المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
ربيع الثقافة

    أذكر في أحد التعليقات على المدونة، أن واحدة من الأخوات قد تذمرت بشدة من كوني أكتب عن المناسبات الثقافية بعد حدوثها، ودعتني إلى تجربة الكتابة عنها قبل ذلك حتى يتسنى للجميع الاستفادة منها. وهذه المقالة تجربة لذلك.

 

    ففي الشقيقة البحرين، ينطلق في بداية شهر مارس القادم مهرجان يعتبر من المهرجانات المميزة في منطقة الخليج، وهو مهرجان ربيع الثقافة، الذي تقيمه مملكة البحرين في مثل هذا الشهر من كل عام.

 

    ويتميز هذا المهرجان بالحضور الثقافي لمفكرين وشعراء ومبدعين في جميع المجالات، كان الشاعر محمود درويش على رأسها العام السابق. أما هذا العام، فتزخر أسماء مثل محمد أركون (13 مارس)، ومارسيل خليفة (1 و2 مارس)، وأدونيس (12 مارس)، وفرقة كركلا الاستعراضية (7 مارس)، وغيرها من الفعاليات الفنية والموسيقية.

 

    أما على الصعيد المحلي، فتبدأ اليوم فعاليات معرض الكتاب الدولي في الرياض، والذي يعد أكثر المناسبات الثقافية تميزا في السعودية. والغريب أنه يبدأ هذا العام دون الزخم الإعلامي والدعائي المصاحب له، وربما يكون ذلك لتجنب الصدامات التي حصلت السنة السابقة، لما كان يحمله المعرض من تجارب جديدة بوضع أيام مخصصة للعوائل، واجتلاب الكتاب والكاتبات للتوقيع على إصداراتهم الجديدة، بالإضافة إلى دخول كثير من العناوين المحظورة.

 

    كما يقيم حوار جاليري في الحادي عشر من شهر مارس معرضا جماعيا للفن الخليجي، وتتميز هذه الصالة – رغم صغرها – بجو حميم من الثقافة والطرح الجميل للفن التشكيلي، كما أنها تشكل فرصة لمن يريد أن يلتقي برواد هذا الفن وجها لوجه.

 

    هذه نبذة عن الفعاليات الثقافية للشهر القادم، والتي بدأت بإعداد مساحات لها على جدول زياراتي، والتي أتمنى أن تخلوا من المشاكل والخلافات – خاصة لدينا في السعودية – حتى يتسنى للجميع الاستمتاع بها في جو جميل من الثقافة.

 

فضول القطة

    تعرض قناة العربية هذه الأيام برنامجا في ذكرى مرور عام على "ذبح" مذيعتها أطوار بهجة بيد أحد المنتسبين للجماعات الإسلامية في العراق. وأعتقد أن هذه المرأة "الشهيدة" تستحق منا أن نتذكر إقدامها وشجاعتها وتحديها للواقع المؤلم الذي يعيش فيه بلدنا الثاني العراق.

 

    لا أكذبكم القول أني أردت أن أكتب عن الشهيدة أطوار منذ زمن، لكني كنت مترددا. ليس لعدم استحقاقها لمن يكتب عنها، ولكن لتعرضي لموقف مؤلم ما زال أثره يسري في عروقي حتى الآن، وكنت أخشى أن يتسرب جزء من هذا الألم إلى كلماتي.

 

    فقد حملت الشهيدة أطوار فضول الإعلاميين الذي يقودهم لمواقع التحدي والأحداث، والرغبة في استباق الخبر، مما جعلها من المذيعات المتميزات. وربما تسرب إلي جزء من ذلك الفضول الذي حملته أطوار بين جنبات قلبها طوال عملها في مهنة الإعلام، فلم استطع أن أمنع نفسي من البحث عن المقطع "المشؤوم" الذي سجل آخر لحظاتها على هذه الدنيا.

 

    لن أتحدث عن فضاعة المنظر الذي شاهدته، ولكني سأتساءل متى وصلنا حد الانهيار في الشفقة وانعدام الرحمة والإنسانية ليقوم إنسان بقتل أخيه الإنسان بهذه الطريقة؟! هل كانت تلك الإعلامية تشكل عدوا لأحد داخل العراق ليمثل بها كل هذا التنكيل؟! أم أن هناك نوعا جديدا من البشر ظهر مع التركيز الإعلامي على الإرهاب مما جعل المجرمين يتسابقون في عمل المذابح ليكون لهم صيتا أكبر؟!

