المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
يا زمان الوصل بالأندلس

    في المقالة السابقة سألتني العزيزة بحرينية (ورق مخطط) عن مدى رغبتي بالانتقال لمدونات وردبريس. والوردبريس لمن لا يعرفها هي برمجيات خاصة بالمدونات (وموقع استضافة أيضا) تتيح حرية وتقنية أكثر للمدون المتطلب (مثل كاتب هذا المقال).

 

    وقد كان هذا الموضوع هو أحد الأمور التي قضيت فيها جزئا من وقتي العام الماضي، حيث أجبرت نفسي على تطويع هذه التقنية الحديثة لخدمة متطلباتي التدوينية، وقد تمكنت في نهاية الأمر من إنشاء موقع خاص بالمدونة أسميته "مدونة قرطبة".

 

    الزميلة المدونة "مضيعة بيتهم" والتي قادت حملة قوية وشاملة على جميع مواقع استضافة المدونات، استطاعت أن توجه العديد من المدونين نحو الوردبريس. وقد ذكرتني بالحملات التي يطلقها المدونون بين الحين والآخر لدعم خيار تقني معين مثل صراع محبي الماك (المتحمسين) مع مستخدمي الويندوز (الواقعيين)، أو متعصبي الفايرفوكس مقابل معتادي الإكسبلورر. ويبدو أني دخلت هذا الصراع بشغفي الزائد ببرمجيات الوردبريس.

 

    لكن أحد الإشكاليات التي واجهتني هي نقل قاعدة البيانات (المقالات القديمة) من موقع جيران إلى مدونة قرطبة (أعتقد أن جميع مدوني جيران يعانون من هذا الموضوع بما فيهم العزيزة بحرينية)، وقد يكون ذلك راجع إلى رغبة جيران العارمة للحفاظ على جميع مدونيها خوفا عليهم من الشتات (ومن الحب ما قتل)، وما زالت تلك المشكلة قائمة.

 

    وقد ذكرت سبب اختيار الاسم قرطبة في أول مقال كتبته في المدونة الجديدة، حيث أشرت إلى عشقي لذلك الرمز الخالد المسمى "بالأندلس"، لكنه عشق على طريقة الكاتب "هاني نقشبندي" في روايته الرائعة "سلام"، حيث يخلو من كثير من المغالطات الفكرية لتلك الحقبة التاريخية الجميلة.

 

    على أرض المملكة الساحرة في جيران أو على سفوح قرطبة الأندلس سأضل أكتب ما أراه معبرا عن نفسي وفكري، وأسعى لأن يكون صدى هذه الكتابة محببا لنفوس وقلوب وعقول المتابعين للمدونتين، وأن تكون الفائدة المشتركة هي ثمرة هذا العمل.

 

((جــادك الغيــث إِذا الغيـث همـا

يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ

لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا

فــي الكــرى أَو خُلسـة المخـتَلِسِ))

 

 

الحادي عشر من سبتمبر

    في الحادي عشر من سبتمبر العام السابق توقفت عن الكتابة في مدونتي المملكة الساحرة، واليوم الحادي عشر من سبتمبر العام الحالي أعود إليها. وبالطبع ليس هناك أي علاقة بين هذين الحدثين وبين ذلك الحدث المثير للجدل الذي اسقط برجي التجارة بنيويورك في مثل هذا اليوم أيضا.

 

    قبل كتابة هذا المقال ذهبت إلى موقع ويكيبيديا لأرى بعض الأحداث التي وقعت في هذا التاريخ، ولم يذهلني أن أرى أحداث مثل إعلان الانتداب البريطاني على فلسطين (1922)، إمساك الايطاليين بالشيخ عمر المختار (1931)، محاولة رئيس وزراء اليابان الانتحار بعد استسلام اليابان للولايات المتحدة (1945)، وعقد ما يسمى مؤتمر الخمسة في لندن حيث أعلنت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والصين كونها الخمس دول الكبار التي تملك الوصاية على العالم أو ما أصبح يعرف الآن بالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (1945).

 

    وخلال هذا العام وعلى الصعيد الخاص بعالم المدونات السعودية كان الخبر المسيطر على ساحة المدونين هو وفاة المدونة هديل الحضيف (رحمة الله عليها). ولا أعلم كيف استطاعت هذه الفتاة السعودية أن تدخل قلوب العديد من المدونين وتبث فيهم روحا زرعت الجمال والمحبة والهيبة لعالم التدوين. وحتى بعد وفاتها، ترفض هذه الفتاة الرائعة إلا أن تشارك في تطوير التدوين حيث كانت هي الملهمة لجائزة هديل الحضيف العالمية لأفضل المدونات. ستبقى هديل تعيش وتبث الروح في عالم التدوين لفترة طويلة.

