- ليلة في القصر -
بعد أن قبلت ضيافة الأمير، توجهنا أنا وهو إلى منزله، فقد كنت في أمس الحاجة إلى الراحة، وإلى حمام يغسل عني آلام الليلة السابقة. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت بيته من الداخل، فقد كان على الطراز الأوربي الحديث، وكل قطعة فيه تدل على يسر الحال الذي يعيشه هو وأهله، وكأنما هو قصر من القصور التي كنت أشاهدها في العاصمة، وهو ليس من المناظر التي تتخيل أن تراها في قرية كهذه.
لقد تغير الرجل علي بشكل كامل عندما دخلنا بيته، فقد بدأ يغير من لكنته البدوية، وظهرت فجأة "الذال" في أستاذ، ثم بدأ يعرفني على أهل بيته، فسلمت علي زوجته وابنتيه، وعهدي برجال بلدي لا يقرون سلام النساء على الرجال، واعتذر لي عن عدم تواجد أبنه "سعد" للسلام علي، لأنه خارج في رحلة صيد مع أصحابه. وفي هذه اللحظة، بدأت استشعر شيئا من السريالية فيما يحدث حولي، فقد كونت صورة مسبقة عن هذا البدوي، ثم ها هو يكسر نمط هذه الصورة، ليدخلني في عالمين مختلفين في وقت واحد.
استأذنت من الجميع متعللا بالإنهاك، وطالبا الذهاب للغرفة، وكان تصرفي مثل رجل إنجليزي مهذب، فقد وجدت من حولي يفرضون علي تلك الشخصية، بطريقة غير مباشرة، فقد كانت تصرفاتهم جميعا تميل إلى تلك الخصال الأجنبية، وكانت البنتان تتصرفان في حضور رجل أجنبي وكأنه أمر معتاد لديهما، لا بد أن يكونا قد درسا في مدارس أجنبية، فانطباعي عنهما وهما يدخلان ألفاظا إنجليزية أثناء حديث التعارف جعلني استبعد أن يكونا قد تربيا في هذه القرية. لا بد لي أن أخرج من هنا، فقد بدأ رأسي يشعرني بنوبة غثيان عارمة، ولم أعد أفكر إلا بتناول حبات المسكن التي أحضرتها معي، أريد أن أبقى وحيدا كي أستوعب ما يحصل لي في هذا المكان.
استدعت زوجة الأمير أحد الخدم، وطلبت منه إيصالي إلى غرفتي، ولم تنسى أن تذكرني بأن موعد العشاء سيكون في الساعة الثامنة، وأن هناك كثير من الوقت الكافي لكي أرتاح، شكرتها بابتسامة بالكاد خرجت من فمي، وذهبت مع الخادم إلى الغرفة، وبمجرد أن وضع الحقيبة وخرج، أغلقت الباب، وأسندت ظهري عليه، حتى لا أسقط من شدة الإعياء، فأحيانا يكون الجهد العقلي أكبر بكثير من البدني. تناولت حبتين من المسكن، وارتميت على الفراش، وصرت أحدق في السقف، باحثا عن راحتي هناك.
لم يكن هذا التناقض هو ما أخذني على حين غرة، فهو حالة مألوفة لمن عاش في مدننا السعودية الكبيرة. فستجد فيها كل أطياف المجتمع المختلفة، وكذلك تجد الطبائع والأخلاق المتفاوتة أيضا، منها المنفتح أقصى حدود الانفتاح، بحيث تعتقد أن المجتمع السعودي أقرب إلى طباع الغرب منه إلى الشرق، ومنها على طرف النقيض المنغلق الذي يجعلك تجزم أن هذا المجتمع لا يزال يعيش في القرون الوسطى. أما غالبية الناس، فمنقسمة بين الاثنين، تارة هنا وتارة هناك.
