طبعا الجميع على علم بأن اليوم هو موعد أول قمة عربية في الرياض، ولكني لم أصنف نفسي ككاتب مناسبات أبدا، ولا أريد أن أتحدث عنها هنا، ولكن الشيء بالشيء يذكر، وما أريد الكتابة عنه اليوم له علاقة بالعالم العربي كأمة ذات تاريخ ومصير وتجارب مشتركة.
ففي معرض الكتاب الأخير، وجدت كتابا مثيرا للاهتمام، يتحدث فيه الكاتب عن تجربته مع العالم العربي. وما جعل هذا الكتاب مميزا في نظري أن كاتبه عالم "ياباني" متخصص في دراسة اللغة والحضارة العربية، وكذلك أنه كتبه باللغة العربية مباشرة من غير الحاجة للترجمة.
الكاتب هو "نوبوأكي نوتوهارا"، وقد عنون الكتاب "العرب-وجهة نظر يابانية"، وهو من الحجم المتوسط (يروق لي هذا الحجم كثيرا)، ويبلغ عدد صفحاته 141، كتب في آخر صفحة فيه هذه الكلمات: "باختصار أريد أن أقول للقارئ العربي رأيا في بعض مسائله، كما أراها من الخارج، كأي أجنبي عاش في البلدان العربية، وقرأ الأدب العربي، وأهتم بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية".
ويخلص الكاتب بعد سرد تجربة معاصرة للعالم العربي دامت أربعين سنة، إلى أن العالم العربي اليوم ليس هو الذي عرفه منذ بدأ في اكتشافه وزيارته لتعلم اللغة العربية. وأن المجتمع يعاني من بعض الأعراض التي رسمت معالم الحزن والألم والخوف في نفس العربي الذي يسير في الشارع، وأقتبس منه هذا القول: "الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء وليسو مرتاحين. سمعت صرخة في الجو الخانق الصامت وما زالت في أذني".
ثم يشرع في تحليل سبب هذا الضيق والكآبة التي يستشعرها، ويعدد الأسباب التي يرها كمصدر لها، فيذكر مثلا غياب العدالة الاجتماعية في المدن العربية، وكيف أن هذه المشكلة منتشرة من أعلى الهرم السياسي إلى أصغر وحدة جماعية وهي العائلة. فيصف الظلم والقمع الذي يمارسه الجميع ضد بعضهم البعض، حتى الأطفال يمارس ضدهم العنف، ويمارسونه هم بدورهم على من هو أضعف منهم، ويقول في ذلك: "شاهدت يومها طفلا يلف خيطا على عنق عصفور صغير ويجره وراءه، والعصفور يرفرف على التراب، كان الطفل وكأنه يجر حمارا أو كلبا! وكان الناس يمرون بجانب الطفل دون أن يقولوا له شيئا! إذن كان المنظر طبيعيا بالنسبة لهم!... وبالنسبة لي فإنني أتساءل، إذا سمح المجتمع بهذا المنظر، فإلى أين سيصل؟".
كما أنه يلاحظ أن ظاهرة الاستبداد وعدم قبول الآخر هي من الأمور السائدة في الشخصية العربية المعاصرة، وفي ذلك يقول: "المجتمع العربي مشغول بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد، والقيمة الواحدة، والدين الواحد، وهكذا؛ ولذلك يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تغيب استقلالية الفرد، وخصوصيته واختلافه عن الآخرين."
وهو يصنف الخوف كحالة اجتماعية سائدة، وكيف أن هذا الخوف قد خلق نوعا من الازدواجية في التعامل والحديث مع الآخرين، بل أنه أصبح أسلوب تربية وحكمة يتناقلها الأبناء عن الآباء: "تلك الازدواجية سببها الأول والأخير هو القمع والخوف الثابت من بطش السلطة والمسئولين، وما أكثر النكات والطرائف التي يتداولها الناس عن اختفاء فلان أو تبخر علان لأنه تفوه بكلمة ضد مسئول!".
اقتباسين أخيرين أحب أن أنهي بهما حديثي عن هذا الكتاب، الأول: "لقد عاينت بنفسي غياب العدالة الاجتماعية، وتهميش المواطن وإذلاله، وانتشار القمع بشكل لا يليق بالإنسان. وغياب كل أنواع الحرية، كحرية الرأي والمعتقد والسلوك."، والاقتباس الثاني: "عندما يعامل الشعب على نحو سيء فإن الشعور بالاختناق والتوتر يصبحان سمة عامة للمجتمع بكاملة."
هل ستكون هذه النقاط على جدول أعمال القمة العربية اليوم؟!






said:

said:
said:



من المملكة العربية السعودية