المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
أي فكر (ثقافة) نحتاج

    استثارتني بعض التعليقات على مقالي السابق "مطالعات في الدين والإسلام والعصر"، خاصة ذلك التساؤل الذكي من المدونتين العزيزتين المميزتين ليال وإنتروبي، الذي في اعتقادي أنه يدور حول كوننا نغوص كثيرا في تحليل العقبات والتحديات التي تواجه الإصلاح في المجتمع، لكننا نخرج في النهاية خالي الوفاض لأن المشكلة مستعصية الحل (حسب رأي العزيزة إنتروبي)، أو لا نستطيع أن نجد الفكر الذي يتناسب مع الفترة الحالية التي نمر بها (حسب رأي العزيزة ليال).

 

    وأوافق العزيزتين أن هذا الوضع "يبدو" أنه صعب التعامل معه (خاصة على مستوى الفرد)، لكني موقن أن العزيزتين (وكثير من أفراد المجتمع) تمارسان من السلوكيات التي تتضمن الكثير من الإجابة على هذه التساؤلات، لكن "العقدة" تكمن في عدم تعميم هذه السلوكيات على جميع قضايانا المعيشية والاجتماعية والسياسية وغيرها.

 

    ولتوضيح الأمر سأتخيل العزيزة إنتروبي قبل مغادرتها أرض الوطن للذهاب إلى أمريكا، وأنها عندما فكرت بوسيلة المواصلات التي ستقلها إلى هناك لم يساورها أي شك في أنها ستذهب بالطائرة، ولو افترضنا أنه كان لديها تردد في ركوب الطائرة لأنها "منتج غير إسلامي" مثلا، أو أنها "لا تتماشى مع العادات والتقاليد"، فلن يبقى لديها إلا "الجمل" ليكون وسيلتها في هذه الرحلة، وعندها ستواجه مشاكل لا تحصى ولا تعد من الصعوبات والتحديات لمجرد تفكيرها بطريقة "غير عصرية".

 

    ولو افترضنا أيضا أن العزيزة ليال أرادت أن تتواصل مع صديقاتها في بلدها الجميل البحرين، أو تطمأن على أناس عزيزين عليها خارج البلاد، وعندما اقترح عليها أحد الأصدقاء أن تشتري "جوالا"، رفضت بحجة أن الجوال يأتي من بلاد غربية، أو أن البلد المصنع للجوال يساهم في القضاء على قضايانا العربية، فهل سيكون "الحمام الزاجل" طريقة "واقعية" للتواصل في القرن الواحد والعشرين؟!

 

    طبعا مع الاعتذار الشديد للعزيزتين ليال وإنتروبي لاستخدامهما في هذا المثال التوضيحي، لكن التحدي الحقيقي لنا كبشر أن نستطيع أن نستخدم أدوات "العصر" في التعامل مع قضايانا "الراهنة"، وأن لا نتردد في "استجلاب" سواء الوسائل التكنولوجية الحديثة (وليس لدينا مشكلة في هذه) أو الوسائل "الفكرية" الحديثة (وتلك هي مصيبتنا).

 

    لقد أصابنا داء نجت منه كثير من المجتمعات الأخرى، وهو اعترافنا أننا متخلفون في كل شيء تقني، لكن في نفس الوقت نعلن للعالم أننا فكريا وثقافيا وحضاريا نسمو فوق الجميع، وأننا لسنا في حاجة إلا للمنتجات التقنية، أما الفكر والثقافة والعلم فنحن من يجب أن يتبعنا "الآخرون" فيها، وهذه حالة للأسف أشاهدها يوميا ليس في أوساط العامة فقط بل بين المثقفين والمتعلمين من الجنسين.

 

    عندما كتبت عن خاتمي أردت أن أشير لنجاحه "المتميز" وسط دوله تموج بالتحديات الثقافية والاجتماعية، وقد كانت أكبر وسيلة مكنته من هذا التفوق "المرحلي" هي تبنيه للفكر والثقافة الغربية في إدارة الحملة الانتخابية. فلو كان استخدم أي طريقة أخرى لم يكتب له النجاح، ولضل كما ضللنا نحن في جدل دائم عن "الجمل" و"الحمام الزاجل".
 
جنس الغباء

    دخلت مع أحد الأصدقاء في مناقشة حول المشاكل التي يعانيها جيل الشباب في مسألة الزواج، فبالإضافة للأعباء المادية والتكلفة العالية التي وصلت إليها مناسبات حفلات الزفاف لدينا، يطل شبح آخر هو فشل الحياة الزوجية بسبب الخلافات الناتجة عن التباعد الفكري بين الزوجين.

