المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
حكومة الظل

    لم آخذ أي دورة في القراءة السريعة، رغم أن الحاجة إليها هذه الأيام أصبحت من المتطلبات الضرورية، لكثرة المنشور من كتب وصحف ومجلات وصفحات انترنت، لكن أعتقد لو أني شاركت في أحدها فلن استطيع أن أنهي رواية بشكل سريع كما حدث معي في رواية "حكومة الظل".

 

    فبكل بساطة أمسكتني هذه الرواية بما تحتويه من أسلوب تشويقي وعرض احترافي للمعلومات التاريخية المسجلة فيها، ورفضت أن تدع عيناي تنضر لغيرها كما لو كانت حبيبة غيورة تصد رجلها عن بقية النساء، فأنهيتها في وقت قياسي (رغم أني من النوع البطيء جدا في القراءة).

 

    تتحدث الرواية عن عالم الأعمال والسياسة الخفي، وكيف أن التاريخ والأحداث مترابطة بين الماضي والحاضر والمستقبل لمن يبحث عن هذه الروابط. وقد أعجبني اختيار الكاتب لمرحلة سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، لأنها فعلا تمثل مرحلة مؤثرة لما حصل بعدها في العالم العربي والإسلامي (وما زال بعض أثرها باقٍ إلى الآن).

 

    والعجيب أن كاتب الرواية (الدكتور منذر القباني) لم يسبق أن قام بإخراج مثل هذا العمل من قبل، فهو طبيب، وهذه هي تجربته الأولى في الرواية، لكن يبدو أنه يملك الموهبة والإبداع الروائي إلى أقصى حد.

 

    كنت قد قرأت بعض التعليقات على الرواية، وكان الغالبية يشبهونها بأعمال الروائي الأمريكي دان براون صاحب "الدفنشي كود"، وأراها مشابهة لها من حيث المجال، لكنها إبداع عربي سعودي محض.

 

    الطريف في الموضوع أني اشتريت الرواية بعد تردد، وقد كنت في حاجة للمرور بمكتبة جرير، وبعدها كنت على موعد مع أحد الأصدقاء، وانتهى بنا اللقاء لأن يبيت معي تلك الليلة، وشاهد الرواية بين كتب أخرى فأمسك بها ليتعرف عليها، كان ذلك آخر ما سمعت له من صوت. فقد قضى الليل بطوله متمسكا بها، وأنا أحاول بين الفينة والفينة أن أشتت انتباهه ليعود للحديث معي، لكني استسلمت في النهاية، وتركته إلى أن فرغ من الرواية كاملة في ليلة واحدة.

 

    ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شعر أنه يجب أن ينتقم مني لمقاطعتي له أثناء القراءة، فبدأ يهددني بإخباري بعض أحداث هذه الرواية الشيقة، ليحرقها علي، وانتهى بنا الوضع لصراع جميل بالوسائد (شعرت أني طفل صغير حينها) خرج الجميع منه سالما، وخرجت أنا بقرار أن لا أضع أمام صديقي هذا أي كتاب لم أقرأه بعد.

 

    كتاب جيد، وممتع، وأنصح عشاق روايات التشويق به.
 
ثلاثة سعودي جينز

    أحتفل الأسبوع الماضي المدون العزيز أحمد عمران بمرور ثلاثة أعوام على بداية مدونته الرائعة "سعودي جينز". ولا أعلم لماذا شعرت أن احتفاله هذا لم يكن له وحده، بل هو احتفال وفرحة لنا جميعا كمدونين أو كمتابعين لكتابات المدونات.

 

    فالعزيز أحمد ليس فقط أحد أوائل الكتاب السعوديين الذين دخلوا عالم التدوين، بل هو كاتب أضاف شيئا من الروح إلى هذا العالم، وأصبحت كتاباته مصدرا مهما للمعلومات والأخبار، بل أصبحت أيضا رمزا للاستمرارية والمصداقية، وكذلك ملهمة ومشجعة لكثير من المدونين (كاتب هذه المدونة أحدهم).

 

    ليست السنوات الثلاث ولا المقالات الجيدة العديدة هي ما يجعل هذه المناسبة مميزة، بل التأثير الذي حملته هذه المدونة طوال تلك السنين. ولا أعتقد أن العزيز أحمد (كما صرح هو بنفسه) قد بدأ وفي نيته أن يترك كل هذا الأثر، وربما يكون ذلك أحد الأسباب التي جعلت حديثه وأسلوبه بسيطا ويتسلل مباشرة إلى العقل والقلب.

