إكمالا لحديثي بالأمس عن الحوار الذي دار بيني وبين الصديق "الملهم"، ولإيضاح لغير السعوديين الذين لا يعرفون أبعاد هذين المصطلحين "قبيلي وخضيري"، فإن القبيلي هو الفرد المولود في عائلة تنتمي لقبيلة معروفة، والخضيري هو الشخص المولود في عائلة لا يعرف أصل قبيلتها. والناس في السعودية ينظرون بدونية إلى "الخضيري"، ويضعونه بمرتبة اجتماعية أقل، فلا يتزوجون منهم، ولا يزوجونهم.
ولنعد لقصة صديقي مرة أخرى. فبعد الإدانة الجماعية من قبلنا نحن الاثنين، فكر لحظة كمن يسترجع شيئا من الماضي، وقال لي: "يا محمد، حين تدين العنصرية القبلية وأنت قبيلي، غير أن تدينها وأنت خضيري، فهنالك فرق!!!".
وأخذ يشرح لي كيف أنه عندما كان صغيرا، لم يكن يهتم بمعرفة أصوله، ولم يكن مصطلح قبيلي وخضيري يعني له شيئا. وشب على ذلك، إلى أن رأى الصراع الدائم في الموضوع حول هذا التعصب الأعمى. فقرر أن يعرف أصوله. وشرح لي أن شعوره حين كان ينتقد العنصرية القبلية عندما كان لا يعلم أصله القبلي، كان مختلفا عن نقده الآن، بعد أن أدرك أنه ينتمي إلى أحد أفخاذ القبائل الكبيرة المعروفة. ولم نستطرد كثيرا في هذا الموضوع بعد ذلك. لكن ضلت عبارته تلك "فهنالك فرق!!" تعن في رأسي، فقد صدمتني فعلا هذه العبارة. وفجأة اجتمعت الأفكار جميعها في رأسي، وعرفت لماذا يداهمني ذلك الشعور المزعج كلما أدنت هذه الظاهرة.
فنحن حين ندين مثل هذه الأعمال العنصرية في المجتمع، وبخلفية اجتماعية وثقافية تضعنا في مرتبة أخرى، بعيدة عن من يعانون فعلا من هذا الاضطهاد، يصير من يسمعنا، يقرأ نبرة الاستعلاء في كلماتنا دون أن نعلم بذلك. بل أنه قد ينظر إلينا بعين القائل "من يده في الماء ليس كمن يده في النار". وأضيف كذلك، أن معظم الذين يدينون هذه التصرفات، لا يستطيعون أن يعارضوها فعليا، فلو مر أحدهم بتجارب حقيقية مثل التصاهر أو العلاقات العاطفية، فسيكون له موقف آخر. فقليلون من يستطيعون أن يقفوا ضد التيار بشكل فعلي.
وأذكر قصتين حدثتا في السعودية، تمثلان هذه الحالة. الأولى كتبت عنها المدونة "هديل" عن قاضي قام بتطليق زوجين غصبا عنهما، حين طالبه أهل الفتاة بعمل ذلك على أساس عدم تكافؤ النسب. والأخرى تناولتها منظمة مراقبة حقوق الإنسان، وتحكي قصة رجل آخر حبسه القاضي بعد رفضه تسليم وثيقة الزواج، حين حكم القاضي بتفريق الزوجين على علة عدم تكافؤ المذهب.
المجتمع في الواقع يضع علينا قيودا كبيرة بالنسبة لكسر الحدود التي وضعها بين طبقاته. وهو في ذلك متشابه في كثير من المجتمعات العربية والعالمية. فالتفرقة بين الغني والفقير، والعربي وغير العربي، والمسلم والمسيحي، والسني والشيعي، وغيرها من الفروقات التي لا تنتهي. وليس لها حل حقيقي مشرف إلا أن نفعل كما فعل رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وهو كسر حاجز عدم المساواة بالمصاهرة، والمعاشرة، والتعايش مع الآخرين، دون وضع فوارق ولا حدود.
وأعلم أن ذلك سيكون صعبا على الكثير منا، ولذا ستظل هذه الغصة في نفوسنا، حتى لو أدنا هذه الممارسات التفريقية، سواء المذهبية أو الاجتماعية. فليس الكثير منا من يستطيع أن يتحمل ما تحمله الرسول من اضطهاد، وعزل، ومضايقة، حتى وصل إلى الحد الذي طلق فيه الرجال بناته، وأعادوهن له، لإعلان مثل الحرب "النسبية" على سلالته الكريمة. وستظل هذه الكلمات في ذهني إلى الأبد، "هنالك فرق!!!".







said:


said:



من لبنان