- القادم الجديد -
حين رمت بي الحافلة على قارعة الطريق لم يدر بخلدي أن هذا هو المكان الذي سأعيش به لمدة عام كامل. لقد تخيلت أن تكون القرية التي تم تعييني بها صغيرة، لكن أن تكون بهذا الحجم فلم يخطر لي على بال. إني أستطيع أن اخترقها بنظري من أولها لأخرها، إنها أصغر من حارة في مدينة كبيرة كالرياض.
ماذا سأفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ّ! لا يبدو أن في هذه القرية فندقا ولا استراحات للمسافرين، وليس هناك من يستقبلني. لقد رمى بي سائق الحافلة وهو يدعو الله لي بالتوفيق. إنه رجل طيب، ولكنه مهذار. فلم يتوقف عن الحديث طوال الرحلة، وكان من حظي العاثر أني الراكب الأخير في محطته النهائية، فلم استطع أن أتهرب من مواضيعه التي لا تنتهي. وقد ظل يقفز بين المواضيع بشكل عشوائي. فتارة يتحدث عن محاكمة "صدام حسين" وكيف أنها مؤامرة كبيرة يقودها الأمريكان للقضاء على العروبة والإسلام، وتارة أخرى عن الأسهم وعالمها المليء بالاتفاقات السرية بين "الهوامير" الكبيرة وبين تجار العقار، ثم يقفز إلى انتقاد الدولة لتقصيرها في حق الفقراء أمثاله، وكيف أنه قضى سنين عمره في انتظار قرض "البنك العقاري" الذي يخاف أن يموت قبل أن يصله الدور.
وقد كنت جالسا طوال الوقت أتظاهر بالاستماع إليه، واسمعه كلمة موافقة بين الحين والآخر، حتى يشعر بإنصاتي معه، وهو لا يعلم أني سارح في الكتب التي جلبتها معي، أملا أن أقضي بها على طول المسافة، وعلى القائمة الطويلة المتأخرة من الكتب الواجب علي قرأتها هذا الشهر. فقد كان من عادتي أن أضع قائمة بالكتب لكل شهر، وأحاول أن ألتزم بها، وإن تأخرت في واحد منها حملته إلى الشهر الآخر، مثل ما كنا نفعل أيام الدراسة الجامعية، حين يحمل أحدنا مادة، فيحاول أن يعوضها مع بقية المواد في الفصل القادم.
ليس هناك من حل إلا أن أذهب إلى مسجد القرية لأقضي الليل هناك، وفي الصباح سيوقظني الناس لصلاة الفجر بالتأكيد. وسأتعرف عليهم حينها، وأعرفهم على نفسي، وستكون بداية تعارف طيبة بهذه الطريقة، فالانطباع الأول الذي نرسمه في مخيلة الناس يكون عادة هو الباقي.
لكن كيف كان لي أن أعرف أن ذلك التصرف هو بداية مصادفات عجيبة في هذه القرية. التي منذ أن حللت بها وهي لا تفتأ تفاجئني بسيرها عكس تيار التاريخ، والمنطق، والعالم كله. فقد كانت مفاجأتي الأولى أني استيقظت حوالي الظهيرة، ولم يحضر أحد للمسجد لصلاة الصبح. وعندما خرجت وجدت حركة خفيفة في منتصف القرية، وقد خمنت أن ذلك هو السوق فيها. فحملت حقيبتي وتوجهت إلى أقرب إنسان لأستفهم عن القرية، وعن مكان المدرسة فيها. وقبل أن أصل للحديث مع الشخص القريب لي، سرح خيالي قليلا في هذا اللفظ "إنسان"، وكيف أن بعض علماء اللغة قالوا أنه من "النسيان"، والبعض الآخر قال أنه من "الإيناس"، وأنا أميل للرأي الآخر، لأني في تلك اللحظة كنت أحتاج لمن أتونس به بعد قضاء ليلة موحشة ووحيدة.
وبعد أن سلمت على الرجل، وعرفته بنفسي، بأني الأستاذ جلال أحمد الفاروقي، وقد كنت أشد على لساني بكلمة أستاذ لكثر اعتزازي بها، وأني المدرس الجديد في القرية، وأنا أبحث عن المدرسة. وسألته باستغراب عن عدم حضور المصلين لصلاة الصبح، وكيف أني لم استيقظ إلا الآن، لأني كنت متعبا من السفر. وقد وجدت في إجابته شيئا من الطرافة حين أخبرني أن المسجد الذي نمت به هو "جامع" القرية، وأن الناس لا تصلي به إلا يوم الجمعة، وأن هناك مسجد صغير آخر في الطرف الثاني من القرية. يا لها من قرية عجيبة، فهي تبدو صغيرة، ولا يمكن أن يكون بها من الناس بحيث يستدعي وجود مسجدين.






said:

said:



said:
said:

said:



من تونس