 

    أعتقد أن العزيز أحمد قد أحتل أكثر من مركز الريادة بين المدونين السعوديين، فقد أصبح صاحب رأي أيضا في مسيرة هذه المدونات وتميزها، وحين خاض تجربة الترشيح لأفضل عشر مدونات سعودية حققت تلك المقالة صدا جديدا بين المدونين، وأذكر أني تلقيت خبر ترشيحي عن طريق الجوال، وكذلك التبريكات والتهاني (وأصدقكم القول أني حمدت الله كثيرا عندما ذكر مدونتي بين أفضل عشر مدونات سعودية، وشعرت أني قد حصلت على شهادة الجودة).

 

    الشعور المتبادل بالثقة والمسئولية الذي يخلقه هذا النوع من المدونين يضفي جوا من الترابط والتلاحم على عالم المدونات، دون أدنى حاجة لإنشاء تجمعات "رسمية" وهمية تحاول أن تنسب لنفسها الفضل في تمثيل المدونين السعوديين.

 

    ورغم تشجيعي المستمر لإنشاء التجمعات المشتركة لأصحاب الاهتمام الواحد إلا أني أفضل أن تكون على نظام الـ"إن جي أو" (NGO) أو المنظمات غير الحكومية (كفانا منظمات حكومية)، بحيث تكون في تجمعات صغيرة ومستقلة، متوافقة في التيارات والأفكار، وممكن أن تنظم بدورها إلى تجمعات أكبر في المستقبل لتشكيل شبكة واسعة من المدونين لها تأثيرها وحضورها وفعاليتها، شرط أن تكون بالاتفاق الجماعي ومراعاة جميع الأطراف.

 

    أعود للمدون العزيز أحمد، وأقول له كل عام وأنت تكتب لمحبيك ورواد مدونتك، وأحييك على مواقفك المعتدلة وخطك المتزن الذي "يقود" حركة تدوين تنمو بشكل واقعي ومتراتب. وأتمنى لجميع مشاركي عالم التدوين أعوام سعيدة من التدوين الجميل.
 
أين يذهب الحب؟

    اعتدت في حياتي أن ألتزم الاتزان في النظر إلى الأمور، لذا لا أرغب أن أكتب عن المحزن من المواضيع فقط، وقد كان مقال الأسبوع السابق مليئا بالحزن، ومربوطا بعلاقة إنسانية جميلة أسمها الحب.

 

    ولم أستغرب عندما وجدت بعض التعليقات تحاول أن تقلل من موقع الحب في تلك الحادثة، بل وتهمشه أحيانا لتضع بعدا دينيا أو بعدا اجتماعيا للقصة، وقد لا اختلف معهم كثيرا في تأثير تلك الأبعاد، لكني أختلف مع تهميش عاطفة الحب من تلك الحكاية الملحمية.

 

    تعرفت على كثير من المسلمين (عرب وأجانب/رجال ونساء) الذين عاشوا زيجات مختلطة دينيا، وشاهدت تحولهم لدين الإسلام بسبب عاطفة الحب أولا، ثم بالتعرف على الإسلام بعد ذلك بالتدريج، وكيف تحولوا إلى محبين ومناصرين له من الدرجة الأولى، بعد أن أحبوا من عرّفهم على هذا الدين.

 

    ليست هذه هي الفكرة التي أود أن أبحثها في هذا المقال، ولكن من ملاحظتي ومتابعتي للجيل الجديد (يمكن أن نطلق عليه جيل الاتصالات مقارنة بالجيل السابق له وهو جيل الطفرة)، رفضه "وبشدة" لفكرة الحب، إما رهبة ناتجة عن مشاهدة مربكة للممارسة الاجتماعية لهذه العاطفة النبيلة، أو لالتزام فكري أو عملي يضع عاطفة الحب في مراتب متدنية من التأثير.

 

    وفي كلا الحالتين، اعتقد أن هذا الجيل يعاني من عدم قدرته على تفسير الحب بشكل يتماشى مع واقعه المتغير والمتحول بشكل يومي وسريع، وليس أمامه إلا الموروث الاجتماعي المليء بالمغالطات والتفسيرات البسيطة التي كانت تؤدي غرضها في يوم من الأيام، لكنها لا تستطيع أن تفي باحتياجات هذا الجيل ذو الثقافة والتواصل العالمي.

