وقف وحيدا رافعا رأسه، ينظر من حوله إلى سجانيه، وقضاته، وجلاديه. كانوا جميعا يحملون ذات الوجوه السوداء، والعيون الغادرة، ورائحة الفم الكريهة. أراد أن يعرف من يكونون، وأن يبصر الأرواح التي ستكون شاهدة لحظاته الأخيرة.
التفوا حوله ليسوقوه إلى المقصلة، أيديهم ترتجف، وعيونهم لا تستقر على مكان، لقد بدوا أقزاما تحوم حول عملاق جبار، يخافون منه حين كان الواجب أن يخاف منهم، فهو أسير وهم طلقاء، هو مثقل بالسلاسل وهم خفاف الأيدي، هو مقبل على الموت وهم مقبلين على خيانة الحياة.
أرادوا أن يبدوا كمحترفين، أنهم راسخون في المحاكم، وأنهم يعرفون القانون ويطبقونه، وكلهم خوف أن تفضحهم فرائصهم على أنهم مجرد هواة، تسلموا المفاتيح والسجين قبل ساعات من سجانه الأمريكي، ولم ينسوا أن يشكروه أكثر من مرة على منته عليهم.
من لم يرى إعداما من قبل، لن يعرف أبدا كم هو شجاع هذا الرجل. فالمحكومين حين يواجههم الموت يذهب كل ما بقي فيهم من عقل وشجاعة، ويبدءون في البكاء والنحيب، يسترحمون جلاديهم، بعضهم يساق جرا نحو حتفه لأنه لم يعد يقدر على السير من الخوف، وبعضهم يثير شفقة جلاديه حين يبول على نفسه، ولا يبقى واقفا منهم إلا القليل.
يستسلم السجين لقدره، ويبدأ طقوس المحكومين بالموت، يمارس روح القيادة التي حباه الله بها، والتي صقلها هو أيضا مع الأيام، فيشير لجلاديه بما يفعلون وماذا يضعون على رأسه وما لا يضعون، وهو يبحث بين ذلك كله عن بضع دقائق قبل الموت، ليستعد لدخول باب الرحمن، مع بقاء عين الحذر واعية بعد أن عرف الهوية الطائفية لجلاديه.
تقترب ساعة الصفر، فتظهر فجأة هتافات طائفية تشفيا بموته، يتجاهلها ويتوجه للرحمن قائلا "يا الله"، يصيح صوت فارسي "مقتدى.. مقتدى.. مقتدى"، ويتبعه آخر "إلى جهنم"، فيرد عليهم السجين وهو يتمنى أن لا يخرج من دقائق خشوعه في لحظة لقائه بالخالق: "هييييه.. هاي المرجلة؟؟!!"، فيتدخل من بينهم صوت عاقل ليذكرهم بالمكان وبالموقف "أرجوكم.. أرجوكم.. الرجل إعدام.. أرجوكم".
يتركهم جميعا في صياحهم الهمجي، ويتوجه إلى ربه مرة أخرى، ويردد عاليا صوته فوق صوتهم "أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمد رسول الله.. أشهد أن لا إله إلا الله.. وأن محمد رسول الله"، ثم يسكت صوته إلى الأبد.
الشجاعة ليست كلمة يمكن أن نعرف معناها من القواميس، ولا يكفي أن نقرأ عنها، ولا أن نستقيها من أفلام "رامبو وفان دام"، الشجاعة لمن أراد أن يشاهدها حقيقة هي ما فعله هذا الرجل في لحظات موته الأخيرة، لحظات نهاية رجل شجاع.






said:

said:
said:

said:
said:



لقد كانت بداية لا تنتهي لرجل شجاع..
ونهاية بدأت لأقزام صعاليك لم ولن يعرفوا معنى الشجاعة يوما ..
في عام 1915 ساق جمال باشا السفاح واحد وعشرون رجلا سوريا ولبنانيا الى المشانق بعد محاكمة صورية وأعدم سبعة منهم في ساحة المرجة في دمشق التي تحوّل اسمها الى ساحة الشهداء .. وأربعة عشر رجلا في ساحة البرج في بيروت التي أصبح اسمها ساحة الشهداء..هؤلاء صعدوا على المشانق وهم ينشدون أغاني الحريّة ويصيحون بصوت واثق ..الله أكبر ..عاشت سوريا حرّة أبيّة..عاشت أمتنا العربية ..كان بينهم مسلمون ومسيحيون ..كانوا عربا أقحاحا أحرارا ..زادوا واحدا في الأمس كان هو العيد.. وكانت هذه الأمة هي الأضحية ..هؤلاء الشجعان لا يجبنون..و لا يموتون ..تذهب أجسادهم ..وتبقى ذكراهم خالدة ..مابقيت الأوطان والضمائر ..
أما السفّاح وأقزام البارحة..تذهب أجسادهم وذكراهم الى مزبلة التاريخ ..
ـ الشجاعة يصنعها الرجال ..ولم أكن أتوقّع من صدّام إلاّ ما فعله ..لأنه رجل ..
أرادوه قتيلا ذليلا ..فكان شهيدا ..كريما..