراش، وصرت أحدق في السقف، باحثا عن راحتي هناك.

 

    لم يكن هذا التناقض هو ما أخذني على حين غرة، فهو حالة مألوفة لمن عاش في مدننا السعودية الكبيرة. فستجد فيها كل أطياف المجتمع المختلفة، وكذلك تجد الطبائع والأخلاق المتفاوتة أيضا، منها المنفتح أقصى حدود الانفتاح، بحيث تعتقد أن المجتمع السعودي أقرب إلى طباع الغرب منه إلى الشرق، ومنها على طرف النقيض المنغلق الذي يجعلك تجزم أن هذا المجتمع لا يزال يعيش في القرون الوسطى. أما غالبية الناس، فمنقسمة بين الاثنين، تارة هنا وتارة هناك.

 

    ولا أعلم لما حضر في ذاكرتي الآن صديقان يمثلان تلك الفئتين. فالأول عندما تزوج، لم يقبل أن يخبرني حتى باسم زوجته، والثاني كنت بجانبه حين اتصلت عليه خطيبته، فأصر إلا أن أحدثها وأبارك لها شخصيا بالخطوبة. قد يكون المكان الذي أتي منه هذين الرجلين له أثر في ذلك، فالأول من أرض جرداء، بلا ماء ولا بحر، والثاني قد نشاء جوار البحر، فتطبعت روحه بهوائه العليل. اعتقد أن حتى الحيوانات والنباتات تختلف في الصفات بين تلك البيئتين. ففي الصحراء كلها جوارح، ومسامير مدببة، أما بجانب البحر فكلها ملساء، ورطبة، وندية. فسبحان الله في خلقه.

 

    قد يكون عدم استعدادي لمشاهدة ما رأيته اليوم هو الذي جعلني أفقد توازني، أو ربما يكون هو حكمي المسبق الذي ألبسته لهذا الرجل، فقد تعلمت باكرا أن لا أصدر مثل هذه الأحكام المسبقة، لأنها تضعنا دائما في خانة ضيقة من القدرة على مشاهدة الحياة بشكل كامل وصحيح. قد يكون التعب ألهاني عن هذه الحكمة الذهبية.

 

    بعد هذه الأفكار، وبعد أن بدأ مفعول المسكن يلطف من شعوري، قفزت مسرعا عن السرير، فليس من عادتي أن أستطيع النوم قبل أن أمسح قطرات العرق الصحراوي عن جسدي، فهي تشعرني أن هناك من يلف قبضته حولي، ويخنقني بيدان متسختان، فرميت ملابسي على عجل، ووقفت عاريا أمام المرآة، أنظر إلى جسدي الطويل، وقد اشتد من ممارستي الدائمة لتمارين اليوغا، ومن الحمية الغذائية النباتية التي أتبعها. فقد تأثرت من صغري بتلك العادات الشرقية الروحية، ووجدت فيها طقوس مريحة للجسد والذهن. وكذلك أنظر إلى شعري الأسود القصير، وأتفقده بأصابعي إن كان بحاجة إلى تقصير، فرغم أمنيتي الدائمة أن يكون لي شعر طويل، إلا أني لم أسعى يوما لذلك، فأنا لم أستطع التخلي عن طبيعتي المحافظة أبدا.

 

    لا أعلم لماذا أحس دوما أن هناك من يراقبني كلما تعريت، ربما هي قصص الجن التي كنت أسمعها في صغري، تلك المخلوقات العجيبة التي تستطيع أن ترانا ونحن لا نراها، يا له من شعور مخيف. لقد تخيل الإنسان دوما أنه سيكتشف اختراعا يجعله مثل الأشباح، يرى الناس وهم لا يروه. وأذكر أني قد شاهدت فيلما سينمائيا عن رجل استطاع أن يحصل على هذا الاختراع، وكم هالني تصور المخرج عن الشرور الإنسانية التي يمكن أن تظهر عندما يمتلك الإنسان هذه القدرة، لقد بدت الشياطين كالملائكة مقارنة بما قام به بطل الفيلم من قتل، واعتداء، وتخريب. ربما لهذا وضع المخرج أسما مختلفا للفيلم، فلم يدعوه الرجل الخفي، بل "الرجل الفارغ" أو "هالو مان"، إشارة إلى خلو هذا الرجل من الإنسانية، ولو كان أحد أبنائها.

 

    بعد الحمام البارد، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة، استعدت نشاطي وتركيزي من جديد، كم يختلف مزاجنا عندما نكون متعبين، فقرارات الإنسان، وقدرته على الحكم السليم على الأمور، مرتبطة بحالته الذهنية والبدنية. أريد أن أكون مستعدا عندما ألتقي بالأمير وعائلته مرة أخرى، فهم يمثلون لي تحديا ذهنيا، ومن المتوقع أن يصير بيننا ما أحب أن أسميه صراع الإرادات، حيث يحاول كل فرد أن يفرض سيطرته على ساحة الحوار، ويتوقع من الآخر أن يقابله بالمثل، فيدخل الجميع في ما يشبه ساحة معركة فكرية وكلامية، لا يخرج منها منتصرا إلا صاحب النفوذ الأكبر، لأن الجميع سيجاملونه في رأيه، خوفا من إغضابه، وطلبا لوده، وهو عادة يسعد بهذا الانتصار، لكنه يفضل دوما أن يكون خصمه بارعا في طرح الحجة، وبارعا أيضا في إظهار الهزيمة.

 

    وأذكر أن أخي الصغير كان له طريقة عجيبة في تجنب تلك الأمور التي تحدث بين الناس والأقران عند اجتماعهم، فقد كان يشترط في اختيار أصحابه أن يكونوا أقل منه في المستوى العقلي والثقافي، حتى يكون هو دوما الأبرز بينهم، فيخرج منتصرا في كل نقاشاته وحواراته معهم، وتراه حين يسير في وسطهم كأنه معلم بينهم، وكأنهم حواريين يحومون حول أستاذهم، يطلبون وده، ويخافون غضبه. وكان يعلم برفضي لتلك الفكرة دوما، فأنا على عكسه، أحب أن أجلس مع من يتحداني ذهنيا وعقليا، وأكره اللحظات التي تجبرني على اللقاء بمن هم أقل من ذلك التحدي.

 

    وقد حدث ما توقعت، حيث قضينا أمسية كاملة بالنقاش في شتى المواضيع، وظهر ذلك الصراع بين الفينة والفينة، لكنه لم يكن بالحدة التي تخيلت، حيث ظل الأمير صامتا معظم الوقت، يرقب النقاش بيني وبين إحدى بناته تارة، وبين زوجته وبيني تارة أخرى، وهو ينظر إلينا جميعا وقد وضع ابتسامة صغيرة على وجهه، ويرمي كلمة موافقة هنا، وإيماءة رضا هناك، لكني شعرته يراقبني طوال الوقت، بعينين كعيني النمر، محاولا أن يقرأ أفكاري، وعلمت لحظتها، أني لم أكن قبالة رجل عادي، بل أمام مارد ذهني، يستطيع أن يحلل كل حركة وكل كلمة تمر أمامه، وأنه كان واعيا لكل ما قمت به من دراسة لشخصيته، أعتقد أني أمام رجل يرى أكثر من ما يجب.

 

    وحين حانت فرصة للحديث بيني وبينه، نظرت إلى عينيه مباشرة، وقد بدت أصغر من ما كانت عليه ظهر اليوم، وأقل لمعانا، وسألته عن الصخب الحاصل أمام المسجد، وعن قصة الرجلين والسياط. فتبسم كمن يعلم أني كنت سأسأله هذا السؤال، وسقطت عينيه إلى الأسفل، ثم إلى اليمين قليلا، وعادت لي بعد أن أخذت دورتها السريعة حول المكان، وقال لي بنبرة خفيفة، لكنها جازمة:

 

"لا تشغل بالك يا أستاذ، هذولي ناس فسقه، وكنا نطبق فيهم حكم الشرع".

 

    ثم بدأ يشرح لي أن أحد الرجلين، وهو كبير في السن، مشهور في القرية بالتهاون في حضور الصلاة مع الجماعة، وأن من عادة إمام المسجد أن يتلو أسماء رجال القرية بعد كل صلاة صبح، حتى يتأكد من حضور الجميع، وأن اسم الرجل قد سجل في دفتر الملاحظات أكثر من مرة، فصدر الحكم عليه بالجلد عشرين جلدة، أمام الجميع، ليكون عبرة لغيره. أما الآخر فهو شاب، ضبطه أحد الرجال وهو يحاول أن يتحدث مع فتاة كانت تسير في الشارع، وهذه تعد مفسدة عظيمة في القرية، فكان نصيبه مثل نصيب الرجل الأول من العقاب. وقد قال لي الأمير كلاما كثيرا بعدها، صدمني أكثر من ما قاله الآن، لكني سأدع الكلام عنه لوقت آخر.

 

    لقد أيقنت عندها، أن ما يدور في رحى هذا القصر، له أثر مباشر لما يحدث خارجه، ولو بشكل عكسي، فبقاء القرية على حالها، هو الضمان الوحيد لبقاء هذا القصر، وبقاء الخير لأهله.

 

نافذة على الرمال (2)

- في حضرة الأمير -

 

    حين دخلت بيت الأمير، لم أجد أحدا في استقبالي، فها أنا في باحة البيت، التي تحيطها شجيرات صغيرة متناثرة، وليس أمامي إلا مدخل بابه مفتوح. اقتربت من الباب، ووضعت حقيبتي بجانبه، ثم دخلت.

 

    كان البيت قديما بعض الشيء، لكنه يحمل مظهر قصر كان له شأنا يوما ما. وتجولت عيناي بدافع من الفضول، على المساحة الصغيرة التي يظهر أنها غرفة استقبال، لكن الشيء الوحيد الذي يستقبلك فيها، هو لوحة مرسومة لرجل بدوي، يحمل صقرا، ورمال الصحراء تحيطه من كل جانب. لم تكن اللوحة من رسم فنان جيد، لكن الإطار الذي يحيطها بدا غالي الثمن. ومن الواضح أن الرسام حاول بكل جهده أن يعطي ذلك الرجل البدوي مظهر الزعامة والوجاهة، لكنه أضاف لها أيضا انطباعا لا يراه إلا من كان له خلفية بقراءة اللوحات، وشاهد لوحات الزعماء الدكتاتوريين، أمثال هتلر، وصدام حسين، وجمال عبدالناصر. فقد كان هناك شيء من السخرية من ذلك البدوي، الذي يريد أن يظهر كزعيما دكتاتوريا. ويبدو أن الرسام كان له روح المرح التي تمتع بها شاعر العرب المتنبي، حيث اتفق معظم النقاد أن مدائحه لكافور الإخشيدي لم تكن أكثر من سخرية مبطنة، أجاد المتنبي إخفاءها، إلا عن أعين المتبحرين في الشعر.