 

    وكان صديقي هذا دائما ما يشن حربا كلامية على المرأة السعودية (وخاصة النجدية)، يحملها فيها فشل العلاقات الزوجية بسبب جهلها وتمسكها بأنماط اجتماعية لا توفر الحياة الزوجية "العصرية" السعيدة بالنسبة للرجل. وكنت دائما ما أتهمه بالعنصرية مازحا (هو أقرب للعصبية الذكورية).

 

    وفي المقابل كثيرا ما أسمع انتقادات مشابهة من الفتيات السعوديات للرجل السعودي، واصفينه بالتعصب والانغلاق الفكري والأنانية وعدم القدرة على تحمل المسئولية والخلو التام من الرومانسية. ويجتمعن مع صديقي في رأي واحد هو أن المشكلة أصلها كونهن/كونهم سعوديات/سعوديين، وأن الحل الوحيد هو البحث عن شريك من خارج الحدود (صديقي يقترح المرأة الآسيوية لأنها تجمع ما بين المعاصرة وروح المحافظة الشرقية، أما "معظم" الفتيات قد وضعن رأيهن في الرجل "الايطالي"، ربما لأنه يجمع ما بين دخول الدم العربي عليه لكن مع بقاء البريق الأوروبي في طابعه العام).

 

    صراحة أنا أتفق معهم جميعا (بشكل جزئي طبعا)، فالمرأة والرجل في المجتمع السعودي يكونون في الغالب غير قادرين على الخروج عن الصورة النمطية الاجتماعية المفروضة على الحياة الزوجية، والتي تكون غالبا مبنية على ما يريده ويفرضه المجتمع عن كيفية طبيعة العلاقة بين الزوجين. لكني أختلف معهم في تحليل طبيعة المشكلة، فلا يمكن أن يكون السبب كونهم سعوديون فقط، وكذلك لا يمكن أن يكون الحل في الزواج من خارج الحدود.

 

    ولو أردنا أن نصف عدم القدرة على الخروج من هذه الصورة النمطية من قبل الرجل والمرأة بـ"الغباء الاجتماعي"، لوجدنا أن نسبة كبيرة من المجتمع السعودي مصابين بهذا الداء، ولكنه ليس خاص بهم فقط، فهو موجود في بقية المجتمعات والأعراق الأخرى، مع فارق في العادات والتقاليد. والمثير في الأمر أن هناك تشابه كبير بين المصابين بهذا "الغباء" من كل الجنسيات، ولا أنسى تعابير وجه صاحبي عندما سمع صديق أجنبي يشتكي من مشاكله الزوجية فلم يملك إلا أن يتعجب ويقول: "حتى في أمريكا عندهم زي مشاكلنا!!!".

 

    وكما أن التشابه في الغباء عالمي فكذلك التشابه في الذكاء أيضا، وأكثر من يعلم ذلك هم من حصلت لهم فرصة تكوين صداقات من جنسيات حول العالم، فالإنسان لا ينفك من التعجب من مقدار التشابه في العقليات والميول والأهواء بين الأصدقاء حتى وإن كانوا من جنسيات مختلفة.

 

    فما هو الحل إذا؟! الحل بكل بساطة هو في البحث عن "الذكاء" في الشريك، وجعله على قائمة المعايير المطلوبة، وليس هناك حاجة للبحث خارج الحدود، فالبلد مليئة بالشباب والشابات ذوي الوعي العالي والثقافة المتميزة، وليس على الفرد إلا أن يسعى بجهد، وأن لا ييأس من المحاولات الأولى.

 

((سؤال سمعته في قناة سوا الإذاعية: هل يستطيع الرجل التعامل مع المرأة الذكية؟ أجوبة الرجل العربي: "ينبغي أن يكون الرجل ذكيا بما فيه الكفاية ليمنع زوجته من أن تصل لهذا المستوى"، "الرجل العاقل لا بد أن يختار امرأة أقل منه ذكاء"، "أصلا لا يمكن أن يحدث مثل ذلك لأن النساء ناقصات عقل ودين وليس هناك امرأة ذكية")).
 
سينما ومظاهرات

    أكتب جزءا من هذه المقالة استجابة لدعوة المدون المخضرم فؤاد الفرحان، تفاعلا مع خبر اعتصام خمسة عشر امرأة سعودية وسبعة أطفال أمام مديرية مباحث منطقة القصيم. وكان ذلك في السادس عشر من هذا الشهر، وقد قامت إحدى المعتصمات بنشر هذه الرسالة على الهاتف الجوال:

 

"اعتصمنا نطالب بمحاكمة أزواجنا علنياً بوجود محامين. وبتوقيف التعذيب. وبنقلهم إلى القصيم. وبإشراف القضاء على السجون. عددنا خمس عشرة إمرأة وسبعة أطفال. نحن الآن محاصرات أمام مديرية مباحث القصيم. تحاصرنا قوة الشغب وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المتحدثة: ريما الجريش

زوجة المعتقل محمد الهاملي."

