مات "الشيخ" منذ يومين، مات بعد أن تحققت أمنيه الشاب في أن يراه، وأن يقرأ عينيه، ويحاول أن يسجل في تاريخه أنه عرف أن يصنفه في كونه من رجال الحقيقة، وأن ما سجله التاريخ عنه لم يكن مجاملة لمنصبه الكبير ولا لجاهه ولا لوجاهته في القبيلة.
جمعته به لحظة لا يحسده عليها أحد، فقد أراد أن يلقنه درسا في التواضع لجبروت المجتمع، وأن يعلم المثقف الصغير كيف ينبغي أن ينطلق من حضن المجتمع والناس، حتى يتسنى له فعلا أن يصلح الاثنين.
أدخله إلى عرين الملوك، وأراد أن يريه أين استطاع أن يوصله عقله الباحث عن الحقيقة، وهو أبن الصحراء البسيط الذي تنبأ له في يوم من الأيام شيخ كبير التقاه تحت شجرة في الصحراء، وأخبره أنه سيصبح ذا شأن في مستقبل الدولة الفتيه.
حاشية الشيخ تنقله من مكان إلى آخر، تمر به على شخصيات ومسئولين لا يراهم إلا في نشرات الأخبار أو الصفحات الأولى للجرائد، وهو يسأل في استفهام: "لماذا تم استدعائي؟!" فلا يسمع إلا كلمة واحدة: "الشيخ يبيك"!
يستسلم لقدره المؤقت، ولطريقة استدعائه "البوليسية"، التي لم تترك شك لديه بأن "لسانه الطويل" قد أوقعه في مطب آخر من المطبات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي تعود أن يمر بها، لكنه لم يسبق أن وضعت كلماته على هذا المستوى العالي من تأنيب المسئولين.
لقد كان يحبه قبل أن يراه، وعندما عرف من هو "الشيخ" الذي يقصدون خفت ضربات قلبه، وشعر بطمأنينة وراحة، وعرف أنه لن يظلم في مكان يجمعه "بالشيخ". لكنه لا زال يتساءل لماذا استدعاه رجل ليس بينهما سابق معرفة، ولا صلة قرابة، ولى حتى ارتباط بعمل!!
حين التقى بالشيخ، كان الشيخ محاطا بطلاب المنفعة، وأصحاب العمل، والمراجعين، فكان مكتبه كخلية نحل لا تتوقف عن العمل. فجلس الشاب في انتظار أن يأتي دوره للحديث مع الشيخ، لكن الأمر كان يطول ويطول. وقد لاحظ الشاب أن الشيخ ينظر إليه بين فترة وأخرى، فتلتقي أعينهم بما يشبه التواعد على أن لقائهما سيكون قريبا، مع بعض التحدي والاستفسار عن الروح التي تختفي خلف العينين.
وحين حانت لحظة اللقاء، دخل الشيخ إلى مكتب خاص، وأحضر الشاب معه، وأقعده ليستمع بينما يتحدث الشيخ إلى وزير ثقافة بلد عربي، وكاتب مرموق من بلد عربي آخر، ومجموعة من منتسبي الثقافة الذين ما توقفوا يمدحون كتاب الشيخ الأخير، وفجأة بين ذلك كله، هجم على الشاب بالسؤال عن دوافعه للحديث عن أمر معين، وعن عدم الاحتساب لعواقب مثل هذه الأمور، وأصبح كالأستاذ الذي يقرع تلميذا على عدم قيامه "بالواجب".
وبعد أن انفض المجلس، أمسك بيد الشاب، ومال عليه كمن يريد أن يسأله عن مصدر تلك الأفكار، فشعر الشاب أن السبب الوحيد لاستدعاء الشيخ له هو استغرابه للكلمات التي تفوه بها في أحد المجالس العامة، وكان واقع الحال يقول أن كل همسة يمكن أن تصل لأجهزة الدولة حتى لو كانت بين المرء ونفسه داخل تلال من رمال الصحراء.
ختم الشيخ لقاءه بالشاب بنصحه مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان ينصح بلغة الأب الحنون، ويذكر الشاب أن الإنسان يستطيع أن يعتقد ما يشاء، لكنه ينبغي أن يراعي من حوله عندما يتكلم، فالكلمة كالسيف المسلط، عندما تنطلق لابد أن تحدث أثرا.
رحمة الله على الشيخ عبدالعزيز التويجري، فقد كان رجل ثقافة ودولة، وكان أيضا إنسانا معذبا بالبحث عن الحقيقة، فأرجوا أن يكون قد وجد جوابا لها يريحه في مثواه الأخير.