 

    وبعد أن تنبهت إلى نفسي، تذكرت أني لا زلت أبحث عن الأمير، فأنا دائما ما اسرح في حضور لوحة أو صورة قد وضعها الآخرون لتزيين الجدران الصامتة. فهي تحكي الكثير عن من يقطن المكان، فادخل في حوار معها، وأتخيل من صنعها واقفا بجانبي، يشرح لي الرموز والمعاني التي تحملها الألوان والأشكال. كم هو عظيم ذلك الإنسان، الذي استطاع أن يضع لسانا للجدران الخرساء، بمجرد أن يزينها بقطعة من الفن التصويري أو التشكيلي.

 

    تقدمت في غرفة الاستقبال إلى باب في نهايتها، يظهر منه نور، ويصدر منه بعض الأصوات التي تدل على أن هناك أحد في الداخل. وحين اقتربت، صدمتني رائحة غريبة، لا استطيع وصفها إلا بروائح الملابس القديمة البالية، وحين دخلت إلى الغرفة ساد الصمت فيها.

 

    كان هناك ثلاثة أشخاص، اثنان جالسان على المقاعد الجانبية الجلدية، وواحد خلف مكتب كبير، وقد بدا من تعابير وجوههم أنهم لم يتوقعوا حضور زائر في هذا الوقت، وخاصة شخص غريب. لكن الرجل الجالس خلف المكتب، سارع إلى تغيير معالم المفاجأة على وجهه، ووضع مكانها ابتسامة مصطنعة، وضرب على الطاولة بيده في حركة مسرحية لمن يريد أن يشعر الآخرين أنه مسيطر على الموقف، ووقف بشكل سريع وهو يوجه الحديث لصاحبيه:

 

    "هذا هو أكيد ((الاستاد)) إلي أرسلوه لنا من الرياض. ما قلت لكم أنهم بيرسلون لنا واحد."

 

    بمجرد أن سمعت كلمة "استاد"، علمت أني في حضرة جماعة من البدو، فقد كان من عادتهم تغيير الذال إلى دال عند النطق بكلمة "أستاذ"، ولا أعلم إذا كانوا يقومون بذلك بشكل عفوي أو متعمد، فهم قادرون على نطق حرف الذال بشكل سليم، لكنهم معروفون بالتقليل من شأن التعليم والمعلمين، وربما كانت هذه أحد طرقهم للسخرية من ما يسمونهم "الحضر". فلو لم تجبرهم الدولة على التعليم، وتجعل الحصول على الشهادة المدرسية شرطا لتولي المناصب في الدولة، لكانوا يفضلون أن يظلوا بلا تعليم، فهم يشعرون أن المدارس قد وضعت لتقضي على حياتهم البدوية.

 

    تقدم نحوي الرجل وسلم علي بحرارة. وبعد أن تأكد من كوني الأستاذ المنتظر، عرفني بنفسه أنه الأمير، لكنه يفضل أن يناديه الجميع "بأبو سعد"، وعرفني بالرجلين الذين وقفا بمجرد أن وقف الأمير، على أنهما من كبار تجار القرية. وقد كنت معتادا على أن الرجال في المجتمع السعودي يفضلون أن ينادي بعضهم البعض بأسماء أبنائهم الكبار، فهو أبو فلان، وزوجته أم فلان، وحتى لو لم يكن للرجل ولدا فإنهم يسمونه على اسم والده، تيمنا بالولد القادم له في المستقبل.

 

    ثم أخذني من يدي وكأننا أصدقاء منذ زمن بعيد، وقادني إلى خارج البيت، وأخذ يحدثني عن مدى حاجة القرية إلى معلم، وأنهم كانوا يطالبون وزارة التعليم منذ مدة أن ترسل لهم معلما، لأنهم قد سئموا إرسال أبنائهم إلى القرية المجاورة، لكن الوزارة كانت ترد عليهم بالنفي، لعدم القدرة على بناء مدرسة في القرية، فقد كان من سياستها بناء مدرسة واحدة لمجموعة من القرى، ويكون موقعها في أكبر قرية منها. وعرفت منه أيضا أنه قد قام شخصيا بالبحث عن "واسطة" في الوزارة، لكي توافق على إرسال مدرس للقرية، بعد أن تعهد بإقامة مدرسة على حسابه الخاص.

 

    لقد بدا لي الرجل كواحد من الذين يحبون التحكم بمن حولهم، وأنهم يعيشون على ذلك، ولا يقبلون أن يخرج أحد عن طوعهم. وقد ذكرني بقصة ذلك المسئول الكبير الذي أحيل إلى التقاعد، فلم يستطع أن يتحمل خسارة التحكم في الموظفين والمراجعين، فما كان منه إلا أن فتح سبيلا من الماء النقي، ووضعه في قوارير متعددة الألوان والأشكال، يشرب منه كل من يشاء، لكن بشرط أن يحدد هذا المسئول من أي قارورة يشرب الظمآن.

 

    توقف الرجل أمام أرض فارغة بجانب الجامع الذي نمت فيه، وقال لي بصيغة جازمة أن هنا ستكون المدرسة، وهنا أيضا سيكون منزلي. وقد صدمت حين قال لي أن ليس هناك من مدرسة، ولا مدير، ولا مدرسين، بل أني سأكون أنا كل ذلك، وأنهم سيبنون لي غرفة صغيرة قرب المسجد الجامع، لتكون هي المدرسة، وغرفة أخرى بجانبها لتكون بيتي. وأنني سأبقى في ضيافته إلى أن يتم بناء هاتين الغرفتين.

 

    حدث كل ذلك في لحظات قصيرة، وأنا أحاول أن أستوعب الوضع الجديد الذي وجدت نفسي فيه، لكني تعلمت من أساليب السياسة والمداهنة، ما يجعلني قادرا على التواصل مع مثل هذه الشخصيات. فسرعان ما نما بيننا خيطا من الألفة، عززه قراءتي السريعة لشخصية الرجل، ثم تقمصي لحركاته ووقفاته التي يقوم بها، ومحاكاتي لنبرات صوته، ومجاراتي له في انفعالاته عندما يتحدث عن إنجازه العظيم في فتح مدرسة للقرية، فصرت كمرآته التي تعكس شخصيته، ومن منا يكره أن يرى نفسه في المرآة.


    قبلت ضيافة الأمير، وأنا أرسم ابتسامة رضا عن ما أراه وأسمعه، لكني كنت قلقا جدا من عدم قدرتي على أن أعيش في هذه القرية، خاصة وأني لم أعرف بعد ما هي قصة تلك السياط، وتلك الصيحات، لكني ترددت أن أسأل الأمير عنها، فليس من الكياسة أن تطرح كل ما لديك من تساؤلات في أول لقاء لك مع شخصية كبيرة كالأمير أبو سعد، وقررت أن أتركها ليوم آخر.

 

نافذة على الرمال (1)

- القادم الجديد -

 

    حين رمت بي الحافلة على قارعة الطريق لم يدر بخلدي أن هذا هو المكان الذي سأعيش به لمدة عام كامل. لقد تخيلت أن تكون القرية التي تم تعييني بها صغيرة، لكن أن تكون بهذا الحجم فلم يخطر لي على بال. إني أستطيع أن اخترقها بنظري من أولها لأخرها، إنها أصغر من حارة في مدينة كبيرة كالرياض.

 

    ماذا سأفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ّ! لا يبدو أن في هذه القرية فندقا ولا استراحات للمسافرين، وليس هناك من يستقبلني. لقد رمى بي سائق الحافلة وهو يدعو الله لي بالتوفيق. إنه رجل طيب، ولكنه مهذار. فلم يتوقف عن الحديث طوال الرحلة، وكان من حظي العاثر أني الراكب الأخير في محطته النهائية، فلم استطع أن أتهرب من مواضيعه التي لا تنتهي. وقد ظل يقفز بين المواضيع بشكل عشوائي. فتارة يتحدث عن محاكمة "صدام حسين" وكيف أنها مؤامرة كبيرة يقودها الأمريكان للقضاء على العروبة والإسلام، وتارة أخرى عن الأسهم وعالمها المليء بالاتفاقات السرية بين "الهوامير" الكبيرة وبين تجار العقار، ثم يقفز إلى انتقاد الدولة لتقصيرها في حق الفقراء أمثاله، وكيف أنه قضى سنين عمره في انتظار قرض "البنك العقاري" الذي يخاف أن يموت قبل أن يصله الدور.

 

    وقد كنت جالسا طوال الوقت أتظاهر بالاستماع إليه، واسمعه كلمة موافقة بين الحين والآخر، حتى يشعر بإنصاتي معه، وهو لا يعلم أني سارح في الكتب التي جلبتها معي، أملا أن أقضي بها على طول المسافة، وعلى القائمة الطويلة المتأخرة من الكتب الواجب علي قرأتها هذا الشهر. فقد كان من عادتي أن أضع قائمة بالكتب لكل شهر، وأحاول أن ألتزم بها، وإن تأخرت في واحد منها حملته إلى الشهر الآخر، مثل ما كنا نفعل أيام الدراسة الجامعية، حين يحمل أحدنا مادة، فيحاول أن يعوضها مع بقية المواد في الفصل القادم.

 

    ليس هناك من حل إلا أن أذهب إلى مسجد القرية لأقضي الليل هناك، وفي الصباح سيوقظني الناس لصلاة الفجر بالتأكيد. وسأتعرف عليهم حينها، وأعرفهم على نفسي، وستكون بداية تعارف طيبة بهذه الطريقة، فالانطباع الأول الذي نرسمه في مخيلة الناس يكون عادة هو الباقي.