 

    أعتقد أن المثل القائل "الفضول يقتل القطة" كان صادقا بالنسبة لأطوار، وبالنسبة لي أيضا. فأنا لم أستطع أن أزيح تلك اللحظة الأخيرة من حياة أطوار أبدا من ذهني، ودفعت ثمن فضولي ليالي من الحزن المستمر، والكآبة السوداء. ولم يخفف عني إلا إيماني بوجود رب عادل قد وزع الأقدار والأدوار ولن يظلم عنده أحد. فرحمة الله على الشهيدة أطوار بهجة.
 
قصة الدجاجة

    من أقدم وأطرف "النكات" المتداولة لدى الشعب الأمريكي هي نكتة الدجاجة التي عبرت الطريق، والسؤال عن سبب عبورها، وقد كنت من المتابعين لتطور هذه النكتة عبر الأجيال، لكن وصلني بريد إلكتروني أضاف إلى هذه الطرفة بعدا آخر، وهو رأي المفكرين الغربيين "والسعوديين" في هذه القضية، فلنستمع لبعض الآراء، ونبدأ السؤال، لماذا عبرت الدجاجة الطريق؟

 

ديكارت : لتذهب إلى الطرف الآخر من الطريق !!!


افلاطون : بالنسبة لها، الحقيقة موجودة في الطرف الآخر ! وربما كانت ذاهبة إلى العالم الفاضل!!


أرسطو : إنها طبيعة الدجاج ! وبما أنها دجاجة وكان الطريق مفتوحاً فإن العبور نتيجة منطقية !


كارل ماركس : هذه حتمية تاريخية تحددت منذ الأزل.


كانط : لقد شكت في وجود الطريق أصلاً ، فذهبت لتتحقق منه !


ابوقراط : بسبب فرط إفراز في البنكرياس !!!


مارتن لوثر كينغ : حلمت دائما بعالم يستطيع فيه الدجاج عبور الطريق دون حاجة لتبرير هذا الفعل !


ريتشارد نيكسون : الدجاجة لم تعبر الطريق .. أكرر الدجاجة لم تعبر الطريق !!!


 ماكيافيلي : المهم أن الدجاجة عبرت الطريق، وليس المهم أن نعرف لماذا،  فغايتها الوصول إلى الطرف الآخر يبرر الوسيلة مهما كانت !!!


سيغموند فرويد : إن الاهتمام بعبور الدجاجة للطريق يدل على وجود اضطراب في المشاعر الجنسية الدفينة !!!


جيري لويفل: الله أمرها بذلك ! كما أمر الرئيس بوش بضرب العراق !


شارل ديغول : ربما عبرت الطريق و لكنها لم تعبر الاوتوستراد بعد !!!


اينشتاين :  هل كانت الدجاجة هي التي عبرت الطريق؟ أو أن الطريق هو الذي تحرك تحت أقدام الدجاجة؟ فهذا يتعلق بنسبية الأشياء !!!


جورج بوش : إن مجرد تمكن الدجاجة من عبور الطريق إلى الطرف الآخر دون عقاب رغم قرارات الأمم المتحدة يشكل تحديا للديموقراطية والحرية والعدالة. وهو بدوره يشكك في انتمائها لتنظيم القاعدة، أو حصولها على عدد من الأسلحة النووية!! ولذا فإنه يجب تدمير هذا الطريق. وستتحرك الولايات المتحدة لتعبئة العالم ضد الدجاجة، وإن لم تكن معي فأنت ضدي، حيث قد بدأنا بالضرب الجوي قبل ساعات من تحرك الدجاجة لئلا تسول أي دجاجة لنفسها مرة أخرى عبور الطريق بهذا الشكل. وستتولى حكومتنا فيما بعد إعادة بناء المداجن. وإعادة الحرية للطريق والدجاج جميعاً، وتعيين ديك يتم انتخابه بشكل ديمقراطي حر من طرف السفير الأمريكي!!!