 

    ربما لا يكون لدي إلا نقطتين لأشارك بهما هذا الجيل وصراعه مع تقبل الحب، الأولى هي أن الحب عاطفة لا تنمو وتتحقق إلا بالممارسة والفعل، وليس كلمات أو أحاسيس تمر علينا فنتلقاها كالخيال والمطر. وهو سلوك وآلية اجتماعية مطلوبة لتطوير الفرد والأسرة والمجتمع، تتطلب الكثير من التواصل والسعي الحثيث لإزاحة الخلافات والمصاعب والعقبات التي تواجه المحبين وتهدد تعايشهم في جو من المتغيرات، ولا يكون لهذا السلوك إلا هدف واحد، هو أن تبقى على علاقة طيبة وحميمة مع من تحب، إلى أن يقضي الله الأجل بينكما.

 

    الثانية أن الحب ككل شيء آخر، يمر بمراحل التطور والتغير التي وضعها الله كسنن في كونه، فمن مراحل التعرف الأولى، إلى الخطبة والزواج، ثم مراحل الزواج بأشكالها ومتغيراتها (حيث يسقط الكثير في فخ عدم استيعاب المتغيرات والتطورات وطريقة التكيف معها)، مع بقاء جوهر الحب، وهو أن يعيش الإنسان في شراكة دائمة لمراحل الحياة وتجاربها مع إنسان آخر يضيف إليه دوما بعدا جديدا لما يحسه ويراه.

 

    لو كان لي أمنية أبعثها بين الناس فستكون أن يعيش الجميع في الحب، لكن شرط أن يكون فعلا وعملا،  وليس كلمات وأماني وأحلام فقط.
 
حب حتى الموت

    في اليوم السابع من شهر إبريل الفائت لفظت شابة عراقية صغيرة آخر أنفاسها تحت وابل من الحجارة التي قذفها بها أفراد قبيلتها. وتهمتها الوحيدة أنها أحبت شابا من طائفة أخرى، وقررت أن حياتها ستكون معه.

 

    سبعة عشر ربيعا هو كل ما تعرفه الفتاة عن قسوة المجتمع ووحشيته، ولا أعلم كم حجرا كان كافيا لإسكات أنفاسها، ولا من قام بتصوير تلك الحادثة التي استغرقت ثلاثين دقيقة، لكنها ماتت، وكان بعض أقاربها مع من شارك في عملية القتل.

 

    بعد أن طردت عن ذهني شبح الحزن والكرب من قراءتي لتلك الحادثة، أتت في بالي فكرة أخرى، وهي لماذا لا نسمع عن ما يسمى "جرائم الشرف" هنا في السعودية؟! هل مجتمعنا القبلي المحافظ بعيد عن مثل هذه الممارسات؟! أم أن هناك قصة أخرى؟!

 

    وتذكرت حينها زميلا تعرفت عليه في أحد الدورات الإدارية التدريبية، وكان هذا الزميل يعمل في "هيئة التحقيق والادعاء العام"، ويبدو أنه كان يحمل الكثير من الهموم لما يشاهده يوميا من المشاكل والقضايا، لأنه كان يتحدث إلي في كل فرصة تتاح له بين الاستراحات، وتذكرت بالتحديد قصة رواها لي بين القصص العديدة.

 

    فقد كان هذا الزميل مكلفا بفتح القضايا القديمة المعلقة، ليبدأ تحقيقا جديدا فيها، ومن بين تلك القضايا حدثني عن قصة انتحار فتاة بعد ستة أشهر من زواجها، وكان هناك شك في انتحارها، فقد وجدت جالسة على السرير وهي تحمل مسدسا يبدو أنها أطلقت منه رصاصة على نفسها، وسجلت القضية وقتها على أنها انتحار.

 

    وبعد إعادة التحقيق في القضية، تبين أن زوج الفتاه مريض نفسيا، وأنه كان دائم الشك في تصرفاتها، وأنها حاولت أكثر من مرة أن تخبر أهلها لينقذوها من هذا الوضع، لكن يبدو أن الأهل كان همهم أن لا تعود لهم أبنتهم مطلقة إلى البيت، فحصل ما حصل، وحاول الرجل مع بعض أصدقاءه التستر على الجريمة، لكن جهود رجال "هيئة التحقيق والادعاء العام" كشفت الجريمة.

