المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
وين الطاقية؟

    سمعت هذه الحكاية الطريفة منذ فترة، وأحسست بأنها (بالإضافة إلى طرافتها) تلامس شيئا من واقعنا الاجتماعي والسياسي، الذي أصبح مثقلا بالادعاء والتمثيل فما عاد للفرد فيه أي وجود فعلي إلا بمساحات شخصية صغيرة جدا يجدها هنا وهناك. والحكاية تقول:

 

    يحكى أن "ملك الغابة" كان يسير وسط رعيته، فشعر أن هيبته قد قلت بين شعبه، ففكر مع وزيره الثعلب بطريقة تعيد إليه هذه الهيبة المفقودة، وأوصاه الثعلب بأن يختار أحد أفراد الرعية ويخلق معه مشكلة على أمر ما، ويضربه أمام الآخرين، وبهذا يخاف الجميع من الملك.

 

    سار ملك الغابة بين الرعية، ولما وصل إلى الحمار قرر أن يكون هو كبش الفداء، فتوجه إليه غاضبا ليسأله عن الطاقية (القبعة) التي أضاعها الملك، فلما رد عليه الحمار بأنه لا يعلم أين هي، ضربه الأسد على رأسه، ونظر الثعلب إلى عيون الحيوانات الأخرى فعلم أنهما قد حققا ما يريدان.

 

    واستمر هذا الوضع لفترة من الزمن. الملك يمر أمام الشعب فيرى الحمار ويتوجه إليه مسرعا وهو يصيح بأعلى صوته: "وين الطاقية؟"، فيرد عليه الحمار أنه لا يعلم، فيضربه الأسد بكل قوه، ويسدل الستار على المشهد من جديد.

 

    لكن في يوم من الأيام، أتى الثعلب إلى ملك الغابة وعلامات الاستياء بادية على وجهه. ولما سأله الملك عن الأمر، قال له أن الشعب ما عاد يصدق تلك المسرحية، وأنهم يرون أن الملك يمارس ظلما على الحمار المسكين الذي أثبت فعلا أنه لا يعلم أين الطاقية، وخرجا بحل آخر وهو أن يتهما الحمار بقضية أخرى يشغلان بقية الحيوانات بها.

 

    فصار أن ملك الغابة لما رأى الحمار في السوق توجه إليه كالعادة، وحاول الحمار المسكين الفرار ككل مرة لكنه لم يفلح، فأمسك به الأسد وصاح في وجهه: "وين الحزام؟"، ففرح الحمار بتغير السؤال، وأجابه مسرعا بأن الحزام حول خصر جلالته، فلما نظر الأسد إلى نفسه وجد أنه نسي أن يخلع الحزام، فاسقط في يده، وشعر أن أعين جميع الحيوانات الأخرى تنتظر ما الذي سيحصل.

 

    فما كان من الأسد إلا أن ضرب الحمار مرة أخرى بكل قوة وهو يصيح في وجهه "طيب وين الطاقية؟".

 

    أرجو أن نجد جميعا تلك الطاقية، فقد تعبت رؤسنا من صداع الضربات المسرحية التي آن لها أن تنتهي، فدعونا نبحث عنها لكي نرتاح.

 

"كثيرون يؤمنون بالحقيقة، وقليلون ينطقون بها"

 



أضف تعليقا

اضيف في 24 ابريل, 2007 05:03 م , من قبل halataha said:

الله عليك ! في الصميم والله :)
فعلا كتير ناس بيؤمنوا بالحقيقة وبشوفوها مزبوط لكن قلال اللي بينطقوها!

