المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
موسم الهجرة إلى الشمال

    لا أتحدث هنا عن الرواية الرائعة للكاتب السوداني الطيب صالح، بل عن الحالة التي تتزامن مع فترة الصيف لدينا في السعودية، حيث يتسابق الجميع على مغادرة البلاد (والفرار من الحرارة الشديدة) بحثا عن الترفيه والراحة والتغيير.

 

    ليس لدي أي تحفظات على هذه الرحلات الترفيهية، بل أني من المؤيدين لها بشدة، وكنت من المتابعين لتطور هذا السلوك في الشعب السعودي الذي لم يكن يمارسه بهذه الكثافة قبل عشر سنوات من الآن. وأصبح السائح السعودي مثل السائح الياباني في الثمانينات (الكاميرا والشورت والكاب كانت علامتهم المميزة)، يشكل علامة مميزة في السياحة العالمية.

 

    وجهتي المعتادة دبي، فأنا أعشق هذه المدينة العصرية، والتي لا ينقصها إلا درجة حرارة معتدلة في فصل الصيف، لكن فيها ما يعوض عن ذلك من خلال استحداث ما يجذب السياح كل عام، وقد سمعت السفير الهندي يتحدث عن كون مدينة دبي لوحدها يفوق عدد السياح سنويا فيها جميع السياح في كل الهند.

 

    معظم نشاطاتي عادة تتركز في مشاهدة آخر وأحدث الأفلام في المقام الأول، وقضاء بعض الوقت في البحث عن إصدارات المكتبات العربية والأجنبية الجديدة، ومتابعة المناسبات الثقافية فترة الصيف، وطبعا لا يخلو الأمر من التسوق في محلات دبي العديدة والمتنوعة.

 

    وقد تميز المشهد السياحي السعودي هذا العام بغياب لبنان كأحد أكثر البلدان العربية للسياحة، بسبب الأوضاع السياسية "الغريبة" التي تعصف بها، مما زاد الضغط على مدن أخرى مثل "لندن" و"القاهرة" التي يجد المصطافين صعوبة في الحجوزات لها هذا العام. وتبرز ماليزيا (كالعادة) كأفضل اختيار لقضاء شهر العسل للمتزوجين السعوديين، وتضل "سويسرا" هي المقصد للمتعة بجمال الطبيعة والجو البارد، وقد تنافسها "النمسا" هذا العام.

 

    المأساة السعودية تتكرر كل عام، وهي تتلخص في مشكلة "إدارة الجوازات" لدينا، حيث لا زالت البيروقراطية والتخبط الإداري هي السائد في هذه الجهة الحكومية. فلا هي راغبة في تطبيق قراراتها الجديدة مثل تقسيم إدارة جوازات منطقة الرياض إلى إدارات فرعية في الأحياء ترعاها شركات أهلية، ولا هي أوجدت الحلول الوقتية مثل مضاعفة ساعات العمل أثناء فترة الموسم.

 

    ورغم الصعوبات والتحديات، تضل تجربة السفر في الصيف من أجمل الذكريات التي تحملها الأسر السعودية في عامها، وبل وأضيف أنها من مصادر التوسع الثقافي والانفتاح الفكري التي تساعد على تجهيز المجتمع السعودي للقرن الواحد والعشرين، ولعالم "العولمة" الجديد والواسع. فأين تنوي السفر هذا العام؟
 
سعودي شيوعي

    لا أعلم لماذا تستهويني في بعض الأحيان النقاشات مع الأصحاب والأصدقاء عن الأحداث الكبيرة التي مرت بالمملكة العربية السعودية، فربما تكون نوعا من التدريب العقلي على تحليل الواقع (مع انعدام توافر المعلومات)، أو قد تكون نوعا من "الترف" الفكري الذي نقضي به أوقاتنا، لكننا نفعلها على كل حال.

 

    وكان في أحد الأيام أن تطرقنا إلى موضوع الخلاف الكبير بين الملكين الراحلين "سعود" و"فيصل" أبناء الملك عبدالعزيز (رحمة الله عليهم جميعا)، وطريقة التنحية العسيرة التي واجهها الملك سعود بعد أن أقصي من منصبه كملك، ليحل محله الملك الجديد فيصل.