 

    لكن كيف كان لي أن أعرف أن ذلك التصرف هو بداية مصادفات عجيبة في هذه القرية. التي منذ أن حللت بها وهي لا تفتأ تفاجئني بسيرها عكس تيار التاريخ، والمنطق، والعالم كله. فقد كانت مفاجأتي الأولى أني استيقظت حوالي الظهيرة، ولم يحضر أحد للمسجد لصلاة الصبح. وعندما خرجت وجدت حركة خفيفة في منتصف القرية، وقد خمنت أن ذلك هو السوق فيها. فحملت حقيبتي وتوجهت إلى أقرب إنسان لأستفهم عن القرية، وعن مكان المدرسة فيها. وقبل أن أصل للحديث مع الشخص القريب لي، سرح خيالي قليلا في هذا اللفظ "إنسان"، وكيف أن بعض علماء اللغة قالوا أنه من "النسيان"، والبعض الآخر قال أنه من "الإيناس"، وأنا أميل للرأي الآخر، لأني في تلك اللحظة كنت أحتاج لمن أتونس به بعد قضاء ليلة موحشة ووحيدة.

 

    وبعد أن سلمت على الرجل، وعرفته بنفسي، بأني الأستاذ جلال أحمد الفاروقي، وقد كنت أشد على لساني بكلمة أستاذ لكثر اعتزازي بها، وأني المدرس الجديد في القرية، وأنا أبحث عن المدرسة. وسألته باستغراب عن عدم حضور المصلين لصلاة الصبح، وكيف أني لم استيقظ إلا الآن، لأني كنت متعبا من السفر. وقد وجدت في إجابته شيئا من الطرافة حين أخبرني أن المسجد الذي نمت به هو "جامع" القرية، وأن الناس لا تصلي به إلا يوم الجمعة، وأن هناك مسجد صغير آخر في الطرف الثاني من القرية. يا لها من قرية عجيبة، فهي تبدو صغيرة، ولا يمكن أن يكون بها من الناس بحيث يستدعي وجود مسجدين.

 

    دلني ذلك الرجل الباسم البشوش، والذي يدعى "دعيج"، على بيت يقصده كل المسافرين، والغرباء، وذوي الحاجات، وهو بيت "الأمير"، كما يسميه، وهو أمير القرية المعين من قبل الدولة. فمن عادة الدولة في السعودية أن تعين على القرى أمراء من عامة الناس، ولو لم يكونوا من الأسرة الحاكمة، قد يكون ذلك نوع من تشارك السلطة، حتى لا يحس الشعب أنهم محرومون من كل شيء. فحملت حقائبي مرة أخرى،  وتوجهت صوب البيت الذي أشار إليه دعيج، وفي الطريق شاهدت تجمعا آخر، لكنه هذه المرة أكبر من الأول، والناس تتدافع لتكوين حلقة تمكنها من رؤية المنظر. ولم أعرف ماذا كان يحصل داخل تلك الحلقة الملتفة من الناس، ولكني كنت أسمع صراخا يأتي من الوسط، وصوت سياط تصرصر في الجو، وقد ميزت الصرخات البشرية على أنها واحدة لرجل كبير، والأخرى لشاب صغير، فلم أنتظر لأعرف ماذا يحصل، بل سارعت الخطى صوب بيت الأمير، الذي كان مفتوحا، ودخلت لأبحث عن الأمير.
 
تجربة جديدة

    في البداية، تحياتي للتعليقات الحارة لكل من شاركني الرأي في موضوع التغيير المقترح في رمضان، وكم أسعدني قراءة الآراء المختلفة في تأييد التغيير أو عدمه. وهدفي الأول والأخير هو أن أضيف لعالم المدونات شيئا جديدا، بالإضافي لتطوير أسلوبي الكتابي، وبعض الأهداف "الخاصة" الأخرى.

 

    فقد أنشأت المدونة بعد وضع خطة زمنية لأسير عليها، وكل همي أن تكون ذات طابع متميز، يعبر عن شخصيتي، وأن تنمو كما أردت لها أن تكون، وأن أتعلم أثناء الطريق كل ما أستطيع أن أحصل عليه، وقد حصلت على الكثير. وقد حان الانتقال إلى المرحلة الأخرى.

 

    وهذه المرحلة الجديدة لن يكون فيها أي انتقاص لسابقتها، بل إضافات كثيرة، إذا تحقق التصور الذي في ذهني، وسارت الأمور كما أتوقع. ولكي أكون قريبا من خواطر القراء الأعزاء، فسأتحدث قليلا عن عملي القادم في زاوية "نافذة على الرمال".

 

    الفكرة عبارة عن رواية، تدور أحداثها في عالم الصحراء، الذي طالما اعتبرته رمزا حقيقيا يمثل الحياة التي نعيشها، والمجتمع الذي نراه. وهي وإن حملت الشكل الروائي، إلا أنها ستكون من وحي الكتابة اليومية، فلن يكون هناك شيئا معد مسبقا. وستحمل في طياتها مسارين في الكتابة، قصة الحكاية الرئيسية المتواصلة، والأحداث اليومية التي اعتدت الكتابة عنها في مقالاتي، وأرجو أن أوفق إلى ذلك.

 

    وأنا أعول على التعليقات الشيء الكثير، متمنيا أن تكون مفتوحة المجال، عن الموضوع، وعن الأسلوب، وعن الأخطاء اللغوية، والبناء السردي للرواية، وقبل ذلك أرجوا من كل قلبي أن تعجبكم، وتستمتعوا بقراءتها.

 

    وبما أني أكتب هذه الكلمات، وقد أعلن ثبوت رؤية هلا شهر رمضان، فأتمنى للقراء الأعزاء رمضان كريم، وشهر مليء بالروحانية، والمعرفة، والمحبة، والمتعة أيضا. وغدا سيكون الجزء الأول من الرواية إن شاء الله، فإلى لقاء الغد.

 

تغييرات رمضانية

    بما أن الجميع قد استغلوا هذا الشهر الكريم بتنزيل العروض التجارية التسويقية، وملئ الشاشات الفضائية بالمسلسلات والبرامج الكوميدية والاجتماعية المميزة، فقد قررت أن أواكب الحركة التجارية الساعية نحو التغيير والتجديد، وأضع برنامجا جديدا للمدونة في رمضان.

 

    وسيطال التغيير كل الجوانب، في الشكل، والمضمون أيضا. فمن حيث الشكل، سأحاول تجربة بعض التصاميم الأخرى التي يوفرها موقعنا المحبوب جيران. وعلى حبي للتصميم الحالي، إلا أني أجد نفسي مجبرا على تغييره، فالتغيير هو المطلوب هذه الأيام لاستمرار كل ما يراد له البقاء والمنافسة.

 

    أما من حيث المضمون، فلن يكون هناك التزام بالكتابة اليومية، بل ستكون شبه أسبوعية، أي في أيام مختلفة من الأسبوع، وذلك لسببين. الأول لأني أعمل الآن على تصميم مدونة جديدة متخصصة في مجال عملي، والثاني لأن الهدف الذي قد سرت عليه حين قررت ممارسة الكتابة قد تحقق جزئيا بالنسبة لي، ولا احتاج إلى إثبات المزيد لنفسي. وسأعوض على القراء الأعزاء بإضافة باب جديد في المدونة أرجو أن يحوز على رضاهم.

 

    سيكون اسم هذا الباب "نافذة على الرمال"، وهو عبارة عن رواية مجزأة كانت تدور في ذهني لفترة من الزمن، ولا يخفى على أحد من الذين تابعوا كتاباتي المستمرة في المدونة عشقي لهذا الصنف من الأدب، فكان لا بد أن أقتحم هذا المجال إن عاجلا أو آجلا. ويشرفني أن أدخل فيه تحت أنظار مجموعة من الأصدقاء المدونين المتميزين في عالم الكتابة والنقد، الذين لن يبخلوا علي بنصائحهم وتوجيهاتهم، بل ونقدهم اللاذع إن استدعى الأمر.

 

    ستكون كتابتي اليوم وغدا آخر ما سأسطره بصيغة المقالة، وبعدها سأبدأ بطرح أفكاري في الرواية التي أرجو أن تكون انتقال إلى مرحلة جديدة من الكتابة، وأن توفر لي مساحة أكبر من حرية التعبير، ومناخا أفضل في عالم الخيال والرمز. وسيكون في يوم غد تفصيل أكبر عنها إن شاء الله. فكل عام والجميع بخير، ورمضان مبارك علينا وعليكم.

 

بروميثيوس إله النار

    تروي الأساطير اليونانية القديمة، أن أحد الجبابرة قام بسرقة النار من الآلهة الإغريقية، وقدمها للإنسان، وكان اسمه بروميثيوس. وبروميثيوس هو أيضا أسم صاحب المدونة التي كنت أبحث عنها منذ مدة، واسمها تأملات فنية.

 

    فكما قام بروميثيوس الإغريقي بجلب النار، يقوم بروميثيوس العربي بحمل شعلة الفن إلى كل من أراد أن يطلع عليها. فهو يصف في مدونته أعمال فنية، ولوحات عالمية، لفنانين مشهورين.

 

    والأكثر من ذلك أنه يستخدم لغة وخيالا، تضيف إلى الجانب الفني، جانب جمالي، يجذبك لمتابعة القراءة، والاطلاع على المزيد من أخبار اللوحات الفنية. وهذا ما ينقصنا في كثير من المجالات الثقافية، وهو أن نجد من يفتح لنا الباب لدراسة الرموز الخاصة بكل موضوع، بطريقة سهلة وممتعة، حتى نكون أقرب لهذه الأعمال.

 

    ولكي أوضح اللغة المستخدمة من قبل الكاتب، لا بد أن استشهد ببعض مقاطع من كتاباته، مثل هذا المقطع، الذي يتحدث فيه عن لوحة "وصيفات الشرف"، للفنان الأسباني "دييغو فيلاسكيز"، ويتساءل بشكل مشترك مع القراء عن بعض المعاني التي تحملها اللوحة:

 

"ترى هل كان فيلاسكيز يبغي من وراء رسم هذه اللوحة جعل الناظر أهمّ من اللوحة وشخوصها، أم أراد أن يقول إن الشخوص ليسوا اكثر من أفراد افتراضيين ولا يوجدون سوى في عقولنا؟ ثمّ ما الذي كان يرسمه الفنّان على وجه التحديد؟ هل كان يرسم نفسه أم الملك والملكة المنعكسة صورتهما في المرآة المعلّقة على الحائط؟"

 

    ويستمر بهذا الأسلوب الجميل في الحديث عن جميع اللوحات، حتى يجعلك لا تنتهي من قراءة لوحة، إلا وتود الانتقال فورا لقراءة اللوحة الأخرى.