 

    ما يقومون به يستحق الإشادة فعلا، وليس أقل من أن نقف معهم بالكلمة والتأييد، فهم يمثلون مطالب العديد من الشعب السعودي. ومن أراد متابعة الأحداث فيمكنه زيارة موقع المدون فؤاد الفرحان.

 

    وفي نفس اليوم كنت أقرأ عن تظاهرة سعودية أخرى، لكنها في مجال مختلف، فقد أعلن عن البدء بفعاليات "مهرجان جدة للعروض المرئية". والذي يشارك به العديد من المخرجين السعوديين والخليجيين بأفلام قصيرة ووثائقية منوعة.

 

    لمن لم يجد الرابط بين هذين الموضوعين فهو إشارة للتغيرات التي تجري في المجتمع السعودي، حيث صرنا نسمع ونشاهد كل يوم مزيدا من الحركة والتجديد في مجتمع أقل ما يمكن أن يوصف به أنه محافظ حتى الجمود.

 

    وبين مستبشر ومتذمر بهذه التطورات الحادثة في المجتمع السعودي، أسجل رأيي الشخصي في كل ذلك بأن أقول: "مرحبا برياح التغيير".

 

موسم الهجرة إلى الشمال

    لا أتحدث هنا عن الرواية الرائعة للكاتب السوداني الطيب صالح، بل عن الحالة التي تتزامن مع فترة الصيف لدينا في السعودية، حيث يتسابق الجميع على مغادرة البلاد (والفرار من الحرارة الشديدة) بحثا عن الترفيه والراحة والتغيير.

 

    ليس لدي أي تحفظات على هذه الرحلات الترفيهية، بل أني من المؤيدين لها بشدة، وكنت من المتابعين لتطور هذا السلوك في الشعب السعودي الذي لم يكن يمارسه بهذه الكثافة قبل عشر سنوات من الآن. وأصبح السائح السعودي مثل السائح الياباني في الثمانينات (الكاميرا والشورت والكاب كانت علامتهم المميزة)، يشكل علامة مميزة في السياحة العالمية.

 

    وجهتي المعتادة دبي، فأنا أعشق هذه المدينة العصرية، والتي لا ينقصها إلا درجة حرارة معتدلة في فصل الصيف، لكن فيها ما يعوض عن ذلك من خلال استحداث ما يجذب السياح كل عام، وقد سمعت السفير الهندي يتحدث عن كون مدينة دبي لوحدها يفوق عدد السياح سنويا فيها جميع السياح في كل الهند.

 

    معظم نشاطاتي عادة تتركز في مشاهدة آخر وأحدث الأفلام في المقام الأول، وقضاء بعض الوقت في البحث عن إصدارات المكتبات العربية والأجنبية الجديدة، ومتابعة المناسبات الثقافية فترة الصيف، وطبعا لا يخلو الأمر من التسوق في محلات دبي العديدة والمتنوعة.

 

    وقد تميز المشهد السياحي السعودي هذا العام بغياب لبنان كأحد أكثر البلدان العربية للسياحة، بسبب الأوضاع السياسية "الغريبة" التي تعصف بها، مما زاد الضغط على مدن أخرى مثل "لندن" و"القاهرة" التي يجد المصطافين صعوبة في الحجوزات لها هذا العام. وتبرز ماليزيا (كالعادة) كأفضل اختيار لقضاء شهر العسل للمتزوجين السعوديين، وتضل "سويسرا" هي المقصد للمتعة بجمال الطبيعة والجو البارد، وقد تنافسها "النمسا" هذا العام.

 

    المأساة السعودية تتكرر كل عام، وهي تتلخص في مشكلة "إدارة الجوازات" لدينا، حيث لا زالت البيروقراطية والتخبط الإداري هي السائد في هذه الجهة الحكومية. فلا هي راغبة في تطبيق قراراتها الجديدة مثل تقسيم إدارة جوازات منطقة الرياض إلى إدارات فرعية في الأحياء ترعاها شركات أهلية، ولا هي أوجدت الحلول الوقتية مثل مضاعفة ساعات العمل أثناء فترة الموسم.