 

    وكل ما كان يمكن أن يحصل عليه أحد من رأي الشارع في ذلك الوقت هو الشائعات التي ترددت عن إفلاس الخزينة السعودية، وعن "المكرمات" المتزايدة للملك سعود التي أدت لهذا الإفلاس، وكيف أن تدخل الملك فيصل الحكيم كان في محله.

 

    وبعد الإفصاح عن وثائق جديدة من قبل الحكومة البريطانية منذ فترة بسيطة (ليت يكون لدينا مثل هذا النظام)، تبين أن الأمر هو في محوره صراع سياسي، حيث كانت الحكومات الغربية ترتاب من توجهات الملك سعود في التصالح مع الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وأن ذلك قد يؤثر في مصالحها في المنطقة ويزيد من نفوذ الاتحاد السوفييتي فيها.

 

    وكثير من الأحداث التي تلت هذه كانت متأثرة بها، ومنها حادثة مقتل الملك فيصل بعد ذلك، وكان السبب المعلن ذلك الوقت هو الاختلافات العائلية والثأر بين الأعمام، ولكن معلومات أخرى توضح أن القاتل كان يأمل أن يقف في وجه "الامبيريالية" المستفحلة في السعودية. وكذلك الحركة المعروفة باسم "الأمراء الأحرار" على وزن الضباط الأحرار في مصر.

 

    كل تلك الأحداث كانت مرتبطة بشكل قوي بالحرب الباردة بين ما يعرف بالمعسكر الشيوعي والمعسكر الرأس مالي. وكنت منذ بدأت محاولاتي لتحليل الأوضاع والأحداث السياسية أضع هذا الصراع كمحور أساسي في تحليلي، ولازلت أفعل ذلك رغم ما يقال عن انتهاء هذه الحرب، أو عن تسيد المجتمع الرأس مالي في ما صار يعرف "بالنظام العالمي الجديد".

 

    وقد تكون معرفتنا ببعض هذه الأمور تفسر لنا الموقف العدائي الأمريكي (خاصة عند تولي الجمهوريين للرئاسة)، الذي يستمر في التصاعد وشن الهجمات العسكرية والدبلوماسية في ما صار يعرف "بالحرب على الإرهاب". والهدف منه هو القضاء على أية بادرة أمل في عودة المعسكر الاشتراكي للحركة من جديد.

 

    فهل كان من الممكن أن تكون السعودية بلدا اشتراكية (أو حتى شيوعية) في يوم من الأيام؟! وهل ما زال بعض المفكرين السعوديين يحملون هذا الفكر لدينا؟! وهل انتهي الفكر الاشتراكي فعلا في كل مكان بغير رجعة؟! كلها تساؤلات لا بد أن أنتظر للإجابة عليها لنقص المعلومات والنقاشات المفتوحة في هذا الموضوع؟
 
رجال القدر

    مات "الشيخ" منذ يومين، مات بعد أن تحققت أمنيه الشاب في أن يراه، وأن يقرأ عينيه، ويحاول أن يسجل في تاريخه أنه عرف أن يصنفه في كونه من رجال الحقيقة، وأن ما سجله التاريخ عنه لم يكن مجاملة لمنصبه الكبير ولا لجاهه ولا لوجاهته في القبيلة.

 

    جمعته به لحظة لا يحسده عليها أحد، فقد أراد أن يلقنه درسا في التواضع لجبروت المجتمع، وأن يعلم المثقف الصغير كيف ينبغي أن ينطلق من حضن المجتمع والناس، حتى يتسنى له فعلا أن يصلح الاثنين.

 

    أدخله إلى عرين الملوك، وأراد أن يريه أين استطاع أن يوصله عقله الباحث عن الحقيقة، وهو أبن الصحراء البسيط الذي تنبأ له في يوم من الأيام شيخ كبير التقاه تحت شجرة في الصحراء، وأخبره أنه سيصبح ذا شأن في مستقبل الدولة الفتيه.