 

    الشكر للعزيزة المدونة توتي فروتي على إرشادي لموقع هذه المدونة، بعد أن قضيت الساعات الطوال في البحث عنها. وهي أيضا من مبدعات الفن التشكيلي، وأنا في انتظار دائم لأن تكتب لنا عن بعض تلك الرموز الخاصة بهذا الفن، وكيف يمكن للمبتدئين معرفة الفرق بين معنى لوحة وأخرى.

 

هنالك فرق!!! (2)

    إكمالا لحديثي بالأمس عن الحوار الذي دار بيني وبين الصديق "الملهم"، ولإيضاح لغير السعوديين الذين لا يعرفون أبعاد هذين المصطلحين "قبيلي وخضيري"، فإن القبيلي هو الفرد المولود في عائلة تنتمي لقبيلة معروفة، والخضيري هو الشخص المولود في عائلة لا يعرف أصل قبيلتها. والناس في السعودية ينظرون بدونية إلى "الخضيري"، ويضعونه بمرتبة اجتماعية أقل، فلا يتزوجون منهم، ولا يزوجونهم.

 

    ولنعد لقصة صديقي مرة أخرى. فبعد الإدانة الجماعية من قبلنا نحن الاثنين، فكر لحظة كمن يسترجع شيئا من الماضي، وقال لي: "يا محمد، حين تدين العنصرية القبلية وأنت قبيلي، غير أن تدينها وأنت خضيري، فهنالك فرق!!!".

 

    وأخذ يشرح لي كيف أنه عندما كان صغيرا، لم يكن يهتم بمعرفة أصوله، ولم يكن مصطلح قبيلي وخضيري يعني له شيئا. وشب على ذلك، إلى أن رأى الصراع الدائم في الموضوع حول هذا التعصب الأعمى. فقرر أن يعرف أصوله. وشرح لي أن شعوره حين كان ينتقد العنصرية القبلية عندما كان لا يعلم أصله القبلي، كان مختلفا عن نقده الآن، بعد أن أدرك أنه ينتمي إلى أحد أفخاذ القبائل الكبيرة المعروفة. ولم نستطرد كثيرا في هذا الموضوع بعد ذلك. لكن ضلت عبارته تلك "فهنالك فرق!!" تعن في رأسي، فقد صدمتني فعلا هذه العبارة. وفجأة اجتمعت الأفكار جميعها في رأسي، وعرفت لماذا يداهمني ذلك الشعور المزعج كلما أدنت هذه الظاهرة.

 

    فنحن حين ندين مثل هذه الأعمال العنصرية في المجتمع، وبخلفية اجتماعية وثقافية تضعنا في مرتبة أخرى، بعيدة عن من يعانون فعلا من هذا الاضطهاد، يصير من يسمعنا، يقرأ نبرة الاستعلاء في كلماتنا دون أن نعلم بذلك. بل أنه قد ينظر إلينا بعين القائل "من يده في الماء ليس كمن يده في النار". وأضيف كذلك، أن معظم الذين يدينون هذه التصرفات، لا يستطيعون أن يعارضوها فعليا، فلو مر أحدهم بتجارب حقيقية مثل التصاهر أو العلاقات العاطفية، فسيكون له موقف آخر. فقليلون من يستطيعون أن يقفوا ضد التيار بشكل فعلي.

 

    وأذكر قصتين حدثتا في السعودية، تمثلان هذه الحالة. الأولى كتبت عنها المدونة "هديل" عن قاضي قام بتطليق زوجين غصبا عنهما، حين طالبه أهل الفتاة بعمل ذلك على أساس عدم تكافؤ النسب. والأخرى تناولتها منظمة مراقبة حقوق الإنسان، وتحكي قصة رجل آخر حبسه القاضي بعد رفضه تسليم وثيقة الزواج، حين حكم القاضي بتفريق الزوجين على علة عدم تكافؤ المذهب.

 

    المجتمع في الواقع يضع علينا قيودا كبيرة بالنسبة لكسر الحدود التي وضعها بين طبقاته. وهو في ذلك متشابه في كثير من المجتمعات العربية والعالمية. فالتفرقة بين الغني والفقير، والعربي وغير العربي، والمسلم والمسيحي، والسني والشيعي، وغيرها من الفروقات التي لا تنتهي. وليس لها حل حقيقي مشرف إلا أن نفعل كما فعل رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وهو كسر حاجز عدم المساواة بالمصاهرة، والمعاشرة، والتعايش مع الآخرين، دون وضع فوارق ولا حدود.

 

    وأعلم أن ذلك سيكون صعبا على الكثير منا، ولذا ستظل هذه الغصة في نفوسنا، حتى لو أدنا هذه الممارسات التفريقية، سواء المذهبية أو الاجتماعية. فليس الكثير منا من يستطيع أن يتحمل ما تحمله الرسول من اضطهاد، وعزل، ومضايقة، حتى وصل إلى الحد الذي طلق فيه الرجال بناته، وأعادوهن له، لإعلان مثل الحرب "النسبية" على سلالته الكريمة. وستظل هذه الكلمات في ذهني إلى الأبد، "هنالك فرق!!!".

 

هنالك فرق!!! (1)

    من عادتي عندما أكتب المقالات، أن أترك معلومة أو حدثا، لأثيره بعد تعليق القراء، فهم يستحقون من يضيف إلى معلوماتهم شيئا جديدا بعد أن كلفوا أنفسهم عناء التعليق، وخاصة أصحاب التعليقات المميزة، التي تهدف إلى إنماء الحوار، والقفز به إلى مرحلة أخرى. وكذلك لأعطي الفكرة حقها من الاستيعاب والمراجعة، خاصة إذا كانت تحتاج إلى أن تصل إلى القارئ على مراحل.

 

    ومنذ عدة أيام، كتبت عن موضوع التفريق الاجتماعي من حيث المذاهب، وكيف أن الناس ممكن أن يكونوا قساة على أخواننا من الأقليات الإسلامية الأخرى، والدولة والقانون كذلك. وكيف أننا ينبغي أن نتحدث بنقد لهذا الموضوع، حتى لا يكون هناك صمت عن أي ظلم اجتماعي بأي شكل من الأشكال.

 

    لكن تعليقا أتى بشكل عفوي من العزيزة سارة مطر، جذب انتباهي إلى نقطة مهمة، حين ذكرت قصتها مع زميلتها الشيعية، وكيف أنها مهما حاولت أن تبدي أسفها لتلك الزميلة، تظل هناك غصة وشعور غريب، لا يجعلنا نحس بالرضا عن أنفسنا.

 

    وهذا الشعور غير المريح، لا يمكن أن يدركه إلا من كان يتمتع بحس مرهف، ودرجة عالية من الوعي، تجعله مدركا أن مجرد الإدانة، وتقديم الاعتذار، ليسا كافيين للخلاص من أننا لم نقم بالدور الكافي بعد. وأذكر أني حاولت تتبع أصل هذا الشعور، وعن السبب الحقيقي الذي يجعلنا نشعر هكذا، رغم أننا "نبدو" أفضل من غيرنا، حيث أننا ندين هذا الفعل المسيء. لكني لم أصل إلى نتيجة حقيقية.

 

    ولم تتضح الصورة لدي، إلا بعد أن دخلت مرة في حوار مع أحد الأصدقاء، وكان الحديث يدور عن قضية اجتماعية أخرى مشابهة، هي قضية "الخضيرية والقبيلية" في المجتمع السعودي. وكان أن سمعت منه كلمات، أضاءت لي طريق البحث، عن تلك المشكلة مع هذا الشعور المزعج المستمر.

 

    ما هي هذه الكلمات؟! وما الذي سمعته منه حتى يتغير ما لدي من تصور عن هذا الموضوع، وما يشابهه من مواضيع التفريق الاجتماعي!! سأتركه لمقالة الغد، حتى لا أطيل على القراء الأعزاء.

 

معركة الفارس الأخيرة

    دخلت في جدل خفيف مع أحد الزملاء، عن الوزير المحبوب غازي القصيبي. فقد كان ينتقده في ما يفعله الوزير القصيبي بوزارة العمل، وكيف أن تأشيرات العمال الأجانب الآن أصبحت شيء يندر أن يحصل عليه أحد. مما سبب أزمة في سوق الخدم والسائقين بالنسبة للكثير من العائلات.

 

    ولم أرد أن يكون هذا الموضوع هو الذي يقاس انجاز رجل مثل غازي القصيبي به، فهو أكبر من ذلك، ولا أريد أن أناقش أحد في مسألة محسومة كهذه، فالعمالة المنتشرة بشكل غير طبيعي لا يرضى بها من يستطيع أن ينظر إلى الصورة الكبرى لما تحدثه من هزة في اقتصاد البلد، وما تسببه من خلل اجتماعي. لكن الناس تميل أن تنظر إلى مصالحها المباشرة، متناسية المصلحة العامة.

 

    لذا فقد أدرت الحور إلى موضوع قد قرأت عنه في أحد الصحف السعودية، عن إعادة تعيين مجموعة كبيرة من الفتيات السعوديات، اللاتي فصلن من عملهن بعد شكوى كيدية من زملائهن الرجال، حيث أبلغوا رجال الشرطة الدينية أن البنات يعملن في جو من الاختلاط، ويمارسن عملهن في البيع المباشر للزبائن في أحد المحلات المشهورة.

 

    فنحن في عهد القصيبي الآن لا نسمع عن جدل توظيف المرأة هل هو جائز أم لا، وهل سيكون خارقا لعاداتنا وتقاليدنا أم أنه سيدخل فيها، بل أصبحنا نعيش هذا الشيء. فقد بدأت المعركة، ودخلت الطلائع الأولى من الفتيات العاملات إلى سوق العمل. وبدأ الوزير بتنفيذ ما كان الآخرين يجبنون عن القيام به، ويكسبون صيتا إعلاميا فقط عن منجزاتهم الوهمية في هذا المجال.