 

    ورغم الصعوبات والتحديات، تضل تجربة السفر في الصيف من أجمل الذكريات التي تحملها الأسر السعودية في عامها، وبل وأضيف أنها من مصادر التوسع الثقافي والانفتاح الفكري التي تساعد على تجهيز المجتمع السعودي للقرن الواحد والعشرين، ولعالم "العولمة" الجديد والواسع. فأين تنوي السفر هذا العام؟
 
ماذا تريد النساء

    أذكر أني منذ سنوات شاهدت فيلما رائعا للممثل القدير ميل جيبسون وكان عنوانه "ماذا تريد النساء" (what women want)، ويناقش بشكل كوميدي قضية الرجال الأزلية في محاولة فهم المرأة (وفشلهم الدائم في ذلك). وما أعاد هذا الفيلم إلى ذاكرتي هو بريد إلكتروني مميز وردني من صديقة عزيزة، وقد رأيت فيه شيئا يستحق المشاركة.

 

في عصر الممالك القديمة في أوروبا، قامت إحدى الممالك بمحاصرة الأخرى، تريد أن تستولي عليها وأن تقضي على ملكها، ولما وصل الأمر إلى الملك أرسل سفراءه ليستعلم عن سبب هذا الاعتداء المفاجئ، وكيف يمكن أن ينتهي ويحفظ الملك مملكته. وعاد إليه الرد بأنه من الممكن أن ينتهي الحصار وألا يحكم على الملك بالموت إذا تمكن من الإجابة عن السؤال التالي: ماذا تريد النساء؟


رجع الملك إلى حاشيته وجمع المفكرين والفلاسفة وجمع نساء الدولة وفتياتها على أن يتمكن أحد من الإجابة على السؤال، ولكن دون جدوى، في النهاية قدم أحد أفراد الحاشية نصيحة للملك بأن يذهب إلى إحدى العرافات، وبالفعل ذهب الحاكم ليسأل إحدى العرافات وسألها، فقالت له: "يمكنني أن أعطيك الإجابة لتنقذ بها مملكتك وحياتك، ولكن ما هو الثمن؟"، فأجابها: "كل ما تريدين، أعطيك نصف مالي، وبساتيني، وكل ما تطلبينه أيضاً"، فردت الساحرة وكانت كبيرة في السن: "لا حاجة لي في بساتينك، فقط أريد أن أتزوج أجمل رجال حاشيتك، النبيل ألفريد!"


اندهش الملك من طلبها ورفض أن يحقق لها رغبتها، فهو لا يرغب أيضاً في أن يوتر علاقته بالنبيل والفارس ألفريد. عاد الملك إلى القصر ليجد أفراد حاشيته ينتظرون نتيجة المقابلة ولكنه لم يخبرهم لكي لا يصل الأمر إلى صديقه النبيل. وفي صباح اليوم التالي جاء إليه النبيل الفريد وقال له: "لماذا أخفيت علينا إجابة الساحرة؟ ألا تعلم أن أي ثمن لن يكون باهظاً مقابل الحفاظ على حياتك والحفاظ على مملكتك؟ إنني على استعداد للزواج من الساحرة".

 

وبالفعل ذهب الملك إلى الساحرة مرة أخرى وطلب منها الإجابة وقال لها: "لقد وافقت على أن تتزوجي أجمل النبلاء في قصري، النبيل ألفريد". فقالت له الساحرة: "وأنا أمنحك الإجابة، إن ما تريده المرأة حقاً هو أن تترك لها حرية الاختيار".


ذهب الملك بعد ذلك وأرسل مراسليه إلى قائد الجيش الذي يحاصر قلعته وأخبره بالإجابة وانتهى أمر الحصار وعادت المملكة سالمة للملك. وفي يوم زفاف النبيل ألفريد على الساحرة ذات السن الكبيرة والوجه القبيح، فوجئ النبيل بالمرأة التي تزوجها قد تحولت إلى امرأة غاية في الجمال والصبا، وعندما سألها عن سر هذا التحول في وجهها قالت له: "لأنك وافقت أن تتزوجني فقد قررت أن أمنحك فرصة وعليك الاختيار، إما أن أبقى قبيحة طوال النهار وأن أتحول إلى امرأة جميلة في الليل، وإما أن أتحول إلى امرأة جميلة في النهار وأن أعود إلى حالتي الطبيعية في الليل".


أخذ النبيل يفكر في الاختيار الصعب ولكنه أجاب: "سأمنحك أنتِ الاختيار". فقالت له الساحرة: "إذاً أظل جميلة طوال النهار والليل".

 

    هل هذه هي الإجابة فعلا؟! لا أعلم، فالإنسان بشكل عام سر من أسرار الخالق، ففيه جزء من روح الله التي نفخها فيه، وتلك الروح لا يعلم أمرها إلا خالقها، لكني متأكد أنها جزء من الحل.