 

    حاشية الشيخ تنقله من مكان إلى آخر، تمر به على شخصيات ومسئولين لا يراهم إلا في نشرات الأخبار أو الصفحات الأولى للجرائد، وهو يسأل في استفهام: "لماذا تم استدعائي؟!" فلا يسمع إلا كلمة واحدة: "الشيخ يبيك"!

 

    يستسلم لقدره المؤقت، ولطريقة استدعائه "البوليسية"، التي لم تترك شك لديه بأن "لسانه الطويل" قد أوقعه في مطب آخر من المطبات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي تعود أن يمر بها، لكنه لم يسبق أن وضعت كلماته على هذا المستوى العالي من تأنيب المسئولين.

 

    لقد كان يحبه قبل أن يراه، وعندما عرف من هو "الشيخ" الذي يقصدون خفت ضربات قلبه، وشعر بطمأنينة وراحة، وعرف أنه لن يظلم في مكان يجمعه "بالشيخ". لكنه لا زال يتساءل لماذا استدعاه رجل ليس بينهما سابق معرفة، ولا صلة قرابة، ولى حتى ارتباط بعمل!!

 

    حين التقى بالشيخ، كان الشيخ محاطا بطلاب المنفعة، وأصحاب العمل، والمراجعين، فكان مكتبه كخلية نحل لا تتوقف عن العمل. فجلس الشاب في انتظار أن يأتي دوره للحديث مع الشيخ، لكن الأمر كان يطول ويطول. وقد لاحظ الشاب أن الشيخ ينظر إليه بين فترة وأخرى، فتلتقي أعينهم بما يشبه التواعد على أن لقائهما سيكون قريبا، مع بعض التحدي والاستفسار عن الروح التي تختفي خلف العينين.

 

    وحين حانت لحظة اللقاء، دخل الشيخ إلى مكتب خاص، وأحضر الشاب معه، وأقعده ليستمع بينما يتحدث الشيخ إلى وزير ثقافة بلد عربي، وكاتب مرموق من بلد عربي آخر، ومجموعة من منتسبي الثقافة الذين ما توقفوا يمدحون كتاب الشيخ الأخير، وفجأة بين ذلك كله، هجم على الشاب بالسؤال عن دوافعه للحديث عن أمر معين، وعن عدم الاحتساب لعواقب مثل هذه الأمور، وأصبح كالأستاذ الذي يقرع تلميذا على عدم قيامه "بالواجب".

 

    وبعد أن انفض المجلس، أمسك بيد الشاب، ومال عليه كمن يريد أن يسأله عن مصدر تلك الأفكار، فشعر الشاب أن السبب الوحيد لاستدعاء الشيخ له هو استغرابه للكلمات التي تفوه بها في أحد المجالس العامة، وكان واقع الحال يقول أن كل همسة يمكن أن تصل لأجهزة الدولة حتى لو كانت بين المرء ونفسه داخل تلال من رمال الصحراء.

 

    ختم الشيخ لقاءه بالشاب بنصحه مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان ينصح بلغة الأب الحنون، ويذكر الشاب أن الإنسان يستطيع أن يعتقد ما يشاء، لكنه ينبغي أن يراعي من حوله عندما يتكلم، فالكلمة كالسيف المسلط، عندما تنطلق لابد أن تحدث أثرا.

  

    رحمة الله على الشيخ عبدالعزيز التويجري، فقد كان رجل ثقافة ودولة، وكان أيضا إنسانا معذبا بالبحث عن الحقيقة، فأرجوا أن يكون قد وجد جوابا لها يريحه في مثواه الأخير.

 

ماذا تريد النساء

    أذكر أني منذ سنوات شاهدت فيلما رائعا للممثل القدير ميل جيبسون وكان عنوانه "ماذا تريد النساء" (what women want)، ويناقش بشكل كوميدي قضية الرجال الأزلية في محاولة فهم المرأة (وفشلهم الدائم في ذلك). وما أعاد هذا الفيلم إلى ذاكرتي هو بريد إلكتروني مميز وردني من صديقة عزيزة، وقد رأيت فيه شيئا يستحق المشاركة.