 

    إن القصيبي – في رأيي – يخوض الآن معركته الأخيرة في تقديم شيء لهذا المجتمع، الذي طالما اتهمه بعض منهم بالعلمانية والحداثية، وكل الصفات التي يمكن أن يحاولوا بها أن يثنوه عن برنامجه في تحقيق تقدم اجتماعي حقيقي للإنسان السعودي. وقد وقع اختياره على موضوع توظيف نصف المجتمع المعطل، الذي كان وزراء العمل السابقون يخرجونه من نسبة البطالة في البلد، حتى لا يقال عنهم أنهم عجزوا عن توفير سوق عمل فعال للمواطنين.

 

    وأصف هذه المهمة بالأخيرة، لأن ناموس الزمن لا يستثني أحدا، ولا حتى وزيرا محبوبا دخل قلوب الناس بأشعاره العذبة، ورواياته الجريئة، وبأيام وزاراته الخالية من الفساد، وبصراعاته مع دعاة الظلام. حين يرحل غازي القصيبي سيكون قد ترك لنا منجزات ثقافية وقوانين اجتماعية، سيسير عليها الشعب السعودي لفترة طويلة من الزمن. وسيظل اسمه خالدا في سجل الشرفاء الذين اختاروا خدمة الوطن كطريق لتحقيق الهوية الشخصية.

 

تحية للمرأة البحرينية

    منذ بدأت مشواري في القراءة، وأنا أركز على الكتابة الخليجية، مراقبا تطورها عبر السنين. فقد كان أشقاءنا العرب، قد اخذوا بمجد الكتابة من كل جانب، وتركوا لنا رعاية الإبل والغنم. لكن في فترة العشرين سنة الأخيرة، تقدم الأدب الخليجي بشكل ملحوظ، حتى صار منافسا للأدب العربي، وصار عندنا أعلام بارزة في كل مجالات الكتابة.

 

    وقد امتد الانتشار الخليجي ليبرع في مجالات عديدة غير الكتابة، فالأغنية الخليجية مثلا صارت مطلبا لكل مستمع، والأعمال الدرامية الخليجية التلفزيونية أعطتنا تسلية إضافية عن ما كنا نشاهده من احتكار للمسلسلات المصرية والسورية.

 

    وحتى قطاع الأعمال، صار الاسم الخليجي فيه مثل العلامة التجارية، وأصبحت مدن الخليج مصب أنظار رجال الأعمال من كل جانب. فأنشأت المدن الإعلامية، والإلكترونية، والصناعية، مما أثار حركة غير طبيعية في الزخم التجاري الخليجي.

 

    وكذلك الصحافة، فرغم كون الكويت هي السباقة في هذا المجال بين دول الخليج الأخرى، إلا أن انتشار الصحف والمجلات الخليجية في العالم العربي والدولي أصبح الآن مثار الحديث، من حيث كونها الأوسع انتشارا وتوزيعا.

 

    لكن في كل هذه المجالات، لم تصل أحد الدول الخليجية إلى مصاف العالمية في مجال السياسة. إلى أن أتت السيدة البحرينية الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة، لتولي واحد من أعلى المناصب السياسية، وتكون رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهو تطور طبيعي لما تحمله البحرين من شعب يعشق الثقافة والسياسة بشكل يجعله الأبرز بين دول الخليج في هذا المجال.

 

    فبينما كانت دول الخليج تركز على تصدير الشعراء والمغنين ورجال الأعمال، كانت البحرين تموج فيها ثقافة التيارات السياسية والفكرية، بشكل يتناقض مع حجمها الذي يستصغره الناس. ومن تجربتي الشخصية، بالاختلاط بجميع أطياف المجتمع الخليجي، كانت رؤيتي لشباب وشابات البحرين تميل للإعجاب لما تحمله هذه الفئة من الثقافة العامة، والتطلع إلى الدائم إلى نظرة سياسية أوسع. وكانت المرأة البحرينية هي الأجراء على دخول هذا المجال، بل حتى الوصول إلى مرحلة النضال السياسي، والجدل الفكري، الذي لا نراه عادة إلا في القليل من نساء دول الخليج الأخرى.

 

    لقد كنت دائما احمل هذا الإعجاب للمرأة البحرينية، واليوم أشاركه معكم لتحية زميلتنا المدونة ليال من البحرين. التي قادت حركة المدونين من أجل لبنان، وجعلتها كلمة واحدة اجتمع عليها كل المدونين العرب. تلك هي الروح البحرينية التي كنت أحدثكم عنها.

 

مي وجبران

    لا أعلم لماذا، فمن بين كل قصص الحب في التاريخ وجدت نفسي مرتبطا روحيا بقصة حب مي زيادة وجبران خليل جبران. فقد سحرتني هذه العلاقة القوية بين أثنين يفصل الواحد عن الآخر آلاف الكيلومترات، حيث كان جبران يعيش في نيويورك، ومي في القاهرة. وقد امتدت هذه العلاقة لفترة طويلة من الوقت، قرابة الربع قرن، لم يلتقيا فيها ولا مرة واحدة. ورغم ذلك فقد حدث بينهما ذلك التواصل الكبير الذي يربط المجتمع الإنساني، ويدعى الحب.

 

    وما يميز ذلك الحب أنه بين أديبين كبيرين. فجبران لا يحتاج أن يتحدث أحد عن إبداعه الأدبي في الرواية والشعر والرسم. ومي زيادة كذلك، فعلى الرغم من أنها لم تنل نصيب جبران من الشهرة، إلا أن من يقرأ أعمالها يعرف أنه أمام أديبة ولدت في زمن لا يعترف إلا بالرجال. بالإضافة إلى نضالها المستمر لتحرير المرأة العربية، ودعواتها ومحاضراتها في الإصلاح الاجتماعي.

 

    فأنا هنا بين عملاقين من البشر قررا أن يعشقا بعضهما، بطريقة هي أقرب إلى الحب الأفلاطوني الذي لا يسعى إلى الوصال، ولكن إلى الاستمتاع بحديث العقل والفكر. وقد أتهم حبهما من بعض النقاد بأنه لا يتعدى كونه صداقة أدبية، لكن من يقرأ رسائل جبران يعرف أنه كان أكثر من ذلك.

 

    قد يكون تعلقي بهذا الحب هو ما يمثله من رمز لواقع العلاقة بين الرجل والمرأة. فقد يكون كل منهما قد أحب الآخر بشكل كبير، لكن طريقة هذا الحب اختلفت بينهما. فجبران على حبه لها، ظل مشغولا بهاجسه الأدبي، وبسعيه للوصول إلى القمة، ويحدثها عن ذلك في معظم رسائله. بل أنه كان يستوحي أعماله الأدبية من ذلك الحب، خاصة روايته المشهورة "الأجنحة المتكسرة". كما أنه لم يستطع أن يرتقي فوق غرائزه الرجولية، وانغمس في علاقات متكررة مع نساء المجتمع الغربي. وكأنما هو يقول هذا هو حب الرجال في "نيويورك".

 

    أما مي، فقد فرّطت بالكثير من ما كان يمكن أن تحصل عليه، فقد بدأت مراسلة جبران لتستزيد من أسلوبه الكتابي المبدع، وبذلك ترتقي بطريقتها بالكتابة، لكنها عشقت الكاتب، ونسيت الكتابة. كما أنها شغلت نفسها بجمع كل رسائل جبران وحفظها، وبذلك صارت كل رسائل جبران مفتوحة للعالم، أما رسائلها فقد ضاع معظمها بعد وفاة جبران. كما أنها حفظت ذلك الحب إلى أقصى الحدود، فحرمت نفسها نعمة الزواج وعاطفة الأمومة. وكأن لسان حالها يقول هكذا تعشق المرأة الشرقية في "القاهرة".

 

    وحتى تكتمل صورة العشق بين الشرق والغرب، عاشت مي حياة المعاناة، التي يمكن أن تتعرض لها كل امرأة شرقية. فقد تكالب عليها رجال عائلتها بعد أن مات أبوها، حتى يغتصبوا منها الورث الذي هو حق لها، ووصل بهم الأمر أن دبروا لها فرية أدخلوها بها إلى مستشفى المجانين في لبنان. ولولا تدخل شخصيات بارزة في ذلك الوقت، لقضت بقية عمرها في المشفى.

 

    مي أحبت جبران لأنها كانت كأي امرأة شرقية ذات عقل وثقافة تبحث عن من يكون ندا لها من الرجال، فهي لا تستطيع أن تعشق رجلا لا يمكن أن يصل إلى عقلها. حتى أنها تذكرني ببعض النساء السعوديات الآتي يحلمن بالزواج برجل أجنبي، لأنهن لم يجدن في ابن البلد ذلك الإنسان المثقف الذي يستطيع أن يخاطب عقلها وقلبها معا. فمن ما يروى عن مي، أنها تعلقت بشاب ألماني تعرفت عليه، وأنها ذهبت إلى برلين بعد أن سافر لتبحث عنه، لكن يبدو أنها لم تجده، أو أنها وجدته لكنها اكتشفت شيئا آخر.

 

    أعتقد أن جبران كان واقعيا في حبه أكثر من اللازم، ومي كانت في حبها حالمة أكثر من جبران، وحين يلتقي الواقع بالحلم، يصير حبا من خارج هذا العالم، حبا ليس له مكان ولا زمان، حب لا يمكن أن يحويه إلا جنه الله في عليائه. يا ترى لو التقى مي وجبران في مكان ما، وقررا أن يعيشا حياتهما سويا، فما كان مصير ذلك الحب؟!

 

الجمعية العربية لقانون الإنترنت

    وقع نظري بالصدفة على موقع "الجمعية العربية لقانون الإنترنت". وبصراحة لم أعلم بوجود قوانين عربية للإنترنت، ولا بوجود جمعية لها. وقد تم تأسيس هذه الجمعية من عام 2005 في مصر.

 

    وعندما تصفحت الموقع، وجدت القائمين عليه يعرّفون أنفسهم على أنهم جمعية "تستهدف الدفاع عن مبادئ الحرية والسلام في العالم العربي". وفي مكان آخر "منظمة علمية غير حكومية ذات طابع عربي معنية بالتنظيم القانوني للإنترنت". ولا أعلم ما هو الرابط بينهما، لكن يبدو أن الحرية والسلام أصبحتا شعارين رائجين.