 

"إذا منحت المرأة حرية الاختيار فستحصل على أجمل النتائج"
 
أين يذهب الحب؟

    اعتدت في حياتي أن ألتزم الاتزان في النظر إلى الأمور، لذا لا أرغب أن أكتب عن المحزن من المواضيع فقط، وقد كان مقال الأسبوع السابق مليئا بالحزن، ومربوطا بعلاقة إنسانية جميلة أسمها الحب.

 

    ولم أستغرب عندما وجدت بعض التعليقات تحاول أن تقلل من موقع الحب في تلك الحادثة، بل وتهمشه أحيانا لتضع بعدا دينيا أو بعدا اجتماعيا للقصة، وقد لا اختلف معهم كثيرا في تأثير تلك الأبعاد، لكني أختلف مع تهميش عاطفة الحب من تلك الحكاية الملحمية.

 

    تعرفت على كثير من المسلمين (عرب وأجانب/رجال ونساء) الذين عاشوا زيجات مختلطة دينيا، وشاهدت تحولهم لدين الإسلام بسبب عاطفة الحب أولا، ثم بالتعرف على الإسلام بعد ذلك بالتدريج، وكيف تحولوا إلى محبين ومناصرين له من الدرجة الأولى، بعد أن أحبوا من عرّفهم على هذا الدين.

 

    ليست هذه هي الفكرة التي أود أن أبحثها في هذا المقال، ولكن من ملاحظتي ومتابعتي للجيل الجديد (يمكن أن نطلق عليه جيل الاتصالات مقارنة بالجيل السابق له وهو جيل الطفرة)، رفضه "وبشدة" لفكرة الحب، إما رهبة ناتجة عن مشاهدة مربكة للممارسة الاجتماعية لهذه العاطفة النبيلة، أو لالتزام فكري أو عملي يضع عاطفة الحب في مراتب متدنية من التأثير.

 

    وفي كلا الحالتين، اعتقد أن هذا الجيل يعاني من عدم قدرته على تفسير الحب بشكل يتماشى مع واقعه المتغير والمتحول بشكل يومي وسريع، وليس أمامه إلا الموروث الاجتماعي المليء بالمغالطات والتفسيرات البسيطة التي كانت تؤدي غرضها في يوم من الأيام، لكنها لا تستطيع أن تفي باحتياجات هذا الجيل ذو الثقافة والتواصل العالمي.

 

    ربما لا يكون لدي إلا نقطتين لأشارك بهما هذا الجيل وصراعه مع تقبل الحب، الأولى هي أن الحب عاطفة لا تنمو وتتحقق إلا بالممارسة والفعل، وليس كلمات أو أحاسيس تمر علينا فنتلقاها كالخيال والمطر. وهو سلوك وآلية اجتماعية مطلوبة لتطوير الفرد والأسرة والمجتمع، تتطلب الكثير من التواصل والسعي الحثيث لإزاحة الخلافات والمصاعب والعقبات التي تواجه المحبين وتهدد تعايشهم في جو من المتغيرات، ولا يكون لهذا السلوك إلا هدف واحد، هو أن تبقى على علاقة طيبة وحميمة مع من تحب، إلى أن يقضي الله الأجل بينكما.

 

    الثانية أن الحب ككل شيء آخر، يمر بمراحل التطور والتغير التي وضعها الله كسنن في كونه، فمن مراحل التعرف الأولى، إلى الخطبة والزواج، ثم مراحل الزواج بأشكالها ومتغيراتها (حيث يسقط الكثير في فخ عدم استيعاب المتغيرات والتطورات وطريقة التكيف معها)، مع بقاء جوهر الحب، وهو أن يعيش الإنسان في شراكة دائمة لمراحل الحياة وتجاربها مع إنسان آخر يضيف إليه دوما بعدا جديدا لما يحسه ويراه.

 

    لو كان لي أمنية أبعثها بين الناس فستكون أن يعيش الجميع في الحب، لكن شرط أن يكون فعلا وعملا،  وليس كلمات وأماني وأحلام فقط.
 
حب حتى الموت

    في اليوم السابع من شهر إبريل الفائت لفظت شابة عراقية صغيرة آخر أنفاسها تحت وابل من الحجارة التي قذفها بها أفراد قبيلتها. وتهمتها الوحيدة أنها أحبت شابا من طائفة أخرى، وقررت أن حياتها ستكون معه.

 

    سبعة عشر ربيعا هو كل ما تعرفه الفتاة عن قسوة المجتمع ووحشيته، ولا أعلم كم حجرا كان كافيا لإسكات أنفاسها، ولا من قام بتصوير تلك الحادثة التي استغرقت ثلاثين دقيقة، لكنها ماتت، وكان بعض أقاربها مع من شارك في عملية القتل.