 

في عصر الممالك القديمة في أوروبا، قامت إحدى الممالك بمحاصرة الأخرى، تريد أن تستولي عليها وأن تقضي على ملكها، ولما وصل الأمر إلى الملك أرسل سفراءه ليستعلم عن سبب هذا الاعتداء المفاجئ، وكيف يمكن أن ينتهي ويحفظ الملك مملكته. وعاد إليه الرد بأنه من الممكن أن ينتهي الحصار وألا يحكم على الملك بالموت إذا تمكن من الإجابة عن السؤال التالي: ماذا تريد النساء؟


رجع الملك إلى حاشيته وجمع المفكرين والفلاسفة وجمع نساء الدولة وفتياتها على أن يتمكن أحد من الإجابة على السؤال، ولكن دون جدوى، في النهاية قدم أحد أفراد الحاشية نصيحة للملك بأن يذهب إلى إحدى العرافات، وبالفعل ذهب الحاكم ليسأل إحدى العرافات وسألها، فقالت له: "يمكنني أن أعطيك الإجابة لتنقذ بها مملكتك وحياتك، ولكن ما هو الثمن؟"، فأجابها: "كل ما تريدين، أعطيك نصف مالي، وبساتيني، وكل ما تطلبينه أيضاً"، فردت الساحرة وكانت كبيرة في السن: "لا حاجة لي في بساتينك، فقط أريد أن أتزوج أجمل رجال حاشيتك، النبيل ألفريد!"


اندهش الملك من طلبها ورفض أن يحقق لها رغبتها، فهو لا يرغب أيضاً في أن يوتر علاقته بالنبيل والفارس ألفريد. عاد الملك إلى القصر ليجد أفراد حاشيته ينتظرون نتيجة المقابلة ولكنه لم يخبرهم لكي لا يصل الأمر إلى صديقه النبيل. وفي صباح اليوم التالي جاء إليه النبيل الفريد وقال له: "لماذا أخفيت علينا إجابة الساحرة؟ ألا تعلم أن أي ثمن لن يكون باهظاً مقابل الحفاظ على حياتك والحفاظ على مملكتك؟ إنني على استعداد للزواج من الساحرة".

 

وبالفعل ذهب الملك إلى الساحرة مرة أخرى وطلب منها الإجابة وقال لها: "لقد وافقت على أن تتزوجي أجمل النبلاء في قصري، النبيل ألفريد". فقالت له الساحرة: "وأنا أمنحك الإجابة، إن ما تريده المرأة حقاً هو أن تترك لها حرية الاختيار".


ذهب الملك بعد ذلك وأرسل مراسليه إلى قائد الجيش الذي يحاصر قلعته وأخبره بالإجابة وانتهى أمر الحصار وعادت المملكة سالمة للملك. وفي يوم زفاف النبيل ألفريد على الساحرة ذات السن الكبيرة والوجه القبيح، فوجئ النبيل بالمرأة التي تزوجها قد تحولت إلى امرأة غاية في الجمال والصبا، وعندما سألها عن سر هذا التحول في وجهها قالت له: "لأنك وافقت أن تتزوجني فقد قررت أن أمنحك فرصة وعليك الاختيار، إما أن أبقى قبيحة طوال النهار وأن أتحول إلى امرأة جميلة في الليل، وإما أن أتحول إلى امرأة جميلة في النهار وأن أعود إلى حالتي الطبيعية في الليل".


أخذ النبيل يفكر في الاختيار الصعب ولكنه أجاب: "سأمنحك أنتِ الاختيار". فقالت له الساحرة: "إذاً أظل جميلة طوال النهار والليل".

 

    هل هذه هي الإجابة فعلا؟! لا أعلم، فالإنسان بشكل عام سر من أسرار الخالق، ففيه جزء من روح الله التي نفخها فيه، وتلك الروح لا يعلم أمرها إلا خالقها، لكني متأكد أنها جزء من الحل.

 

"إذا منحت المرأة حرية الاختيار فستحصل على أجمل النتائج"
 


<<الصفحة الرئيسية