 

    الذي جذبني للأمر، أن هذه الجمعية أنشأت تحت رعاية جامعة الدول العربية. وعلى الرغم من تشجيعي للمؤسسات غير الحكومية كطريقة بناء للمجتمعات العربية، إلا أنني لم أرى أي نجاح يكتب لها إذا كانت مدعومة من الجامعة العربية.

 

    لقد كنت من المتحمسين لتولي السيد عمرو موسى لأمانة الجامعة، لكني بعد فترة من الوقت عرفت أن الأوضاع لن تتغير هناك في ذلك القصر العاجي. وستبقى منظمة على ورق، ليرمي زعماء الدول العربية خيباتهم عليها.

 

    نحن في حاجة كمجتمعات عربية – وخاصة المجتمع السعودي – إلى مؤسسات أهلية تبدأ بتولي بعض الأمور التي فيها تقصير واضح من قبل أجهزة الدولة. فقد صار هم الدولة هو تحقيق الأمن أولا، وتوفير سبل الرفاة للمواطنين ثانيا.

 

    وبالمناسبة، لقد وجدت العديد من المقالات والكتابات داخل الموقع عن الندوات، والاجتماعات، والمحاضرات، التي قام بها أعضاء مجلس الجمعية، والتي تطلبت الكثير من السفرات والانتدابات منهم. لكني لم أجد أي من هذه القوانين الإنترنتية التي أنشأت الجمعية لأجلها. وحين ضغطت على وصلة مكتبة القوانين، أتتني صفحة فارغة.

 

لقاء مع وقف التنفيذ...

    فاجأتني إحدى المدونات العزيزات بعمل فني إبداعي، هو الأول من نوعه حسب تجربتي. فقد قامت هذه الزميلة بطلب نص أدبي من مدونة أخرى، حيث اتفقتا على أن تقدم إحداهما إبداعا نصيا، تحوله الأخرى إلى إبداع مصور.

 

    صاحبة هذا الإبداع هي المدونة الرائعة "بنان"، وقد قامت بوضعه على مدونتها "فضاء مكوكي". وقد تعودت على المرور بتلك المدونة الشيقة كلما سنحت الفرصة لي بذلك، فهي بالإضافة إلى أعمالها التصويرية الجميلة، تتمتع بروح مرحة في الكتابة. وقد أتقنت فن الكتابة الساخرة الذي تطعـّمه بلهجتها الحجازية المحببة.

 

    وقد شاهدت الكثير من الأعمال الفنية التي اتخذت من الخط العربي أساسا لتكوينها الجمالي، كما رأيت لوحات مستوحاة من أعمال أدبية عالمية، يحاول فيها الفنان أن يظهر الإبداع بقالب آخر. لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها عمل اشترك فيه الإبداع الكتابي والتصويري باتفاق مسبق بين الكاتب والمصور.

 

    وعندما أحاول أن أتخيل كيف حصل هذا التعاون، لا يحضر ذهني إلا منظر شاعر وملحن اجتمعا على تحويل رؤيتهما الجمالية إلى عمل مشترك. فيمر علي طيف أحمد رامي، وأم كلثوم، وبليغ حمدي، ومحمد عبدالوهاب، وقد جلسوا جميعا يتطارحون رؤيتهم الإبداعية للخروج بعمل فني إبداعي.

 

    المشكلة أن القديمين قالوا أن الصورة تعبر عن ألف كلمة، لذا لا أعرف كيف سأعبر عن هذا المنظر الذي لا يوصف إلا بالحالم. فالفنانة تعشق الفضاء، لذا جعلت خلفية اللوحة أسود داكن، لا يشبه إلا الفراغ الذي نراه بين الكويكبات. ثم قرأت كلمات زميلتها الشاعرة "أرتميس"، فتخيلتها فراشة تنثر قطرات الندى على شكل عقد لؤلؤ، وكأن لسان حالها يقول أن ذلك ما تستحقه كلماتك الجميلة.

 

    يبدو أن المدونات لديها الكثير لتضيفه لعالم الإبداع، ليس بالكلمة فقط، لكن بالفن التصويري أيضا. ولا أعلم ما الذي يمكن أن تتحول له في المستقبل، فهي الآن منبر ثقافي واسع الانتشار، لا يحكمه إلا قدرة المدون على الإبداع، وانجذاب المتابعين للمدونة. فلتحيى قوة التدوين.

 

أنا لست مذهبي

    بعد فترة من الاستراحة من المواضيع السياسية، كان لا بد أن أعود لها، فهي ركن أساس من حرية التعبير، ولو وجدت من يقيني شر التعليق عليها لما دخلتها، لكني لا أستطيع أن أرى الأحداث أمامي وأرى تجاهل وسائل الإعلام لها، ثم لا أتكلم. فما زال رأيي أن الحكومة السعودية إذا كانت تعتقد أن ما تفعله شيئا صحيحا فلماذا لا تنشره في وسائل الإعلام؟!

 

    لا شيء يغيظني أكثر من الانتقاص من حرية وكرامة الآخرين. خاصة عندما يكونون جماعة مستضعفة أو أقلية كتب الله عليها أن توجد مع أكثرية متعصبة. والداعي إلى هذا الكلام هو الحاصل هذه الأيام من اعتصام جماعة من أتباع المذهب الإسماعيلي في منطقة نجران في السعودية.

 

    فقد دعت الجماعة إلى الاعتصام من يوم الثلاثاء الماضي، بعد أن يأست من محاولة الحديث والاستعطاف لرفع الظلم الواقع عليها، فهم يشتكون من محاولة تهجيرهم من أراضيهم، والاستيلاء عليها وتوزيعها لأبناء القبائل الأخرى. كما يعانون من الاعتقالات والأحكام التعسفية التي تكون مبنية على الاختلاف المذهبي.

 

    وليسوا هم فقط من يعاني في هذه البلاد، فالأقليات الصوفية والشيعية والمذاهب الأخرى، جميعها طالها التهميش والتعتيم، والملاحقة لكل من يظهر شعائر مذهبه أو طقوس عبادته، حتى صرنا كمحاكم التفتيش في العصور الوسطى. لكن الفرق هذه المرة أننا نحن الجلادون.

 

    يضاف إلى كل هذا القمع الحكومي عدم التعاطف من قبل الكثير من المواطنين السعوديين الآخرين، بل يصل في بعض الأحيان إلى تشجيع مثل هذه المظالم، والمشاركة باللسان لشتم وسب أتباع المذاهب الأخرى، وكأن من يقوم بذلك قد كان له الفضل في اختيار المذهب الذي ولد فيه.

 

    لا أعلم متى يدخل العدل مع الأقليات المذهبية حيز الإصلاح في السعودية. أو قد يكون كبقية العمليات الإصلاحية التي لا نسمع عنها إلا في وسائل الإعلام، وإن رأيناها تخيل لنا أننا نرى حلزونا بطيئا هرما يحاول أن يسابق عقارب الساعة. ولماذا لا تناقش مثل هذه المواضيع في وسائل الإعلام وفي مجلس الشورى لإيجاد حل قانوني وشرعي لهذه المسألة؟!

 

    وإلى أن يتم عمل شيء إيجابي يصلح حال هؤلاء الكرام المهانين في أرضهم، فأنا أقدم اعتذاري الشخصي لكل من تعرض منهم لمضايقات أو تعسفات، لا تمثل كل السعوديين ولا ضميرهم، وأقول لهم أني لست مذهبي.

 

نهاية البراءة

    يصل كل منا إلى مرحلة من البلوغ والنضج العقلي، بحيث يصبح الماضي مجالا لاستدراك الخبرات، والدروس، والعضات. وتنتقل حياتنا إلى مساحة من المسئولية الشخصية في الأقوال، والأفعال، والمبادرة لوضع المسار الصحيح، الذي نتخيل أنه الأنسب لنا لتحقيق طموحنا في الحياة.

 

    فما كان جائزا منا يوم كنا أحرارا في أن نفعل ونقول ما نريد، صار اليوم محظورا ليس من قبل الآخرين، لكن من عند ذاتنا، حتى نتجنب أن نقع في دوامة الأذى لأنفسنا ولمن حولنا.

 

    فمهما بدا الإنسان صلبا وقويا لمقابلة الحياة والتحديات والتعامل مع الآخرين، لا بد له من إتباع أساليب وتصرفات تعزز نجاحه في المجتمع وأمام الناس، وتضعه في مكان يستطيع منه المناورة حتى لا يقع في فخ السيطرة الذي تفرضه الظروف أو يسيره المجتمع.

 

    وأول ما نتركه من سنين البراءة هو أن نتحدث بكل ما نعلم. فلا بد للإنسان أن يحتفظ ببعض الأمور لنفسه، وأن يترك في خزانة كلماته شيئا يستطيع أن يقوله وقت الحاجة، أو ليرسم حول نفسه شيئا من الغموض المطلوب الذي يقيه فضول الآخرين، ويضع هالة من الثقة يراها الآخرون فيه كشخص جدير بحفظ الأسرار.

 

    وكذلك ينبغي أن يكون في الأفعال بعض الخصوصية والفردية، فلا نشارك الآخرين في كل شيء، بحيث لا يبقى شيء لنا نفعله لأنفسنا فقط. فمن الناس من يقدم حاجات الآخرين على حاجاته، ضنا منه أن ذلك هو الفعل الصحيح والمناسب، فيصير كمن يبني بيوت الآخرين وينسى بيته، فينام في العراء وحيدا، وهو يحسد الآخرين على بيوتهم. فلتكن أفعالنا لبناء بيتنا أولا، ثم مساعدة الآخرين.

 

    ثم يأتي الدرس الأكبر، الذي متى ما تعلمناه نكون قد ودعنا البراءة إلى غير رجعة. وهو كيف أن نحب أنفسنا قبل أن نحب الآخرين. فالعلاقة الإنسانية هي محور الوجود البشري، وبدونها يظل الإنسان ناقصا مهما فعل ومهما أنجز. لكن لصغر تجربتنا، نخوض غمار هذه العلاقة، ونحن نوجه كل العاطفة نحو الآخر، معتقدين بذلك أن هذا سيكفينا، وأن الآخر سيرد علينا بالمثل ليغذي العاطفة التي لم نوجهها نحو ذواتنا، ولا نعلم أننا نعطي للآخر درسا في أن يهمل حاجاتنا، حين يرانا نحن قد أهملناها.