ولا أعلم لما حضر في ذاكرتي الآن صديقان يمثلان تلك الفئتين. فالأول عندما تزوج، لم يقبل أن يخبرني حتى باسم زوجته، والثاني كنت بجانبه حين اتصلت عليه خطيبته، فأصر إلا أن أحدثها وأبارك لها شخصيا بالخطوبة. قد يكون المكان الذي أتي منه هذين الرجلين له أثر في ذلك، فالأول من أرض جرداء، بلا ماء ولا بحر، والثاني قد نشاء جوار البحر، فتطبعت روحه بهوائه العليل. اعتقد أن حتى الحيوانات والنباتات تختلف في الصفات بين تلك البيئتين. ففي الصحراء كلها جوارح، ومسامير مدببة، أما بجانب البحر فكلها ملساء، ورطبة، وندية. فسبحان الله في خلقه.
قد يكون عدم استعدادي لمشاهدة ما رأيته اليوم هو الذي جعلني أفقد توازني، أو ربما يكون هو حكمي المسبق الذي ألبسته لهذا الرجل، فقد تعلمت باكرا أن لا أصدر مثل هذه الأحكام المسبقة، لأنها تضعنا دائما في خانة ضيقة من القدرة على مشاهدة الحياة بشكل كامل وصحيح. قد يكون التعب ألهاني عن هذه الحكمة الذهبية.
بعد هذه الأفكار، وبعد أن بدأ مفعول المسكن يلطف من شعوري، قفزت مسرعا عن السرير، فليس من عادتي أن أستطيع النوم قبل أن أمسح قطرات العرق الصحراوي عن جسدي، فهي تشعرني أن هناك من يلف قبضته حولي، ويخنقني بيدان متسختان، فرميت ملابسي على عجل، ووقفت عاريا أمام المرآة، أنظر إلى جسدي الطويل، وقد اشتد من ممارستي الدائمة لتمارين اليوغا، ومن الحمية الغذائية النباتية التي أتبعها. فقد تأثرت من صغري بتلك العادات الشرقية الروحية، ووجدت فيها طقوس مريحة للجسد والذهن. وكذلك أنظر إلى شعري الأسود القصير، وأتفقده بأصابعي إن كان بحاجة إلى تقصير، فرغم أمنيتي الدائمة أن يكون لي شعر طويل، إلا أني لم أسعى يوما لذلك، فأنا لم أستطع التخلي عن طبيعتي المحافظة أبدا.
لا أعلم لماذا أحس دوما أن هناك من يراقبني كلما تعريت، ربما هي قصص الجن التي كنت أسمعها في صغري، تلك المخلوقات العجيبة التي تستطيع أن ترانا ونحن لا نراها، يا له من شعور مخيف. لقد تخيل الإنسان دوما أنه سيكتشف اختراعا يجعله مثل الأشباح، يرى الناس وهم لا يروه. وأذكر أني قد شاهدت فيلما سينمائيا عن رجل استطاع أن يحصل على هذا الاختراع، وكم هالني تصور المخرج عن الشرور الإنسانية التي يمكن أن تظهر عندما يمتلك الإنسان هذه القدرة، لقد بدت الشياطين كالملائكة مقارنة بما قام به بطل الفيلم من قتل، واعتداء، وتخريب. ربما لهذا وضع المخرج أسما مختلفا للفيلم، فلم يدعوه الرجل الخفي، بل "الرجل الفارغ" أو "هالو مان"، إشارة إلى خلو هذا الرجل من الإنسانية، ولو كان أحد أبنائها.
بعد الحمام البارد، وبعد أن أخذت قسطا من الراحة، استعدت نشاطي وتركيزي من جديد، كم يختلف مزاجنا عندما نكون متعبين، فقرارات الإنسان، وقدرته على الحكم السليم على الأمور، مرتبطة بحالته الذهنية والبدنية. أريد أن أكون مستعدا عندما ألتقي بالأمير وعائلته مرة أخرى، فهم يمثلون لي تحديا ذهنيا، ومن المتوقع أن يصير بيننا ما أحب أن أسميه صراع الإرادات، حيث يحاول كل فرد أن يفرض سيطرته على ساحة الحوار، ويتوقع من الآخر أن يقابله بالمثل، فيدخل الجميع في ما يشبه ساحة معركة فكرية وكلامية، لا يخرج منها منتصرا إلا صاحب النفوذ الأكبر، لأن الجميع سيجاملونه في رأيه، خوفا من إغضابه، وطلبا لوده، وهو عادة يسعد بهذا الانتصار، لكنه يفضل دوما أن يكون خصمه بارعا في طرح الحجة، وبارعا أيضا في إظهار الهزيمة.
