المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
بريك رمضان

    عام آخر من التدوين، مر كالسحاب في سمائنا الإلكترونية، وتنوعت أحداثه وتفاوتت حتى رأينا تقريبا جميع الفصول على ملامح المدونات. فمع الصيف الساخن كانت لقاءات المدونين والمدونات السعوديين، يجتمعون ويخلقون نوعا جديدا من الثقافة الاجتماعية، ثقافة الجيل الافتراضي.

 

    وبدخول الخريف بدأ الفتور يفت عضد بعض الأقلام، فمنها من يتأخر عن الكتابة، والبعض الآخر توقف عن الكتابة كليا، وبتفاوت نسائم الخريف بين الإمطار والجدب، استمرت روح التدوين هي الغالبة على ذلك المناخ المتقلب.

 

    شتاء المدونات كان باردا هذا العام، حيث حدثت أول العواصف في ساحة المدونات السعودية، وتعرض بعض المدونين للمسائلة من قبل أجهزة الدولة، وارتجفت فرائص البقية المتابعة، واشتعلت نار الغيرة على المدونات من هذا التعدي، وظهرت التعليقات والتأييدات بين المدونات، وانتهى الشتاء على خير، وبقى روح النقد والإصلاح فيها دافئا.

 

    وبعودة عطور الربيع أزهرت مدونات جديدة في سماء الكتابة، وزاد زخم المشاركة والتفاعل، وتراكمت الخبرات، وبدأ نوع من عودة الروح والتجديد والإبداع يسري في الجديد والقديم منها، وبدت الصورة أكثر وضوحا لمن كان يسأل نفسه لماذا أدون؟

 

    في شهر رمضان الحالي (مبارك على الجميع الشهر)، سأتوقف عن الكتابة المعتادة، وسأبدأ في إكمال الرواية التي بدأتها رمضان السابق "نافذة على الرمال". سأضع قدم فوق أخرى واستلقى واستمتع بروح الشهر الفضيل. أتمنى للجميع شهرا جميلا وعاما جديدا مليء بالتدوين والإبداع والجمال.

أي فكر (ثقافة) نحتاج

    استثارتني بعض التعليقات على مقالي السابق "مطالعات في الدين والإسلام والعصر"، خاصة ذلك التساؤل الذكي من المدونتين العزيزتين المميزتين ليال وإنتروبي، الذي في اعتقادي أنه يدور حول كوننا نغوص كثيرا في تحليل العقبات والتحديات التي تواجه الإصلاح في المجتمع، لكننا نخرج في النهاية خالي الوفاض لأن المشكلة مستعصية الحل (حسب رأي العزيزة إنتروبي)، أو لا نستطيع أن نجد الفكر الذي يتناسب مع الفترة الحالية التي نمر بها (حسب رأي العزيزة ليال).

 

    وأوافق العزيزتين أن هذا الوضع "يبدو" أنه صعب التعامل معه (خاصة على مستوى الفرد)، لكني موقن أن العزيزتين (وكثير من أفراد المجتمع) تمارسان من السلوكيات التي تتضمن الكثير من الإجابة على هذه التساؤلات، لكن "العقدة" تكمن في عدم تعميم هذه السلوكيات على جميع قضايانا المعيشية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

 

    ولتوضيح الأمر سأتخيل العزيزة إنتروبي قبل مغادرتها أرض الوطن للذهاب إلى أمريكا، وأنها عندما فكرت بوسيلة المواصلات التي ستقلها إلى هناك لم يساورها أي شك في أنها ستذهب بالطائرة، ولو افترضنا أنه كان لديها تردد في ركوب الطائرة لأنها "منتج غير إسلامي" مثلا، أو أنها "لا تتماشى مع العادات والتقاليد"، فلن يبقى لديها إلا "الجمل" ليكون وسيلتها في هذه الرحلة، وعندها ستواجه مشاكل لا تحصى ولا تعد من الصعوبات والتحديات لمجرد تفكيرها بطريقة "غير عصرية".

 

    ولو افترضنا أيضا أن العزيزة ليال أرادت أن تتواصل مع صديقاتها في بلدها الجميل البحرين، أو تطمأن على أناس عزيزين عليها خارج البلاد، وعندما اقترح عليها أحد الأصدقاء أن تشتري "جوالا"، رفضت بحجة أن الجوال يأتي من بلاد غربية، أو أن البلد المصنع للجوال يساهم في القضاء على قضايانا العربية، فهل سيكون "الحمام الزاجل" طريقة "واقعية" للتواصل في القرن الواحد والعشرين؟!

 

    طبعا مع الاعتذار الشديد للعزيزتين ليال وإنتروبي لاستخدامهما في هذا المثال التوضيحي، لكن التحدي الحقيقي لنا كبشر أن نستطيع أن نستخدم أدوات "العصر" في التعامل مع قضايانا "الراهنة"، وأن لا نتردد في "استجلاب" سواء الوسائل التكنولوجية الحديثة (وليس لدينا مشكلة في هذه) أو الوسائل "الفكرية" الحديثة (وتلك هي مصيبتنا).

 

    لقد أصابنا داء نجت منه كثير من المجتمعات الأخرى، وهو اعترافنا أننا متخلفون في كل شيء تقني، لكن في نفس الوقت نعلن للعالم أننا فكريا وثقافيا وحضاريا نسمو فوق الجميع، وأننا لسنا في حاجة إلا للمنتجات التقنية، أما الفكر والثقافة والعلم فنحن من يجب أن يتبعنا "الآخرون" فيها، وهذه حالة للأسف أشاهدها يوميا ليس في أوساط العامة فقط بل بين المثقفين والمتعلمين من الجنسين.

 

    عندما كتبت عن خاتمي أردت أن أشير لنجاحه "المتميز" وسط دوله تموج بالتحديات الثقافية والاجتماعية، وقد كانت أكبر وسيلة مكنته من هذا التفوق "المرحلي" هي تبنيه للفكر والثقافة الغربية في إدارة الحملة الانتخابية. فلو كان استخدم أي طريقة أخرى لم يكتب له النجاح، ولضل كما ضللنا نحن في جدل دائم عن "الجمل" و"الحمام الزاجل".
 


<<الصفحة الرئيسية