اضيف في 24 ابريل, 2007 06:16 م , من قبل orchidee
من المملكة العربية السعودية said:

جد خطيرة القصة ..
ولا أملك إلا أن أؤمن على دعائك
شكرا

اضيف في 24 ابريل, 2007 10:14 م , من قبل prometheus
من المملكة العربية السعودية said:

قصة جميلة ومعبرة. وأطرف ما فيها جملة الاسد "طيب وين الطاقية"! ‏
يمكن فعلا أن تتحوّل الشعوب إلى حمير تتلقى الضرب والاهانة من اجل أن يبرهن الحكام على قوتهم وجبروتهم ‏وهم لا يعدمون المبرر ولا الحجة لكي يمارسوا استبدادهم وتنكيلهم بشعويهم.‏
طبعا كلامي هنا عام ويصدق على جميع أنظمة العالم الثالث وعلى العربية منها بشكل خاص.‏
في الحقيقة تشدني كثيرا هذه القصص الموضوعة على لسان الحيوان بعمقها الفلسفي وبما تتضمنه من دروس ‏وعبر أخلاقية وإنسانية.‏
اتمنى بالمناسبة ان تطلع على موضوعي عن أساطير ايسوب، ففيه العديد من مثل هذه الحكايات الجميلة ‏والموحية.‏
خالص سلامي ومودتي.‏

اضيف في 25 ابريل, 2007 09:59 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة حلا

هذه المقالة تحية مني لكل المدونين الذين اختاروا أن ينطقوا بالحقيقة ودفعوا ثمنا غاليا لصراحتهم، وتعرضوا لمسرحيات هزلية من الاتهامات الملفقة والادعاءات الضالمة.

وأخص منهم المدونون المصريون الذي فعلا يعانون أشد أنواع التضييق، وأرجو أن لا يكون مصير كل المدونات إلى ذلك الحال.

اضيف في 25 ابريل, 2007 10:07 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة أوركيد

قد يكون دور التدوين الرئيسي متركز الآن على ممارسة التعبير الحر، ومقابلة التحديات التي تنبع من الغاضبين على هذه الحرية، لكني أتمنى أن يرتقي هذا الدور في المستقبل إلى حماية مجتمع المدونين، والاعتراف بالتدوين كوسيلة اخبارية ومعلوماتيه جادة، محمية بنظام حقوق الصحافة والاعلام في الأمم المتحدة.

اضيف في 25 ابريل, 2007 10:22 ص , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيز بروميثيوس

ليست المسرحيات السياسية هي فقط ما نعاني منه، بل أصبح هناك الجماعات المتنفذة، والشركات العملاقة، والأنساق الظلامية، وغيرها مما يحاصر الفرد في حرياته الخاصة، وكلهم يقومون بذلك فقط لفرض سيطرتهم على المجتمع.

اضيف في 25 ابريل, 2007 08:45 م , من قبل layal
من البحرين said:

قليلون من ينطقون بها
واقع المجتمع واقع الدوله ووقع العالم
واقع من اين لك هذا- ومن اين لك هذا اللسان والقلم
صدقني يا مجك لقد تذكرت عدد من قصص الطفوله التي لو امعنت النظر فيها لوجدتها اقرب لما ذكرته انت
منها قصه الجمل والجمال
حين اثر الجمل الحياة الرغيدة ليصبح صديق الحيوانات المفترسه وترك صاحبه الجمال الناصح له ونيت ملك الغابه والحيوانات المفترسه من حوله كانت مبطنه للفتك بالجمل والتهامه
أليس لهذه القصه دلالات اخري علي واقع يدق عظامنا ؟؟؟
تحياتي

اضيف في 26 ابريل, 2007 03:41 ص , من قبل صاحب البوابة
من مصر said:

قصة رائعة

اعجبنى فيها فكرتك العميقة

تحياتي

اضيف في 26 ابريل, 2007 11:13 ص , من قبل emarge1 said:

هذه القصة تنطبق على شعوبنا العربية بكل جدار وعلى حكامنا فكل يوم وكل سنة وعند كل مرحلة جديدة يسألونا الحكام " وين الطاقية "
والطاقية فيها عبرة مخباية
المهم هذه القصة تشبه مسرحية للمبدع الكبير "سعدالله ونوس" واسمها الفيل يا ملك الزمان

مدونة رائعة واختيار رائع لقصة رائعة
خالص سلامي واحترامي
صديقك : طارق

اضيف في 27 ابريل, 2007 02:09 ص , من قبل khulood said:

الأجمل..
أن الحمار لم (يعتاد) دور الضحية!
ما زال يحاول الهرب....

!

شكراً لك..