 

    بعد أن طردت عن ذهني شبح الحزن والكرب من قراءتي لتلك الحادثة، أتت في بالي فكرة أخرى، وهي لماذا لا نسمع عن ما يسمى "جرائم الشرف" هنا في السعودية؟! هل مجتمعنا القبلي المحافظ بعيد عن مثل هذه الممارسات؟! أم أن هناك قصة أخرى؟!

 

    وتذكرت حينها زميلا تعرفت عليه في أحد الدورات الإدارية التدريبية، وكان هذا الزميل يعمل في "هيئة التحقيق والادعاء العام"، ويبدو أنه كان يحمل الكثير من الهموم لما يشاهده يوميا من المشاكل والقضايا، لأنه كان يتحدث إلي في كل فرصة تتاح له بين الاستراحات، وتذكرت بالتحديد قصة رواها لي بين القصص العديدة.

 

    فقد كان هذا الزميل مكلفا بفتح القضايا القديمة المعلقة، ليبدأ تحقيقا جديدا فيها، ومن بين تلك القضايا حدثني عن قصة انتحار فتاة بعد ستة أشهر من زواجها، وكان هناك شك في انتحارها، فقد وجدت جالسة على السرير وهي تحمل مسدسا يبدو أنها أطلقت منه رصاصة على نفسها، وسجلت القضية وقتها على أنها انتحار.

 

    وبعد إعادة التحقيق في القضية، تبين أن زوج الفتاه مريض نفسيا، وأنه كان دائم الشك في تصرفاتها، وأنها حاولت أكثر من مرة أن تخبر أهلها لينقذوها من هذا الوضع، لكن يبدو أن الأهل كان همهم أن لا تعود لهم أبنتهم مطلقة إلى البيت، فحصل ما حصل، وحاول الرجل مع بعض أصدقاءه التستر على الجريمة، لكن جهود رجال "هيئة التحقيق والادعاء العام" كشفت الجريمة.

 

    هل هذا هو ما يحصل إذا في كثير من ذلك النوع من الجرائم؟! وأنها تحول إلى قضايا انتحار أو هروب، فيكون نوع من التستر على "الفضيحة" بأي شكل حتى ينام البقية قريري العين. ليس لدي أي إجابة، ولكني أتساءل، وأترحم على جميع الأرواح التي تذهب هباء ليبقى الجهل هو سيد الموقف.

 

فضحتونا

    الجمعة الماضية، كنت في رحلة وسط الرمال الذهبية، في منطقة قريبة من الرياض تدعى "الثمامة"، يقصدها جميع هواة الرحلات البرية، والتطعيس (ركوب الرمال بالسيارات والدراجات النارية)، والراغبين بالعودة ولو لساعات للحياة البدوية الأصيلة.

 

    وكان معي في هذه الرحلة مجموعة من مراسلي النيويورك تايمز الذين سمعوا الكثير عن "الدزرت سفاري"، ولم يرغبوا مغادرة الرياض دون أن يشاهدوا هذه البيئة المميزة، وهذه التجربة التي يحلم بها كل غربي سمع عن الصحراء.

 

    لكن للأسف، اضطررنا أن نقطع هذه المغامرة البرية، بعد أن صاحت جميع الجوالات التي يحملونها بالتنبيهات والرسائل والاتصالات. فقد تزامن إعلان الحكومة السعودية عن القبض على أكبر مجموعة إرهابية مع الوقت الذي خصصناه لهذه النزهة.

 

    حملنا أنفسنا لنعود إلى العاصمة، وسط اعتذارات الجميع بأنهم ينبغي أن يكونوا في وسط الحدث، ليتمكنوا من تغطيته وإرسال الأخبار إلى جريدتهم أولا بأول. وحاولت أن أخفف عن الجميع أثناء عودتنا بالسيارة وأتحدث عن أن مثل هؤلاء المنتمين لهذه الجماعات الإرهابية لا يمثلون الشعب السعودي أبدا.

 

    طبعا قال الجميع أنهم يعلمون ذلك، وأنهم لم يلاقوا من "الشعب" السعودي أي مضايقات، بل أنهم كانوا محل ترحاب أينما ذهبوا. لكن أحد المراسلين أكمل تعليقه بأن هناك بعض التصرفات من ممثلي "الدولة والدين" (عرفت أنه يقصد الشرطة الدينية) الذين حصل منهم بعض التصرفات التي استغربوها.

 

    وحدثوني جميعا عن تجربتهم في اليوم السابق للذهاب إلى أحد المطاعم المشهورة في شارع التحلية بالرياض، وقد صدموا عندما شاهدوا أثناء تناولهم لطعام العشاء رجال الشرطة الدينية وهم يقتحمون المكان ويجرون معهم كل العاملين في المطعم (قرصونات وإدارة)، ويركبونهم سيارات الاحتجاز، لينقلوهم إلى مركز الشرطة الدينية.

 

    وطبعا لأنهم جميعا صحفيون ويملأهم الفضول عن أي حدث، أصروا أن يعرفوا لماذا يجر جميع هؤلاء المساكين بهذا الشكل غير الإنساني، وتوجه أحدهم إلى رجل من رجال الشرطة الدينية ليسأله عن السبب، فما كان من هذا الأخير إلا أن نظر إليه هو وزملائه، ثم قرر (هو من ذات نفسه) أن هؤلاء الأجانب يستحقون أن ينقلوا إلى المركز هم أيضا، وبدأت عمليه الشد المعهودة من مثل هؤلاء، إلا أن أحد الصحفيين تصرف بسرعة، واتصل بوزارة الخارجية، التي تحدث منها أحد المسئولين لقائد الشرطة الدينية، فأخلوا سبيلهم على الفور.

 

    كان المراسل يحكي لي هذه القصة ولسان حاله يقول كم هي بلد المتناقضات بلادكم، فمن جهة تقبض الدولة على أكبر مجموعة إرهابية، ومن جهة أخرى تشجع مثل هذا التطرف الديني، الذي يبيح لمجموعة من مدعي الفضيلة بأن يعاقبوا مجموعة من العمال الأجانب لأنهم تواجدوا في المحل وقت الصلاة.

 

    لم يكن لدي أي تعليق حينها، بل أني لم أستغرب بعد أن عرفت أن بعض المطاعم الراقية في شارع التحلية تتعرض بشكل شبه أسبوعي لمثل هذه المضايقات، فقط لأن أصحابها مستمرون على الرفض لمشاركة مسئولين "يلحون" عليهم بذلك.
 
وين الطاقية؟

    سمعت هذه الحكاية الطريفة منذ فترة، وأحسست بأنها (بالإضافة إلى طرافتها) تلامس شيئا من واقعنا الاجتماعي والسياسي، الذي أصبح مثقلا بالادعاء والتمثيل فما عاد للفرد فيه أي وجود فعلي إلا بمساحات شخصية صغيرة جدا يجدها هنا وهناك. والحكاية تقول:

 

    يحكى أن "ملك الغابة" كان يسير وسط رعيته، فشعر أن هيبته قد قلت بين شعبه، ففكر مع وزيره الثعلب بطريقة تعيد إليه هذه الهيبة المفقودة، وأوصاه الثعلب بأن يختار أحد أفراد الرعية ويخلق معه مشكلة على أمر ما، ويضربه أمام الآخرين، وبهذا يخاف الجميع من الملك.

 

    سار ملك الغابة بين الرعية، ولما وصل إلى الحمار قرر أن يكون هو كبش الفداء، فتوجه إليه غاضبا ليسأله عن الطاقية (القبعة) التي أضاعها الملك، فلما رد عليه الحمار بأنه لا يعلم أين هي، ضربه الأسد على رأسه، ونظر الثعلب إلى عيون الحيوانات الأخرى فعلم أنهما قد حققا ما يريدان.

 

    واستمر هذا الوضع لفترة من الزمن. الملك يمر أمام الشعب فيرى الحمار ويتوجه إليه مسرعا وهو يصيح بأعلى صوته: "وين الطاقية؟"، فيرد عليه الحمار أنه لا يعلم، فيضربه الأسد بكل قوه، ويسدل الستار على المشهد من جديد.

 

    لكن في يوم من الأيام، أتى الثعلب إلى ملك الغابة وعلامات الاستياء بادية على وجهه. ولما سأله الملك عن الأمر، قال له أن الشعب ما عاد يصدق تلك المسرحية، وأنهم يرون أن الملك يمارس ظلما على الحمار المسكين الذي أثبت فعلا أنه لا يعلم أين الطاقية، وخرجا بحل آخر وهو أن يتهما الحمار بقضية أخرى يشغلان بقية الحيوانات بها.

 

    فصار أن ملك الغابة لما رأى الحمار في السوق توجه إليه كالعادة، وحاول الحمار المسكين الفرار ككل مرة لكنه لم يفلح، فأمسك به الأسد وصاح في وجهه: "وين الحزام؟"، ففرح الحمار بتغير السؤال، وأجابه مسرعا بأن الحزام حول خصر جلالته، فلما نظر الأسد إلى نفسه وجد أنه نسي أن يخلع الحزام، فاسقط في يده، وشعر أن أعين جميع الحيوانات الأخرى تنتظر ما الذي سيحصل.

 

    فما كان من الأسد إلا أن ضرب الحمار مرة أخرى بكل قوة وهو يصيح في وجهه "طيب وين الطاقية؟".