 

والآن إلى المفكرين السعوديين

 

د. محمد آل زلفة : لو كان لها حق قيادة السيارة ما احتاجت إلى عبور الطريق .


عبده خال : الكبت الجنسي جعلها تعبر الطريق إلى طرف آخر ولو كان مجهولاً .


د. تركي الحمد : التسلط الذكوري الصحوي نتيجته فرار كل المسحوقين عبر الطريق إلى العالم الآخر .


آل محمود : الماضوية الرجعية وغياب التفكير المنطقي في المداجن بيئة لا يمكن العيش بها أبداً.


د. غازي القصيبي : لو كان لديها عمل لما احتاجت إلى عبور الطريق !


إبراهيم البليهي : لابد من تدجين الخطاب الديني حتى لا تتكرر مأساة هذه الدجاجة .


د. الغذامي : النسقية الدجوية وراء اختناقات الجندر/ الدجاجي فليس ثمة شعرنة إلا عندما وصل النص إلى عنق الزجاجة .. حيث اضطرت إلى العبور هذه الدجاجة !


عثمان العمير : ربما تحتاج إلى القليل مما يخفيه عنها الجانب الآخر ( Out There )! ونحن نرحب بها في إيلاف بشرط خلع الريش كله !!


عبدالرحمن الراشد : يعي جميع عقلاء العالم أن هذه الدجاجة ضحية الإرهاب الفلسطيني الذي لم يستطع مفاوضتها !


د. فوزية أبو خالد : ربما كانت تعيش (تحت الدرج) يوماً ما !!


إبراهيم المطلق : المسؤول بكل تأكيد حلقات التحفيظ والمراكز الصيفية التي حمّلتها (ربما) حزاماً ناسفاً لتلقيها على الطريق !!


عبدالله بخيت : حركات صبيانية ذكرتني بعهود الصبا .. دعها تعيش ربيع العمر الذي لم نشاهد إلا خريفه، فربما كان ديكها في الجهة الأخرى !


صالح آل الشيخ : يبدو أن مراقب المسجد أخطأ في تقييم وضعها الفكري، حيث عجزنا عن إيجاد تسجيل صوتي أو صوري بالكاميرات اللاسلكية تفضح ما كانت تفعله قبل عبورها الطريق، لكن التحقيق سيحال إلى الجهات المختصة !


د. سلمان العودة : الإسلام يعيش اليوم تقلبات عجيبة على الصعد المختلفة ونحن ما زلنا نسأل مثل هذا السؤال ونردد :

 

رباب ربة البيت   **  تصب الخل في الزيتِ

لها تسع دجاجات  **  وديك حسن الصوتِ


د. عايض القرني : لا إله إلا الله، حتى الدجاج صرنا نسأل عنه وعن عبوره الطريق !! المزارع من باكستان والدواجن من السنغال ونحن لم نسأل إلا هذا السؤال، ربما كانت تمني نفسها بالاعتزال .. وربما كانت ستصعد الجبال ! إنها أسطورة الأساطير وقضية القضايا

 

يعيش المرء ما استحيا بخير ** ويبقى العود ما بقي الدجاجُ


د. معجب الزهراني : ما بعد الحداثة علم يمكننا من إسقاط سلطوية مثل هذا السؤال !


تركي الدخيل : ربما كانت سمينة بعض الشيء فذهبت تخفف وزنها !


د. العشماوي : نشر قصيدة بعنوان : عبور الطريق !!

 

عبرتِ دجاجةً وعبرتِ ديكاً   **  عفا عنك الزمان من الدجاجِ

ولو أقفلتِ قيل: لمَ استدارت   **  فهل كان الطريق من الزجاجِ

ولو قوقيتِ قيل: لمن تقوقي   **  فهذا الطبع من طبع النعاجِ

فدونك كل طرق الله وامشي  **  بكل وسيلة في ذي الفجاجِ  
 
كلام في الحب

    كنت أعددت مقالتين في النقد السياسي والاجتماعي كان من المفروض أن تنزل قبل يومين، لكني ترددت، إما لأني لست في مزاج النقد، وإما لأني خفت أن يفهم القارئ أن ليس في الدنيا إلا السياسة والمشاكل، فقررت أن أكتب عن الحب.