اضيف في 27 ابريل, 2007 07:38 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة ليال

المزعج حقيقة في الموضوع أن من يستخدم اساليب التضليل في مجتمعاتنا هم ممثلون فاشلون جدا، فليس الخداع الذي يمارسونه هو الذي يسكت الناس، بل الترهيب والتسلط الذي يلجأون إليه بين الحين والآخر.

أرجو أن تكون كلمات المدونات مرشدا يكشف الممارسات التضليلية التي تعج بها مجتمعاتنا.

تحياتي لكِ دوما عزيزتي.

اضيف في 27 ابريل, 2007 07:47 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيز صاحب البوابة

تحية مني لأحد أصحاب القلم الحر في عالم المدونات العربي، وكم أنا مبهور بما يقدمه أخواننا في مصر الشقيقة من مساهمات إلى التدوين، وأشعر أن من واجبنا الإشادة بالريادة في هذا المجال للأعزاء من أرض الكنانة، وكذلك الإشادة بالتضحيات التي يقدمها العديد منهم لمجرد تمسكهم بقول الحقيقة.

اضيف في 27 ابريل, 2007 08:00 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيز طارق

مرحبا بصاحب أفضل موضوع كتب عن السعادة، لقد استمتعت جدا بقرائتي له، وهو أحد وسائل الإجابة عن السؤال المحير "وين الطاقية؟".

وعلى الرغم من قصر عمر المدونات إلا أنها أفضل ما رأيت من حيث القدرة على توفير الاجابات.

اضيف في 27 ابريل, 2007 08:14 م , من قبل MagicKingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيزة خلود

الأجمل من ذلك أن هناك من استطاع أن يلاحظ عدم استسلام الحمار المسكين، وأن هذا الشخص هي إحدى بنات بلدي اللاتي افتخر بهن دوما.

أشكرك على هذا التعليق الذي قادني إلى مدونتك التي أستطيع أن أقول إنها مثيرة للاهتمام والمتابعة، وتحوي فكرا وأسلوبا جديدا يجمع ما بين الكلمة والصورة بشكل معبر جدا.

اضيف في 28 ابريل, 2007 04:25 م , من قبل almaqdam
من المملكة العربية السعودية said:

الاخ العزيز محمد ،

هذه هي المرة الاولى التي اشارك بها معك بعدد تردد.

القصة جميلة جدا ولكن هناك سؤال:
هل هذا هو القانون ام هناك مجتمع مثالي على مر العصور ؟
القيادة تتطلب في بعض الاحيان الجبروت خاصة في المجتمعات اقل تحضرا والدليل ان اكثر ما يحكم العالم الاسلامي والعربي هم من الطبقة العسكرية، لذلك لا بد من ضياع الطاقية في كل مرة.
اخي محمد شكرا على رحابة صدرك.

المقدام

اضيف في 30 ابريل, 2007 06:27 ص , من قبل magickingdom
من المملكة العربية السعودية said:


العزيز المقدام

قد أتفق معك في عدم وجود صورة مثالية للحكم، لكن ذلك ليس عذرا لنحكم بالخداع والألاعيب.

كثير من التاريخ مزيف وملفق في ما نقرأه عن الواقع السياسي، فليس هناك حضارة تسود إلا إذا تحلت بروح المشاركة السياسية الشعبية.

كما أن القيادة متعددة الأنواع، اضعفها هي القيادة بالتخويف والترهيب، فقد يكون لها نتائج فعالة على المدى القريب، لكنها مدمرة لروح المجتمع على المدى البعيد، ولا تخدم إلا من يمارسها.

تحياتي وشكري لتعليقك ومدونتك المتميزة.

اضيف في 02 مايو, 2007 05:31 ص , من قبل badd
من مصر said:

(الغابة - الحمار - الأسد - الظلم )
مفردات المسرح السياسي العربي التي مللنا من تكرارها بنفس السيناريوهات العبيطة

اضيف في 29 يونيو, 2007 02:20 ص , من قبل الداعي
من المملكة العربية السعودية said:

مدوناتنا

يد على يد نبني عالم أخر

http://dhost.info/mdw/mu/

بتسجيلكم معنا نشجع المواقع الطيبة

اهلا وسهلا بكم



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية