- في حضرة الأمير -
حين دخلت بيت الأمير، لم أجد أحدا في استقبالي، فها أنا في باحة البيت، التي تحيطها شجيرات صغيرة متناثرة، وليس أمامي إلا مدخل بابه مفتوح. اقتربت من الباب، ووضعت حقيبتي بجانبه، ثم دخلت.
كان البيت قديما بعض الشيء، لكنه يحمل مظهر قصر كان له شأنا يوما ما. وتجولت عيناي بدافع من الفضول، على المساحة الصغيرة التي يظهر أنها غرفة استقبال، لكن الشيء الوحيد الذي يستقبلك فيها، هو لوحة مرسومة لرجل بدوي، يحمل صقرا، ورمال الصحراء تحيطه من كل جانب. لم تكن اللوحة من رسم فنان جيد، لكن الإطار الذي يحيطها بدا غالي الثمن. ومن الواضح أن الرسام حاول بكل جهده أن يعطي ذلك الرجل البدوي مظهر الزعامة والوجاهة، لكنه أضاف لها أيضا انطباعا لا يراه إلا من كان له خلفية بقراءة اللوحات، وشاهد لوحات الزعماء الدكتاتوريين، أمثال هتلر، وصدام حسين، وجمال عبدالناصر. فقد كان هناك شيء من السخرية من ذلك البدوي، الذي يريد أن يظهر كزعيما دكتاتوريا. ويبدو أن الرسام كان له روح المرح التي تمتع بها شاعر العرب المتنبي، حيث اتفق معظم النقاد أن مدائحه لكافور الإخشيدي لم تكن أكثر من سخرية مبطنة، أجاد المتنبي إخفاءها، إلا عن أعين المتبحرين في الشعر.
وبعد أن تنبهت إلى نفسي، تذكرت أني لا زلت أبحث عن الأمير، فأنا دائما ما اسرح في حضور لوحة أو صورة قد وضعها الآخرون لتزيين الجدران الصامتة. فهي تحكي الكثير عن من يقطن المكان، فادخل في حوار معها، وأتخيل من صنعها واقفا بجانبي، يشرح لي الرموز والمعاني التي تحملها الألوان والأشكال. كم هو عظيم ذلك الإنسان، الذي استطاع أن يضع لسانا للجدران الخرساء، بمجرد أن يزينها بقطعة من الفن التصويري أو التشكيلي.
تقدمت في غرفة الاستقبال إلى باب في نهايتها، يظهر منه نور، ويصدر منه بعض الأصوات التي تدل على أن هناك أحد في الداخل. وحين اقتربت، صدمتني رائحة غريبة، لا استطيع وصفها إلا بروائح الملابس القديمة البالية، وحين دخلت إلى الغرفة ساد الصمت فيها.
كان هناك ثلاثة أشخاص، اثنان جالسان على المقاعد الجانبية الجلدية، وواحد خلف مكتب كبير، وقد بدا من تعابير وجوههم أنهم لم يتوقعوا حضور زائر في هذا الوقت، وخاصة شخص غريب. لكن الرجل الجالس خلف المكتب، سارع إلى تغيير معالم المفاجأة على وجهه، ووضع مكانها ابتسامة مصطنعة، وضرب على الطاولة بيده في حركة مسرحية لمن يريد أن يشعر الآخرين أنه مسيطر على الموقف، ووقف بشكل سريع وهو يوجه الحديث لصاحبيه:
"هذا هو أكيد ((الاستاد)) إلي أرسلوه لنا من الرياض. ما قلت لكم أنهم بيرسلون لنا واحد."
بمجرد أن سمعت كلمة "استاد"، علمت أني في حضرة جماعة من البدو، فقد كان من عادتهم تغيير الذال إلى دال عند النطق بكلمة "أستاذ"، ولا أعلم إذا كانوا يقومون بذلك بشكل عفوي أو متعمد، فهم قادرون على نطق حرف الذال بشكل سليم، لكنهم معروفون بالتقليل من شأن التعليم والمعلمين، وربما كانت هذه أحد طرقهم للسخرية من ما يسمونهم "الحضر". فلو لم تجبرهم الدولة على التعليم، وتجعل الحصول على الشهادة المدرسية شرطا لتولي المناصب في الدولة، لكانوا يفضلون أن يظلوا بلا تعليم، فهم يشعرون أن المدارس قد وضعت لتقضي على حياتهم البدوية.