 

    ليس هناك حل سحري يجعل حياتنا أفضل في لحظة واحدة. ولا بد من بناء شخصية مستقلة حتى نستطيع أن نتشارك مع الآخرين. فإذا استيقظت من النوم، ونظرت في برنامجك اليومي، ووجدت فيه مشوار خاص بك فقط، وموعد أنت من حدده مع الآخرين، ومساحة من الوقت تقضيها مع نفسك دون حاجة لوجود أحد، وهدف قد رسمته لنفسك يتحقق في سنة أو خمس سنوات، فاعلم أنك على الطريق الصحيح.

 

بالرياضيات ما أوصل

    يحكمنا عالم الأرقام بشكل كبير في حياتنا اليومية. فكل شيء من حولنا محسوب بالأرقام والقياسات والأشكال الهندسية. الطول والعرض والأبعاد، هي مجرد حسابات رقمية تحدد هويتنا الفيزيائية، وتضع ملامح المكان الذي نستقر فيه.

 

    حتى عمر الإنسان يحسب بالأرقام، وكذلك علاقاته اليومية، فأنت تستخدم الجوال بالاتصال على رقم، أو تسحب من حسابك الرقمي في البنك بالأرقام السرية، ومتى أعطيت موعدا لأحد فأنت ستقول له الساعة التاسعة أو العاشرة، وغير ذلك من الاستخدامات اللامنتهية من الأعداد التي تسبح من حولنا بلا انقطاع.

 

    لكن هل توقفنا يوما للنظر في مصداقية هذه الأرقام للتعبير عن الواقع الفعلي، هل هي حقيقة يمكن الاعتماد عليها بشكل غير مشكوك فيه، وأنها هي العنصر الثابت الوحيد الذي لا يتغير في قواعده وحساباته. بالنسبة لي كان لي رأي آخر منذ الصغر.

 

   منذ كنت صغيرا، كان والدي يأخذنا إلى مدينتي المفضلة الخبر، لنقضي فيها أجازة الصيف، وقد نشأت على هذه العادة حتى أصبحت لا بد أن أزورها مرة أو مرتين في السنة. وفي كل مرة أسافر بالسيارة اقطع مسافة حوالي 400 كيلو متر، وهي مسافة غير قصيرة، وتحتاج أن يقضي الإنسان وقته في شيء ما ليلهي نفسه عن التفكير في الطريق. فماذا كنت أفعل حينها؟

 

    كنت أحسب المسافة، وأحسب الوقت الذي استغرقه للوصول، ثم أبدأ بعملية حسابيه خاصة للوصول إلى المكان المحدد. فأقول لنفسي، أني إذا كنت سأقطع مسافة 400 كيلو إلى الخبر، لا بد أن أقطع نصف المسافة إلى هناك (أي 200 كيلو) قبل أن أقطع المسافة كلها. وبعد أن أصل إلى نصف المسافة سيبقى عندي النصف الآخر، فأقوم بعمل نفس العملية الحسابية، فلكي أقطع مسافة 200 كيلو لا بد أن أقطع نصف المسافة فيها (أي 100 كيلو). وهكذا إلى أن أصل إلى الخبر.

 

    لكني اكتشفت مع الأيام، أني أصل إلى مدينتي المحببة بالفعل، ولكني لم أصل إليها أبدا بالحساب. وسأطلب منكم التركيز هنا، وتحمل عبثي العقلي، الذي لم يوصلني بالأرقام أبدا. فإذا تابعنا العملية الحسابية نفسها، فهذا يعني أن في كل مره أقطع نصف المسافة، لابد أن يبقى نصف مسافة أخرى، فالمئة كيلو المتبقية نصفها (50)، والخمسين لها نصف هو (25)، وهي نصفها (12.5)، ونصفها التالي (6.25)، والتالي (3.12)، والتالي (1.56)، والتالي (0.78)، وهكذا إلى ما لا نهاية، فالأرقام تبقى تنقسم على النصف ولم استطع أن أصل بالرياضيات إلى الخبر أبدا.

 

    ولتبسيط المسألة، تخيلوا معي أن أمامكم تفاحة، وأنكم تحملون سكينا لقطع هذه التفاحة إلى نصفين. فإذا طلبتم منكم تستمروا في عملية التقطيع، فإلى كم تستطيعون أن تقطعوا التفاحة إلى نصفين؟ عمليا ستتوقفون حين تصبح التفاحة بحجم صغير، بحيث لا تستطيع السكين أن تقطعه، لكن حسابيا لن تتوقفوا أبدا. أرجو أن تكونوا قد فهمتموها، لأني لم أفهم كيف يحدث ذلك إلى الآن.

 

ملاحظة:

هذه المقالة مهداة للمدونة العزيزة بنان، لما أعرفه عنها من حب للرياضيات.

 

البحث عن مدونة الفن

    منذ بدأت الكتابة في هذه المدونة، وأنا لا اكتفي من المعلومات التي انصبت علي من التعرف على عقول المدونين الآخرين، ومن التجارب والنقاشات التي عشتها معهم، في سعينا الجماعي لنكون كتاب وبشر أفضل.

 

    وقد تشكلت المواضيع واختلفت، حتى شملت كل المجالات التي أبحث عنها. فالرواية، والشعر، والمقالات الاجتماعية والسياسية، والنقد، والفلسفة، كلها كانت حاضرة بيننا، لنتناولها ونبدي آرائنا فيها، ويقدم كل منا معلومة صغيرة، نجمعها لتكون صورة أكبر لدى كل واحد منا.

 

    لكن المجال الوحيد الذي ما زال يؤرقني، وأحس أني قد قصرت في البحث عنه، هو مجال الرسم الفني. ذلك الفن الراقي الذي سقط سهوا من ذاكرة أبائنا ومعلمينا، فلم يتحفونا ولا بمعلومة صغيرة عن كيفية تذوق هذا الفن.

 

    وقد ظهرت هذه الحقيقة في ذهني بعد قراءة الغالبية لرواية "الديفنشي كود"، وكيف أن الجميع – وأنا منهم - بدأ يبحث عن ما لديه من معلومات عن الرسم، والرسامين، واللوحات، والتاريخ الحضاري الفني، وفلم يسعفنا ما لدينا إلا بالقليل.

 

    فلنكن صريحين مع بعضنا. من منا يذهب لزيارة المعارض الفنية التشكيلية، سواء في مدننا أو إذا سافرنا إلى الخارج. ومن منا يعرف تاريخ اللوحات، أو يستطيع أن يقرأ المعاني التي تحملها الألوان والأشكال. بل من يستطيع أن يقول ماذا يقدم لنا الفن التشكيلي من إضافات لو عرفنا معانيه.

 

    وتجربتي التي أعتبرها هي الأقرب للوصول لهذا الفن، كانت مع إحدى الصديقات، حيث كنا نحدد يوما نجول فيه في صفحات الإنترنت بحث عن المعارض الفنية، ونتعرف على ذلك الفن الجميل بشكل شخصي، حيث كنا نفسر اللوحات لبعضنا، ونصول ونجول في معانيها، بل أننا نتخيل أنفسنا نقتني بعضها. كانت تجربة لن أنساها أبدا، وأنصح أن تجربوها، لكن بشرط أن يكون هناك من يصاحبكم في هذه الجولة الفنية الإنترنتية.

 

    أنا هنا أطلب الغوث والنجدة. فقد أضعت وصلة مدونة كان صاحبها يختار كل يوم لوحة مشهورة، ويتحدث عنها، وعن الرسام، ويبدع في عمليه الوصف بحيث تكون المعلومات التي يقدمها بجمال اللوحات التي يتحدث عنها. فقد تعرفت عليها في بداية دخولي لعالم المدونات.  لكني أضعتها. فهل من مجيب؟!

 

بدون نهاية

    جميعنا ننتظر النهايات في كل الأشياء. فنحن نستيقظ في الصباح ليقابلنا يوما مليء بالأحداث، والأعمال، والمهام، والتطلعات، معتقدين أن ذلك اليوم سينتهي، لنفاجأ بيوم آخر يقابلنا بالمزيد من ما كان في اليوم السابق.

 

    فمنذ أيام الدراسة الأولى، ونحن ننتظر أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه مرحلتنا الدراسية، لتقابلنا مرحلة أخرى. ثم نحلم أن نتخرج كي نرتاح من عناء الدراسة بشكل كامل، وبعد أن نتخرج نكتشف أننا بدأنا طريقا جديدا في البحث عن العمل، وهو يحتاج أيضا لنهاية.

 

    وبعد أن نستقر في العمل، يبدأ الشاب أو الفتاة في البحث عن شريك الحياة، معتقدا أنه بذلك سيغلق مرحلة مهمة في حياته، ليكتشف الاثنان أنهما بدئا للتو في حياتهما، ويشرعان بالبحث عن نقطة نهاية أخرى. وقد وصل الناس إلى قناعة عكسية في هذه الأمر بالذات، حيث أصبحوا يتخيلون تتمات لبعض القصص القديمة، مثل قيس وليلى، وسندريلا وحبيبها الأمير، لكن هذا الخيال يستمر ليرى ماذا حدث لقصتهما بعد أن اعتقد الجميع أنها النهاية.

 

    وحتى الموت لم يعد هو النهاية التي يتصورها الجميع للإنسان، بل هو بداية إلى مرحلة جديدة من الوجود الميتافيزيقي، فمن كان يعتقد أنه سينتهي بالموت فليعاود  تفكيره.

 

    إن عقولنا غير جاهزة لاستيعاب فكرة الأبدية، فهي لا بد أن تخلق لكل شيء نهاية. وهي في الحقيقة نهاية وهمية، وليست إلا بداية لمرحلة جديدة صنعها الإنسان ليخلق له نهاية لهذه المرحلة. وحتى العلم لم يساعدنا في الخروج من هذه المعضلة. فقد أظهرت النظريات أن الأرقام العددية تسير في اتجاه ليس له نهاية، وحين لم يكتفوا بذلك، اخرجوا تسلسلا جديدا يسير بالسالب ينزل تحت الصفر. فأصبحنا محاصرين بالأبدية من الجهتين، الماضي والمستقبل. فلم يعد هناك بداية ولا نهاية.

 

    مسكين أنت أيها الإنسان، يبدو أنك تسير في طريق ليس له من نهاية. والسعيد من اعتبر، وعاش يومه ولحظته في وقته الراهن.