 

    ولن أتحدث في الحب بمعناه المعتاد، حيث الغرام والهيام وحيث يحصره معظم الناس بين رجل وامرأة، ولكن أود أن أضع تصوري الخاص، وأبحث فيه بمعناه الشامل، وأدخل تصنيفا له كان قد كتبه ولد صغير على لوحة المدرسة منذ زمن طويل، وخط بالطباشير: حب الله، حب الوالدين، حب الناس.

 

    حب الله هو الأساس الذي يمكن أن تنطلق منه كل المشاعر الأخرى، وهو القاعدة التي تحفظ التوازن للإنسان، فإن كانت القاعدة متينة وثابتة أمكنه أن يبني عليها ما شاء من العمران، لكن إن كانت ضعيفة ومهزوزة فلن يبقي فيها إلا خيمة تطير مع أصغر ريح تهب عليها. وهو شعور متصل ودائم، عبره يمكن أن تفهم كل ما يدور من حولك من أحداث ومخلوقات بل وحتى الشدائد والمحن، فكل محب لا يبغي إلا الخير لمن يحب، وكل ما كتبه الله لنا هو خير لنا ولو لم نفهم تصرفات الحبيب في بعض الأحيان، لكن الحب الحقيقي يفرض علينا الثقة بمن نحب.

 

    أما حب الوالدين فكان من المنطق أن يدخل تحت حب الناس، إلا أنهما في الحقيقة ليسا من الناس، هما أعظم شئنا وأشد أثرا في حياتنا من بقية الخلق جميعا. وكان أن ظهر في القرن العشرين مع انتشار العلاج النفسي أن أكثر المشاكل التي يعانيها الإنسان في حياته مرتبطة بسنين طفولته وبالأحداث التي عاشها مع والديه، وكانت جلسات العلاج تنتهي بأن من يعاني المشاكل لابد أن يتصالح في حبه مع والديه، وإلا فإنه لن يخرج من دوامة العقد المعيقة له ليعيش حياته بشكل كامل، فليس هناك شيء أهم من وصل حبل الحب بالوالدين مهما تصورنا أنهما أخطئا في حقنا.

 

    وإن كان الحب في الصنفين السابقين واضح المعالم، فإن حب الناس (حسب رأيي) تقع فيه الكثير من الملابسات، فنحن غالبا ما نخلط الحب بمشاعر أخرى مثل المودة والإعجاب والاستلطاف والرحمة، كما أننا نضعه أيضا في خانة المسلمات كحب الأخوة والزوج/الزوجة والأبناء والأصدقاء (والأصدقاء جزء من الأهل)، فننسى أن نظهر هذا الحب، ونفقد كثيرا من الأشخاص في حياتنا لعدم قدرتنا على الرؤية بشكل سليم في هذا الموضوع.

 

    وحب الرجل والمرأة الذي تغنى به العشاق لآلاف السنين، يقع تحت هذا الباب (حب الناس)، ويمكن وصفه على مستوى السطح بأنه شعور "كمومي" بالنسبة للرجل، وشعور "نوعي" بالنسبة للمرأة. فالرجل إذا أطلق لمشاعره العنان أصبح لديه الحب بدون ضابط، ونشر هذا الحب بالغريزة إلى أكثر من امرأة، والمرأة إذا انطلقت في الحب أيضا اندفعت بلا تمهل، وصبت كل مشاعرها واهتمامها لرجل واحد، تحاصره بالحب طوال الوقت. وككل شيء في هذه الدنيا فإن الوسطية والاعتدال هما أفضل علاج للمبالغة المربكة، فالرجل ينبغي أن يقلل من الكمومية ويزيد من النوعية، والمرأة كذلك ينبغي أن تحمل جزءا من النوعية لتضيفه إلى الكمومية، وبذلك يكون الرجل والمرأة أقرب إلى كونهما إنسان واحد بدل هذه الثنائية التي تظهر على مستوى السطح، فهما نفس الإنسان على المستوى العميق.

 

    أرجو أن أكون قد أضفت لهذا الموضوع (الحب) ولو القليل من رؤيتي الخاصة، وسيضل هو أعظم المشاعر، ولكنه في نفس الوقت أكثرها استتارا وإرباكا، ولن ينتهي الحديث والجدل عنه أبدا.
 


<<الصفحة الرئيسية