تقدم نحوي الرجل وسلم علي بحرارة. وبعد أن تأكد من كوني الأستاذ المنتظر، عرفني بنفسه أنه الأمير، لكنه يفضل أن يناديه الجميع "بأبو سعد"، وعرفني بالرجلين الذين وقفا بمجرد أن وقف الأمير، على أنهما من كبار تجار القرية. وقد كنت معتادا على أن الرجال في المجتمع السعودي يفضلون أن ينادي بعضهم البعض بأسماء أبنائهم الكبار، فهو أبو فلان، وزوجته أم فلان، وحتى لو لم يكن للرجل ولدا فإنهم يسمونه على اسم والده، تيمنا بالولد القادم له في المستقبل.
ثم أخذني من يدي وكأننا أصدقاء منذ زمن بعيد، وقادني إلى خارج البيت، وأخذ يحدثني عن مدى حاجة القرية إلى معلم، وأنهم كانوا يطالبون وزارة التعليم منذ مدة أن ترسل لهم معلما، لأنهم قد سئموا إرسال أبنائهم إلى القرية المجاورة، لكن الوزارة كانت ترد عليهم بالنفي، لعدم القدرة على بناء مدرسة في القرية، فقد كان من سياستها بناء مدرسة واحدة لمجموعة من القرى، ويكون موقعها في أكبر قرية منها. وعرفت منه أيضا أنه قد قام شخصيا بالبحث عن "واسطة" في الوزارة، لكي توافق على إرسال مدرس للقرية، بعد أن تعهد بإقامة مدرسة على حسابه الخاص.
لقد بدا لي الرجل كواحد من الذين يحبون التحكم بمن حولهم، وأنهم يعيشون على ذلك، ولا يقبلون أن يخرج أحد عن طوعهم. وقد ذكرني بقصة ذلك المسئول الكبير الذي أحيل إلى التقاعد، فلم يستطع أن يتحمل خسارة التحكم في الموظفين والمراجعين، فما كان منه إلا أن فتح سبيلا من الماء النقي، ووضعه في قوارير متعددة الألوان والأشكال، يشرب منه كل من يشاء، لكن بشرط أن يحدد هذا المسئول من أي قارورة يشرب الظمآن.
توقف الرجل أمام أرض فارغة بجانب الجامع الذي نمت فيه، وقال لي بصيغة جازمة أن هنا ستكون المدرسة، وهنا أيضا سيكون منزلي. وقد صدمت حين قال لي أن ليس هناك من مدرسة، ولا مدير، ولا مدرسين، بل أني سأكون أنا كل ذلك، وأنهم سيبنون لي غرفة صغيرة قرب المسجد الجامع، لتكون هي المدرسة، وغرفة أخرى بجانبها لتكون بيتي. وأنني سأبقى في ضيافته إلى أن يتم بناء هاتين الغرفتين.
حدث كل ذلك في لحظات قصيرة، وأنا أحاول أن أستوعب الوضع الجديد الذي وجدت نفسي فيه، لكني تعلمت من أساليب السياسة والمداهنة، ما يجعلني قادرا على التواصل مع مثل هذه الشخصيات. فسرعان ما نما بيننا خيطا من الألفة، عززه قراءتي السريعة لشخصية الرجل، ثم تقمصي لحركاته ووقفاته التي يقوم بها، ومحاكاتي لنبرات صوته، ومجاراتي له في انفعالاته عندما يتحدث عن إنجازه العظيم في فتح مدرسة للقرية، فصرت كمرآته التي تعكس شخصيته، ومن منا يكره أن يرى نفسه في المرآة.
قبلت ضيافة الأمير، وأنا أرسم ابتسامة رضا عن ما أراه وأسمعه، لكني كنت قلقا جدا من عدم قدرتي على أن أعيش في هذه القرية، خاصة وأني لم أعرف بعد ما هي قصة تلك السياط، وتلك الصيحات، لكني ترددت أن أسأل الأمير عنها، فليس من الكياسة أن تطرح كل ما لديك من تساؤلات في أول لقاء لك مع شخصية كبيرة كالأمير أبو سعد، وقررت أن أتركها ليوم آخر.







said:
said:


said:

said:

said:



استمتعت بالجزء التاني بعد شوق وانتظار..
حتى ماما سألتني أمس عنها هي وأخي الصغير!! <<< ما تنبل فولة في فمها.. :)
حسيت نفسي في جلسة حميمية.. وانت الحكواتي..
سردك للقصة سلس وحلو..
وعرفت انه الأستاذ جلال فيه شوية بشرية لإنه بيفكر في موضوع السياط..
وأبو سعد ،، الله يعين الأستاذ عليه..
إلاّ ما قلت لي!! انت تعتبر جمال دكتاتور؟؟؟؟؟؟
p.s. شئنا = شأنًا.. :)
سلام مكوكي..