 

الدكتور محمد الركن

    لم أسمع يوما في دولة الإمارات عن جود مشاكل سياسية بين الشعب والحكومة. فلولا مشكلة الجزر التي تحتلها إيران، لكانت الإمارات الدولة العربية الوحيدة الخالية من المشاكل السياسية.

 

    لكن تتناول هيئات الحقوق الإنسانية هذه الأيام دولة الإمارات بالنقد، لقيامها باعتقال الدكتور محمد الركن لأسباب سياسية. والدكتور الركن هو نائب رئيس الإتحاد الدولي للمحامين، وأستاذ القانون الدولي بجامعة الإمارات، وكان رئيس جمعية الحقوقيين الإماراتية في السابق.

 

    والكثير يرجح أن اعتقاله له علاقة بانتخابات المجلس الوطني التي تنوي دولة الإمارات عملها هذا العام. حيث تنوي الحكومة تأسيس برلمان منتخب، يمثل المواطنين من الأمارات السبع. وتتميز هذه الانتخابات بأنها ستسمح للمرأة بالتصويت.

 

    إن حلم الكثير من الخليجيين أن ينتقل للعيش في الإمارات لما توفره من جو ديمقراطي، ومساحة في حرية التعبير والتفكير. لكن يبدو الآن أن حمى الاعتقالات والمنع ستطول هذه الدولة المسالمة. هل لذلك علاقة بوفاة الشيخ زايد رحمه الله؟ وتغير السياسة التي تعودنا عليها والتي جعلت لدولة الإمارات تلك السمعة الطيبة.

 

    أرجو من الله أن تظل الإمارات على عهدنا بها. ولو حصل هناك شيء من التجاوزات فهي ستظل الأفضل مقارنة بالدول العربية الأخرى. لكن الخوف أن لا تكون هذه الحادثة مجرد تجاوز بسيط، ولكنها مثال على الصورة الجديدة التي تنوي الحكومة السير عليها.

 

أعمدة الحكمة السبعة

    هذا كتاب أعدة من نوادر ما سطره الإنسان في تاريخ الجزيرة العربية. وهو من تأليف الضابط الإنجليزي تي إي لورنس أو كما يعرفه الكثير من الناس بلورنس العرب.

 

    وكما يعلم الجميع، فإن هذه الشخصية التاريخية الاستشراقية التي دخلت إلى ثقافتنا وأثرت بها بشكل كبير، كانت عبارة عن رحلة رجل إنجليزي داخل الصحراء العربية، أثناء الحرب العالمية الأولى. لكنها لم تكن رحلة رجل عادي، بل هي مسيرة رجل في مهمة لتجنيد القبائل العربية ضد الدولة التركية.

 

    والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للورنس، خاصة المرحلة الخاصة من حياته التي قضاها مع البدو، والمعارك التي خاضها مع الملك فيصل - ليس فيصل السعودية -، وفلسفته في الحياة بعد هذه التجربة التي حولته إلى إنسان غير عادي.

 

    وقد تم تحويل هذا الكتاب إلى فيلم بطولة بيتر أوتول، وعمر الشريف، وأنتوني كوين. وحقق نجاحا باهرا. لكن يظل الكتاب يحمل فلسفة عميقة ما زالت تسحر كل من يقرأه.

 

    فعلى سبيل المثال، تحدث لورنس عن الشخصية العربية، وكيف استطاع أن يحول القبائل المتناحرة، التي لا تدين لأحد أبدا، لتقف صفا واحدا مع الإنجليز ضد الأتراك. وقد قال عبارة أضنها هي الأصدق في وصف الروح العربية، حيث قال أن العربي حين يصدق بك ويؤمن برسالتك، سويف يتبعك إلى أقاصي الدنيا، ولو بذلك في ذلك حياته.

 

    وأفضل تحليل لهذا الكتاب، قرأته للكاتب الإنجليزي كولن ولسون، في كتابه "اللامنتمي"، حيث تحدث بإسهاب عن المعاناة الروحية التي كان يمر بها لورنس، وكيف أن هذه المعاناة هي التي قادته ليصبح شخصية أسطورية خلدها التاريخ.

 

    إن شخصية الكاتب مثيرة للجدل، لكن الكتاب يظل من أفضل ما قرأت، وأنا أوصي به أن يكون في مكتبة كل عاشق للقراءة، خاصة محبي السير الذاتية، فهو يستحق الإطلاع.

 

(تـ)حيا الوطن

    يوم الخميس الماضي، كنت أطالع الصحف اليومية كعادتي مع وجبة الفطور، وأتلذذ بشرب الشاي وقراءة الأحداث والمواضيع الخاصة بالبلد.

 

    وقد وقعت عيني على مقالة للكاتب السعودي صالح الشيحي في جريدة الوطن السعودية. يتحدث فيها عن ما يمكن أن أسميه أزمة ثقافية اجتماعية سعودية مزمنة.

 

    فقد كان يروي قصة ما شاهده أحد المواطنين من كيفية معاملة رجل لزوجته أمام الناس، وكيف أن الناس كانت تتفرج ولا تفعل شيئا، لأن الرجل حر في ما يفعل بزوجته. وأفضل أن أقتبس بعض المقاطع لوصف ما حدث:

 

"فوجئ بأحد الأشخاص ينهال ضرباً على امرأة بطريقة وحشية وسط صراخها وصراخ أطفالها، ومن ثم قام بحملها عاليا ودفعها من فوق سياج الحديقة لتسقط على الأرض بصورة حزينة أمام الناس". ولا يكتفي بذلك بل يكمل القصة. "عندما وصلت المرأة جوار إحدى السيارات قام بركلها بقدمه حتى تمكن من إركابها مع الأطفال وغادر مسرعاً".

 

    وعندما قام الرجل "الشريف" بإبلاغ الشرطة عن ذلك المجرم، تصرفت الشرطة على الفور، وقبضت عليه متوقفا عند أحد المحطات. لكن المفاجأة أن الرجل عندما اتصل على الشرطة ليتابع ما حصل، وجد من يرد عليه من رجال الأمن ليقول له أن الوضع عادي جدا، وأن الرجل حسب رأيهم - أي رأي القانون - كان فقط يؤدب زوجته.

 

    الموضوع أشد من أن أنقده أو أعلق عليه، لكني أردت أن أشيد بجريد الوطن السعودية وبالكاتب على نشرهما لهذا الحدث المؤسف الذي يجعلني أخجل من تصرفات مجتمع كهذا، وأعتب بشكل كبير على قانون يرى أن للرجل حق أن "يؤدب" زوجته بهذا الشكل المهين والخالي من الإنسانية.

 

    كما أود أن أشيد كذلك بمجهودات هذه الصحيفة في نشر مقالات تناقش مواضيع كان يعتبر الحديث عنها من المحرمات، مثل غطاء وجه المرأة، وقيادة المرأة للسيارة، وما خفي من أحكام الموسيقى والغناء في الشرع.

 

أنا عندي لابتوب

    لا أقول هذه العبارة بصيغة المفاخرة، ولكن بصيغة من قفز من مرحلة في حياته "الكمبيوترية" إلى عالم جديد من الحرية والإنعتاق من الجلوس في مكان واحد، إلى القدرة على الحركة والتنقل بالجهاز إلى أي مكان أريده.

 

    فاللابتوب أو الكمبيوتر الدفتري هو جهاز منافس للكمبيوتر المكتبي من حيث الأداء والفعالية. ولا ينقصه أي من المميزات الموجودة في الأجهزة الأخرى. وأذكر أني كنت أتوقع أن أتضايق من الشكل المختلف للوحة المفاتيح أو الشاشة، ولكني الآن أجد فرقا كبيرا بين مربعات "الكيبورد" الحساسة والجميلة التصميم، وبين تلك الكبيرة الثقيلة. وكذلك الشاشة، خاصة إن كانت مسطحة عريضة. هي إحساس آخر بكل المقاييس.

 

    فأصبحت الآن أخذه معي أين ما ذهبت، أحمله في حقيبة خاصة اشتريتها بعد أن جربت العديد من الحقائب. وصدقوني حين أقول لكم أن الحقيبة المناسبة تجعل تجربة اللابتوب أكثر نجاحا.

 

    وأجمل الأماكن التي يجول فيها معي هي عند زياراتي الأسبوعية لأحد المقاهي المفضلة لدي، سواء في ستاربكس أو دكتور كيف. وأجلس بالساعتين أو الثلاث بين تصفح للإنترنت السريع والكتابة لبعض الأفكار والخواطر، التي يمكن أن استخدمها في مقالات مستقبلية أو أعمال أريد إنجازها.

 

    وحتى لو لم أكن سأخرج عن المنزل، فإن متعة تغيير المكان، من المكتبة إلى الصالة، من الحديقة إلى غرفة النوم، تبعد عني ملل المكان الواحد. بل أني صرت أتفنن في وضعيات الجلوس أيضا، فيمكن أن تتخيلوني وقد جربت كل الوضعيات، إلا الكتابة بوضعية الوقوف على الرأس. فتلك ما زالت صعبة في خيالي، كما أنها غير مقنعة لمن يراني أفعلها.

 

    لقد كان سعر الجهاز الدفتري هو المانع في السابق لعدم اقتنائه إلا من قبل المختصين. لكن الآن المنافسة قد اشتدت، وأصبح الثمن مناسبا للمستخدم العادي. وأنصح أن يكون الجهاز جديدا وذو مواصفات جيدة، فهو سيبقى معك لفترة طويلة.

 

    لقد اتهمتني إحدى الصديقات العزيزات "بالاشتراكية" في حياتي مع الآخرين. وأقول لها نعم، فمنذ صغري وأنا أحب أن أشارك كل تجربة ناجحة لدي مع من يريد أن يجرب. فشعوري دائما أن الإنسان قد خلق ليكون مع الآخرين، وليتشارك معهم، ويقدم ما لديه خدمة لهم. بل وفي بعض الأحيان لا أشعر أن ما يحدث معي قد أصبح حقيقة إلا بعد أن أشاركه مع إنسان آخر.

 

    أتمنى لمن كان لديه لابتوب أن يكون مستمتعا به مثلي، ولمن لم يقتني هذا الجهاز الحيوي أن يسارع ولا يتردد في شرائه، فسيعيش تجربة جديدة ومثيرة في العالم الحاسوبي.

 



<<الصفحة الرئيسية