وأذكر أن أخي الصغير كان له طريقة عجيبة في تجنب تلك الأمور التي تحدث بين الناس والأقران عند اجتماعهم، فقد كان يشترط في اختيار أصحابه أن يكونوا أقل منه في المستوى العقلي والثقافي، حتى يكون هو دوما الأبرز بينهم، فيخرج منتصرا في كل نقاشاته وحواراته معهم، وتراه حين يسير في وسطهم كأنه معلم بينهم، وكأنهم حواريين يحومون حول أستاذهم، يطلبون وده، ويخافون غضبه. وكان يعلم برفضي لتلك الفكرة دوما، فأنا على عكسه، أحب أن أجلس مع من يتحداني ذهنيا وعقليا، وأكره اللحظات التي تجبرني على اللقاء بمن هم أقل من ذلك التحدي.
وقد حدث ما توقعت، حيث قضينا أمسية كاملة بالنقاش في شتى المواضيع، وظهر ذلك الصراع بين الفينة والفينة، لكنه لم يكن بالحدة التي تخيلت، حيث ظل الأمير صامتا معظم الوقت، يرقب النقاش بيني وبين إحدى بناته تارة، وبين زوجته وبيني تارة أخرى، وهو ينظر إلينا جميعا وقد وضع ابتسامة صغيرة على وجهه، ويرمي كلمة موافقة هنا، وإيماءة رضا هناك، لكني شعرته يراقبني طوال الوقت، بعينين كعيني النمر، محاولا أن يقرأ أفكاري، وعلمت لحظتها، أني لم أكن قبالة رجل عادي، بل أمام مارد ذهني، يستطيع أن يحلل كل حركة وكل كلمة تمر أمامه، وأنه كان واعيا لكل ما قمت به من دراسة لشخصيته، أعتقد أني أمام رجل يرى أكثر من ما يجب.
وحين حانت فرصة للحديث بيني وبينه، نظرت إلى عينيه مباشرة، وقد بدت أصغر من ما كانت عليه ظهر اليوم، وأقل لمعانا، وسألته عن الصخب الحاصل أمام المسجد، وعن قصة الرجلين والسياط. فتبسم كمن يعلم أني كنت سأسأله هذا السؤال، وسقطت عينيه إلى الأسفل، ثم إلى اليمين قليلا، وعادت لي بعد أن أخذت دورتها السريعة حول المكان، وقال لي بنبرة خفيفة، لكنها جازمة:
"لا تشغل بالك يا أستاذ، هذولي ناس فسقه، وكنا نطبق فيهم حكم الشرع".
ثم بدأ يشرح لي أن أحد الرجلين، وهو كبير في السن، مشهور في القرية بالتهاون في حضور الصلاة مع الجماعة، وأن من عادة إمام المسجد أن يتلو أسماء رجال القرية بعد كل صلاة صبح، حتى يتأكد من حضور الجميع، وأن اسم الرجل قد سجل في دفتر الملاحظات أكثر من مرة، فصدر الحكم عليه بالجلد عشرين جلدة، أمام الجميع، ليكون عبرة لغيره. أما الآخر فهو شاب، ضبطه أحد الرجال وهو يحاول أن يتحدث مع فتاة كانت تسير في الشارع، وهذه تعد مفسدة عظيمة في القرية، فكان نصيبه مثل نصيب الرجل الأول من العقاب. وقد قال لي الأمير كلاما كثيرا بعدها، صدمني أكثر من ما قاله الآن، لكني سأدع الكلام عنه لوقت آخر.
لقد أيقنت عندها، أن ما يدور في رحى هذا القصر، له أثر مباشر لما يحدث خارجه، ولو بشكل عكسي، فبقاء القرية على حالها، هو الضمان الوحيد لبقاء هذا القصر، وبقاء الخير لأهله.