 

    أرجو أن نجد جميعا تلك الطاقية، فقد تعبت رؤسنا من صداع الضربات المسرحية التي آن لها أن تنتهي، فدعونا نبحث عنها لكي نرتاح.

 

"كثيرون يؤمنون بالحقيقة، وقليلون ينطقون بها"

 

بشائر روتانا

    كنت انتهيت من كتابة مقالة عن ربيع الثقافة البحرينية، خاصة عن حضور المفكر الإسلامي الكبير محمد أركون، لكن حصل معي موقف غريب هذا الأسبوع ورأيت من المناسب أن أكتب عنه، فقد لمست فيه شيئا من "البشرى" للقراء السعوديين.

 

    وتبدأ الحكاية عندما اتصل بي مراسلان من صحيفة كريستين ساينس مونيتر (Christian Science Monitor)، وهي صحيفة أمريكية تميل للنزعة اليسارية، ومناصرة للقضايا العربية خاصة الفلسطينية، وتتمتع بمصداقية عالية واعتدال بين الصحف الأمريكية. وكان الصحفيان قد حضرا لتغطية القمة، واكتشفت منهما أن الزميل المدون العزيز أحمد (سعودي جينز) قد رشحني لأكون دليلا لهما أثناء الزيارة، ومساعدا لتغطية بعض التقارير الجانبية عن المجتمع السعودي (سامحك الله عزيزي أحمد، فقد كان جدولي مضغوطا أصلا، لكني أشكرك أيضا، لأنها كانت تجربة جميلة بكل المقاييس).

 

    فما كان مني إلا أن أعددت لهما جدول زيارات ومشاهدات للجانب الجديد والمتطور في المجتمع السعودي، لرؤية المتغيرات الحاصلة التي تبشر ببوادر دخول الشعب السعودي لزمن المعاصرة (أو الحداثة). ومن ضمن المواضيع التي تطرقنا إليها ورغبا في عمل تقرير عنها الإنتاج السينمائي السعودي، فبادرت لعمل لقاءات صحفية مع مسئولين في شركة روتانا بقسمها الخاص الجديد للإنتاج السينمائي، وكانوا أكثر من مرحبين لاستقبالنا والرد على تساؤلات الصحفيين.

 

    وبصراحة، من وقت تحديد الموعد مع مدير العلاقات العامة والإعلام في روتانا، وأنا لا أفكر إلا في سؤال واحد يدور في ذهني، متى ستبدأ صالات السينما بالعمل في السعودية؟ وكنت أقول لنفسي أني إذا لم أجد الإجابة لدى هذا الصرح الإعلامي العملاق، فإني سأخرج للناس وأقول أن الموضوع كله حلم وأماني، وليس هناك أي خطة عمل حقيقية وجادة لهذا الموضوع.

 

    من بداية الاستقبال أسفل برج المملكة (حيث مقر روتانا) ظهرت معالم الاحترافية والجدية في كادر هذه المؤسسة الإعلامية، واكتشفنا أنهم يأخذون المقابلات الصحفية على درجة عالية من الأهمية، واستقبلونا أنا وصحفي ومصور من الجريدة بالإضافة لصديقة تدرس الإعلام رغبت في الانضمام إلينا لتزيد من خبرتها المهنية (وكعادتي في عدم تفويت فرصة لانتقاد النساء، فقد كنت أجد نفسي أبحث عن هذه الصديقة التي اختفت فجأة، لأجدها في أحد الغرف تقضي وقتا في الحديث مع صديقة التقتها بالصدفة).

 

    تنقلنا في أرجاء المكان، وتعرفنا على العديد من الشخصيات الفاعلة في المؤسسة (نعم لقد دخلت ورأيت مكتب الوليد لكنه للأسف لم يكن موجودا)، ولم أدع فرصة للسؤال عن متى افتتاح صالات السينما في الرياض، ولكني كنت أقابل بابتسامة متعذرة (وماكرة) دائما، ولم أيأس، وتابعت البحث، إلى أن التقينا بمدير الإنتاج السينمائي الذي قال أن روتانا ستباشر بعد ستة أشهر العمل على فلم سعودي جديد، وسيكون التصوير هذه المرة في السعودية، وبمخرج سعودي، ورواية سعودية، وممثلين سعوديين، وسيعرض في دار سينما سعودية!!!

 

    خرجنا جميعا سعداء بما لقيناه من ترحيب واهتمام، وحصل كل واحد منا على نسخة من كتاب الوليد. لكن المهم أني وجدت الإجابة التي أبحث عنها، فهل رأيتم في الإجابة ما رأيته أنا؟!
 


<<الصفحة الرئيسية
[ الصفحه:1/7 ] لصفحة التالية>>