 

    هل هذا هو ما يحصل إذا في كثير من ذلك النوع من الجرائم؟! وأنها تحول إلى قضايا انتحار أو هروب، فيكون نوع من التستر على "الفضيحة" بأي شكل حتى ينام البقية قريري العين. ليس لدي أي إجابة، ولكني أتساءل، وأترحم على جميع الأرواح التي تذهب هباء ليبقى الجهل هو سيد الموقف.

 

فضحتونا

    الجمعة الماضية، كنت في رحلة وسط الرمال الذهبية، في منطقة قريبة من الرياض تدعى "الثمامة"، يقصدها جميع هواة الرحلات البرية، والتطعيس (ركوب الرمال بالسيارات والدراجات النارية)، والراغبين بالعودة ولو لساعات للحياة البدوية الأصيلة.

 

    وكان معي في هذه الرحلة مجموعة من مراسلي النيويورك تايمز الذين سمعوا الكثير عن "الدزرت سفاري"، ولم يرغبوا مغادرة الرياض دون أن يشاهدوا هذه البيئة المميزة، وهذه التجربة التي يحلم بها كل غربي سمع عن الصحراء.

 

    لكن للأسف، اضطررنا أن نقطع هذه المغامرة البرية، بعد أن صاحت جميع الجوالات التي يحملونها بالتنبيهات والرسائل والاتصالات. فقد تزامن إعلان الحكومة السعودية عن القبض على أكبر مجموعة إرهابية مع الوقت الذي خصصناه لهذه النزهة.

 

    حملنا أنفسنا لنعود إلى العاصمة، وسط اعتذارات الجميع بأنهم ينبغي أن يكونوا في وسط الحدث، ليتمكنوا من تغطيته وإرسال الأخبار إلى جريدتهم أولا بأول. وحاولت أن أخفف عن الجميع أثناء عودتنا بالسيارة وأتحدث عن أن مثل هؤلاء المنتمين لهذه الجماعات الإرهابية لا يمثلون الشعب السعودي أبدا.

 

    طبعا قال الجميع أنهم يعلمون ذلك، وأنهم لم يلاقوا من "الشعب" السعودي أي مضايقات، بل أنهم كانوا محل ترحاب أينما ذهبوا. لكن أحد المراسلين أكمل تعليقه بأن هناك بعض التصرفات من ممثلي "الدولة والدين" (عرفت أنه يقصد الشرطة الدينية) الذين حصل منهم بعض التصرفات التي استغربوها.

 

    وحدثوني جميعا عن تجربتهم في اليوم السابق للذهاب إلى أحد المطاعم المشهورة في شارع التحلية بالرياض، وقد صدموا عندما شاهدوا أثناء تناولهم لطعام العشاء رجال الشرطة الدينية وهم يقتحمون المكان ويجرون معهم كل العاملين في المطعم (قرصونات وإدارة)، ويركبونهم سيارات الاحتجاز، لينقلوهم إلى مركز الشرطة الدينية.

 

    وطبعا لأنهم جميعا صحفيون ويملأهم الفضول عن أي حدث، أصروا أن يعرفوا لماذا يجر جميع هؤلاء المساكين بهذا الشكل غير الإنساني، وتوجه أحدهم إلى رجل من رجال الشرطة الدينية ليسأله عن السبب، فما كان من هذا الأخير إلا أن نظر إليه هو وزملائه، ثم قرر (هو من ذات نفسه) أن هؤلاء الأجانب يستحقون أن ينقلوا إلى المركز هم أيضا، وبدأت عمليه الشد المعهودة من مثل هؤلاء، إلا أن أحد الصحفيين تصرف بسرعة، واتصل بوزارة الخارجية، التي تحدث منها أحد المسئولين لقائد الشرطة الدينية، فأخلوا سبيلهم على الفور.

 

    كان المراسل يحكي لي هذه القصة ولسان حاله يقول كم هي بلد المتناقضات بلادكم، فمن جهة تقبض الدولة على أكبر مجموعة إرهابية، ومن جهة أخرى تشجع مثل هذا التطرف الديني، الذي يبيح لمجموعة من مدعي الفضيلة بأن يعاقبوا مجموعة من العمال الأجانب لأنهم تواجدوا في المحل وقت الصلاة.

 

    لم يكن لدي أي تعليق حينها، بل أني لم أستغرب بعد أن عرفت أن بعض المطاعم الراقية في شارع التحلية تتعرض بشكل شبه أسبوعي لمثل هذه المضايقات، فقط لأن أصحابها مستمرون على الرفض لمشاركة مسئولين "يلحون" عليهم بذلك.
 


<<الصفحة الرئيسية