المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
دعوني أبكي...

 

"دعوني أبكي فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه، دعوني احتج على نفسي".

 
                                    عبدالله القصيمي

 

    تزامن دعوة للعزيزة المدونة ليال أن أكتب عن أعلام الفكر السعودي مع قراءتي لمقالة في جريدة الرياض عن الكاتب والمفكر السعودي عبدالله القصيمي.

 

    وما أثار استغرابي في هذه المقالة أنها أتت في الصفحة الأخيرة، وأنها احتلت مساحة كبيرة تصل إلى ثلث الصفحة، وكلها إشادة بهذا الكاتب الذي قاطعته الصحافة المحلية لعقود من السنين، ومنعت كتبه من دخول البلاد، وحارب الجميع فكره الذي كانوا يشيدون به في يوم من الأيام.

 

    فما زال القصيمي حتى بعد موته يثير الخلاف حول أفكاره وشخصيته، كما كان في حياته أيضا، فقد طرد من بلاده السعودية، وطرد من مصر أم الثقافة، وكذلك من لبنان بلد الحرية، وحاول العديدين اغتياله لتأثيره على فكر الشباب حينها، لكن التفاف المثقفين حوله كان يحميه في كل مره.

 

    وقد يكون من المناسب هنا وضع تحذير قبل الدعوة لقراءة هذا الرجل، فكل من قرأ له أخذ موقفا متطرفا من كتاباته، فهو إما مجنون ملحد مخرف، أو عبقري عميق التفكير ذو أسلوب أدبي ساحر، لكنه يضل رغم هذا الاختلاف كاتبا ترك أثره في التاريخ السعودي والعربي والعالمي.

 

    من مؤلفاته قبل انقلابه الفكري كتاب "الصراع بين الإسلام والوثنية"، "الثورة الوهابية"، "شيوخ الأزهر"، "الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم"، وكتب أخرى نال بها شهرة واسعة كأحد الشيوخ المنافحين عن المذهب الوهابي.

 

    أما مؤلفاته بعد القفزة الفكرية التي قام بها، فكلها ترتكز على النقد الديني والسياسي والاجتماعي، وقد عدها الكثير من مفكري عصره العرب والغربيين مفتاح لدخول العرب لعصر الحداثة، وأنه كان أحد الرواد السباقين إليها، ومن عناوينها: "العرب ظاهرة صوتية"، "هذه هي الأغلال"، "لئلا يعود هارون الرشيد مرة أخرى"، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارة"، "هذا الكون ما ضميره"، "الكون يحاكم الإله"، وغيرها من الكتب التي أثارت الزوابع من حوله ولم تسكتها إلى الآن.

 

    وحتى تسمعوا صوت هذا الرجل وتروا جزءا من بعد بصيرته، فهاهو يكتب في العام 1945 عن ما نعيشه اليوم، وهو مقطع من كتابه "هذه هي الأغلال":

 

"ومن ثمّ فإننا نعتقد أن هذه الجماعات المنسوبة إلى الدين، الناطقة باسمه لو أنها استطاعت الوثوب على الحكم ووضعت السلاح في يدها لحكمَ البشرَ عهدٌ من الإرهاب يتضاءل إزاءه كل إرهاب يستنكره العالم اليوم، وهذا أمر يجب أن يعرفه أولو الرأي والمقدرة وأن يحسبوا له الحساب قبل فوات الأوان، ولن تجد أقسى قلباً ولا أفتك يداً من إنسان يثبُ على عنقك ومالك، يقتلك ويسلبك، معتقداً أنه يتقرب إلى الله بذلك، ويجاهد في سبيله، وينفذ أوامره وشرائعه!! والسوء لمن ناموا على فوهة البركان قائلين: لعله لا ينطلق".
 
نادي بلا رياضة

    بعد فترة طويلة من الانقطاع عن النادي الأدبي في الرياض، تلقيت دعوة بالأمس لحضور ندوة عن الأعمال الروائية للكاتب تركي الحمد، فرأيت فيها فرصة لوقف الهجر المتعمد من قبلي، وعودة حبل المودة، خاصة بعد تغير إدارة النادي برئاسة جديدة، كانت تبدو في نظري أنها قد تحمل تحولا في جمود إدارة النادي السابقة.

 

    وقد كان مما زاد تفاؤلي هو وصول الدعوة من كاتبة في مجلة اليمامة، فأثارت هذه الدعوة تساؤلات عديدة حول إمكانية حضور النساء لأول مرة في هذا النادي الخاص بالرجال، لكن أولى الخيبات تجلت في عدم صحة قيام إدارة النادي بهذه الخطوة الجريئة والمتأخرة جدا، والتي لا يوجد عذر أبدا يغفر للنادي تكاسله (أو تجاهله) لها.

 

    كانت تلك النقطة كفيلة بأن تجعلني مترددا عن الحضور، فهي مؤشر قوي للعقلية الجديدة في الإدارة، وعلامة لما يمكن أن أسمعه في حديث عن كاتب مثير للجدل كتركي الحمد، لكن موقف صغير مع إحدى الصديقات العزيزات جعلني مجبرا على الحضور والاستماع لكامل المهزلة الثقافية في ذلك النادي الذي لا يتحلى بأي روح رياضية على الإطلاق.

 

    فمن فرط الحماس والتفاؤل من قبلي، مررت لهذه الصديقة الدعوة لحضور الندوة، لمعرفتي باهتمامها للأمور الثقافية، خاصة في مدينة تقل فيها مثل هذه المناسبات (!!!)، فما كان منها إلا أن سبقتني إلى هناك، ووجدت نفسي أتلقى اتصالا "تعنيفيا" منها قبل وصولي لبوابة النادي، وعندما أردت أن أشير إلى تضامني مع هذا الموقف بالعودة وعدم حضور الندوة، وضعت أمامي خيران لا ثالث لهما، وكان الخيران المتاحان أمامي هما إما أن أتلقى ضربة على الرأس أو أن احضر كامل الجلسة عقابا لي على فعلتي، لأخبرها بما يحصل فيها (من قال أن الدكتاتورية مقتصرة على الرجال فقط).

 

    وإليكم مختصر الجلسة. محاضران تناوبا على إثبات أن تركي الحمد ليس بروائي ولا مفكر، ولكنه رجل وجد الكثير من وقت الفراغ بعد تقاعده من التدريس (!!!)، وأن الناس لا تفهم في الثقافة لأنها تشتري كتب هذا الرجل، وقد وردت لفظة "النخبة المثقفة" أكثر من خمسة عشر مرة، تناوب عليها المحاضران ورئيس النادي الدكتور سعد البازعي (الله يذكرك بالخير يا دكتور عبدالله الغذامي) للإعابة على تركي الحمد لعدم مخاطبة المستوى الفكري لهذه النخبة، وأنه يكتب بشكل أقرب ما يكون للشعبي.

 

    لا أمانع على وجود منتقد للروائي تركي الحمد، ولا أن يكون هناك خلاف على كتاباته، لكن أن يكون التنظيم لمحاضرين كلاهما يقفان نفس الموقف من الكاتب، ولا يكون هناك توزيع أدوار لكي نشاهد طرفي الحقيقة عن روايات هذا الرجل، فتلك هي طريقة النادي السابقة التي ما زالت تنفر الكثيرين من النادي، وتجعل الحضور لا يتعدى خمسة وعشرين شخص، نصفهم حضر في آخر الدقائق ليسجل وجوده واستحقاقيته "للمفطح" الذي يلي كل ندوة ثقافية.

 

    أقدم اعتذاري الشديد لصديقتي العزيزة لرسالة التفاؤل التي بدرت من عندي، والتي دفعت ثمنها ساعة من العذاب والتململ المتواصل، لا يمنعني من الهروب خارجا إلا وعدي لتلك الصديقة، وإحساسي بالذنب تجاهها. لكني في النهاية هربت بعد أن وصلت روائح "المفطح" إلى القاعة، ولم يبقى على تلك الزمرة المثقفة إلا إمتاع بطونها بعد أن أفرغت ما في عقولها، فلم أجد نفسي في ذلك المشهد أبدا، واضطررت للمغادرة سريعا.
 
ملاحظة:
بالنسبة للأخوة والأخوات غير السعوديين الذين لا يعرفون معنى كلمة "مفطح"، فإنها وجبة طعام رسمية سعودية، تحتوي على كثير من اللحم والأرز.
 
ما هي الثقافة؟

    إحدى زهور العائلة البادية في التفتح اتخذت قرارا أثار إعجابي، فهي على أبواب الدخول إلى الجامعة، ووضعت هدفا لنفسها أن تكون "مثقفة"، وطلبت مني أن أساعدها في ذلك.

 

    وضعت برنامجا في ذهني يمكن أن أقدمه لها، ويساعدها لبلوغ هذا الهدف، فجمعت عدد من أسماء الكتب التي ينبغي لها أن تقرأها، وبعض كتـّاب المقالات الذين يمكن أن تتابعهم فيوفروا لها صورة واضحة عن الواقع الاجتماعي والسياسي، وأسماء فنانين لا بد لها أن تطلع على أعمالهم، وعناوين مكتبات ودور ثقافية ومواقع انترنت لكي تزورها بين الوقت والآخر لتتابع مستجداتها.

 

    وقدمت لها ما لدي من أفكار، وشاهدتها تستمع بكل حماس وترقب لدخول عالم "الثقافة"، لكني في نفس الوقت باغتها بسؤال اعتقد أنه بدا بسيطا لديها، وهو هل ذلك يكفي لكي تستطيع أن تطلق على نفسها "مثقفة"؟!

 

    أردت من ذلك السؤال أن أدخل معها في نقاش أوضح فيه أن هناك فرقا بين "الوسيلة" التي توصلنا إلى الثقافة وبين أن يكون الإنسان مثقفا فعلا، فقد رأيت كثيرا ممن يطلقون على أنفسهم مثقفين لا يحملون من الثقافة إلا اسمها، وحتى إن كانوا قد تمرسوا في ممارسة هذه الوسيلة إلا أنها لم توصلهم إلى الأخلاقيات التي يستحقون بممارستها هذا اللقب.

 

    إذا لم يستطع الإنسان أن يدرك بعد ممارسته للوسائل الثقافية أن هناك دائما أكثر من وجهة نظر لكل موضوع، وأن الآراء التي نشكلها تكون مبنية على الخلفية التي نعيش فيها، وأن الثقافة الحقيقية هي التي تدفع بصاحبها لأن يبحث عن دوافع الآخر للاختلاف، وأن يحترم هذا الاختلاف ، فلا أعتقد أن الإنسان بدون هذا الفهم يستطيع أن يقدر الثقافة بمعناها الصحيح.

 

    طبعا أدركت أثناء حديثي أن الفتاة فقدت التركيز بعد القائمة التي قدمتها لها، وشعرت أن لسان حالها يقول لي دعني اخلق رأي لي أول الأمر ثم ادعني لتفهم آراء الآخرين، فعدت إلى شرح القائمة مرة أخرى، وأنا أقول في نفسي اطمئني يا عزيزتي، فالثقافة لدينا تحابي المرأة بشكل كبير، ولن يتطلب منك كثير عناء أن تكوني مثقفة بارزة فقط لكونك امرأة.

 

وأخيرا...

    للخروج من المزاج السوداوي للكتابة السياسية التي قضى الجميع فيها وقتا بعد استشهاد الرئيس صدام حسين، رأيت أن أشارككم برسالة بريد إلكتروني وجدتها طريفة وفي نفس الوقت مميزة.

 

    الرسالة تقول:

 

    يحكى أنه في يوم من الأيام كان هناك فتاة تكره حياتها لأنها فاقدة للبصر، وتكره جميع الناس ما عدا خطيبها، الذي طالت مدة خطبتهما بسبب هذه المشكلة. فقد وعدت هذه الفتاة خطيبها أنها ستقبل الزواج منه يوم أن تصبح عيناها قادرتان على الإبصار، وكان أن صار لها ما تتمنى، ووجد الأطباء لها متبرع بالقرنية، وأصبحت ترى النور، وترى الناس، وترى خطيبها. أسرع نحوها خطيبها فرحا يذكرها بوعدها الزواج منه إن هي عاد إليها بصرها، ولكنها حين نظرت إليه رأته لأول مرة، وعرفت أنه مثلها سابقا فاقد للبصر، فاعتذرت منه متعللة بعدم قناعتها أن تتزوج رجل أعمى. سار خطيبها حزينا مبتعدا عنها، ثم ألتفت إليها وهو يقول: "أرجو أن تهبكِ عيناي السعادة التي تطلبينها".

 

    طبعا سيلاحظ الجميع أن الحكاية تحوي من الرمز الكثير، لكن المهم لدي أنها الأولى التي تردني كبريد إلكتروني وفيها أسلوب لا يتهجم على الرجل ويجعله هو الظالم دائما، فقد تم استخدامنا نحن الرجال كأمثله سيئة في المقارنات الإنسانية لدرجة أن أخواتنا من النساء قد كونوا نظرة "متحيزة" عنا، وأصبحنا نحن الخصم و"البعبع" الذي ينبغي أن يحذرن منه دائما. ناهيك عن الصورة غير الصحيحة التي يرانا العالم بها.

 

    وكالعادة وردني مع هذا البريد رسائل أخرى، منها ما يستحق القراءة، ومنها ما يستحق الحذف قبل القراءة، منها ما يبهج ((خاصة واحدة أعادت السرور إلى نفسي))، ومنها العلمي المفيد، ولا أنسى طبعا الرسائل التي تدعو عليك بالويل والثبور وشر الأمور إن أنت لم ترسلها مرة أخرى ليقرأها غيرك، والسيئ في هذه أنها ذات طابع ديني كان الواجب أن لا يستخدم فيه هذا الأسلوب.

 

    لكن يضل أن ما يميز هذه الرسالة هو الثقافة التي أرجو أن تنتشر في المجتمع، والتي توازن بين قوة الرجل وقوة المرأة، فجميعهما شركاء في هذا المجتمع بنفس القدر، وكليهما يمكن أن يكون ظالما أو يكون مظلوما، وأننا نحن الرجال لسنا "العناتر" التي تصورنا عليها الثقافة العربية منذ قديم الأزل، فقد ارتقينا فوق ذلك منذ زمن، لكن يبقى على الآخرين أن يعوا ذلك.

 

نهاية رجل شجاع

    وقف وحيدا رافعا رأسه، ينظر من حوله إلى سجانيه، وقضاته، وجلاديه. كانوا جميعا يحملون ذات الوجوه السوداء، والعيون الغادرة، ورائحة الفم الكريهة. أراد أن يعرف من يكونون، وأن يبصر الأرواح التي ستكون شاهدة لحظاته الأخيرة.

 

    التفوا حوله ليسوقوه إلى المقصلة، أيديهم ترتجف، وعيونهم لا تستقر على مكان، لقد بدوا أقزاما تحوم حول عملاق جبار، يخافون منه حين كان الواجب أن يخاف منهم، فهو أسير وهم طلقاء، هو مثقل بالسلاسل وهم خفاف الأيدي، هو مقبل على الموت وهم مقبلين على خيانة الحياة.

 

    أرادوا أن يبدوا كمحترفين، أنهم راسخون في المحاكم، وأنهم يعرفون القانون ويطبقونه، وكلهم خوف أن تفضحهم فرائصهم على أنهم مجرد هواة، تسلموا المفاتيح والسجين قبل ساعات من سجانه الأمريكي، ولم ينسوا أن يشكروه أكثر من مرة على منته عليهم.

 

    من لم يرى إعداما من قبل، لن يعرف أبدا كم هو شجاع هذا الرجل. فالمحكومين حين يواجههم الموت يذهب كل ما بقي فيهم من عقل وشجاعة، ويبدءون في البكاء والنحيب، يسترحمون جلاديهم، بعضهم يساق جرا نحو حتفه لأنه لم يعد يقدر على السير من الخوف، وبعضهم يثير شفقة جلاديه حين يبول على نفسه، ولا يبقى واقفا منهم إلا القليل.

 

    يستسلم السجين لقدره، ويبدأ طقوس المحكومين بالموت، يمارس روح القيادة التي حباه الله بها، والتي صقلها هو أيضا مع الأيام، فيشير لجلاديه بما يفعلون وماذا يضعون على رأسه وما لا يضعون، وهو يبحث بين ذلك كله عن بضع دقائق قبل الموت، ليستعد لدخول باب الرحمن، مع بقاء عين الحذر واعية بعد أن عرف الهوية الطائفية لجلاديه.

 

    تقترب ساعة الصفر، فتظهر فجأة هتافات طائفية تشفيا بموته، يتجاهلها ويتوجه للرحمن قائلا "يا الله"، يصيح صوت فارسي "مقتدى.. مقتدى.. مقتدى"، ويتبعه آخر "إلى جهنم"، فيرد عليهم السجين وهو يتمنى أن لا يخرج من دقائق خشوعه في لحظة لقائه بالخالق: "هييييه.. هاي المرجلة؟؟!!"، فيتدخل من بينهم صوت عاقل ليذكرهم بالمكان وبالموقف "أرجوكم.. أرجوكم.. الرجل إعدام.. أرجوكم".

 

    يتركهم جميعا في صياحهم الهمجي، ويتوجه إلى ربه مرة أخرى، ويردد عاليا صوته فوق صوتهم "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمد رسول الله.. أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمد رسول الله"، ثم يسكت صوته إلى الأبد.

 

    الشجاعة ليست كلمة يمكن أن نعرف معناها من القواميس، ولا يكفي أن نقرأ عنها، ولا أن نستقيها من أفلام "رامبو وفان دام"، الشجاعة لمن أراد أن يشاهدها حقيقة هي ما فعله هذا الرجل في لحظات موته الأخيرة، لحظات نهاية رجل شجاع.

 



<<الصفحة الرئيسية