 

    وقد كان لمدون سعودي آخر نصيب الأسد من اهتمام المدونين والإعلام بل وحتى زعماء دول العالم أيضا. فقد حاولت منظمات حقوقية أن تجعل الرئيس جورج بوش يتحدث مع الملك عبدالله بخصوص مدون سعودي اعتقل فقط لأنه قرر أن يعبر عن رأيه، وبقي في الحجز قرابة الأربعة أشهر، هذا المدون هو العزيز فؤاد الفرحان العميد المخضرم للمدونين السعوديين (الحمد لله على سلامته وعودته لزوجته وأطفاله).

 

    كذلك من أمور المدونات التي جذبت انتباهي هي متابعتي لتجمعين من المدونين السعوديين. الأول هو أوكساب والثاني هو سعودي بلوقرز.  وقد كنت توقعت أن تعاني أوكساب من تخلي المدونين السعوديين عنها (بل وحتى تخليهم هم عن أنفسهم) لأن روح التدوين تتناقض مع هذا النوع من التنظيمات. وفي نفس الوقت لم استغرب أن يكون تجمع سعودي بلوقرز هو مبادرة من المدون العزيز أحمد عمران (سعودي جينز)، الذي اعتقد أنه اختار الطريقة الصحيحة لخلق تجمع تدويني سعودي (سعودي بلوقرز تحتاج لمقالات عديدة لشرح العبقرية في بساطتها). وقد كنت قد كتبت سابقا عن العزيز أحمد وعن ثقتي أنه قد قدم وسيقدم أكثر من ذلك في عالم التدوين السعودي.

 

    بالطبع سأكتب في المقالات القادمة عن بعض ما مررت به خلال هذا العام. لكني أود أن أكرر أن ليس هناك أي علاقة من قريب أو بعيد بين هذا التاريخ وتاريخ أحداث سبتمبر (ابتسامة صغيرة على شفتاي).

 

"رمضان مبارك للجميع"


 

بريك رمضان

    عام آخر من التدوين، مر كالسحاب في سمائنا الإلكترونية، وتنوعت أحداثه وتفاوتت حتى رأينا تقريبا جميع الفصول على ملامح المدونات. فمع الصيف الساخن كانت لقاءات المدونين والمدونات السعوديين، يجتمعون ويخلقون نوعا جديدا من الثقافة الاجتماعية، ثقافة الجيل الافتراضي.

 

    وبدخول الخريف بدأ الفتور يفت عضد بعض الأقلام، فمنها من يتأخر عن الكتابة، والبعض الآخر توقف عن الكتابة كليا، وبتفاوت نسائم الخريف بين الإمطار والجدب، استمرت روح التدوين هي الغالبة على ذلك المناخ المتقلب.

 

    شتاء المدونات كان باردا هذا العام، حيث حدثت أول العواصف في ساحة المدونات السعودية، وتعرض بعض المدونين للمسائلة من قبل أجهزة الدولة، وارتجفت فرائص البقية المتابعة، واشتعلت نار الغيرة على المدونات من هذا التعدي، وظهرت التعليقات والتأييدات بين المدونات، وانتهى الشتاء على خير، وبقى روح النقد والإصلاح فيها دافئا.

 

    وبعودة عطور الربيع أزهرت مدونات جديدة في سماء الكتابة، وزاد زخم المشاركة والتفاعل، وتراكمت الخبرات، وبدأ نوع من عودة الروح والتجديد والإبداع يسري في الجديد والقديم منها، وبدت الصورة أكثر وضوحا لمن كان يسأل نفسه لماذا أدون؟

 

    في شهر رمضان الحالي (مبارك على الجميع الشهر)، سأتوقف عن الكتابة المعتادة، وسأبدأ في إكمال الرواية التي بدأتها رمضان السابق "نافذة على الرمال". سأضع قدم فوق أخرى واستلقى واستمتع بروح الشهر الفضيل. أتمنى للجميع شهرا جميلا وعاما جديدا مليء بالتدوين والإبداع والجمال.

جيران والمدونات

    لا أكتب كثيرا عن جيران كما يجب، فقد قدم هذا الموقع (وما يزال) الكثير من الخدمات لأعضائه ومرتاديه، تبدأ من الدعم العربي الممتاز للكتابة (وهو أمر رئيسي بالنسبة للتدوين)، وتستمر إلى الإضافات الجديدة من دعم المواقع الشخصية، وحفظ الملفات والصور، والتطوير والصيانة المستمرة على مدار الساعة.

 

    وعلى الرغم من أن جيران قد ابتعدت عن مجالها الأساسي وهو استضافة المدونات، إلا أنها ما زالت تولي عناية خاصة بخدمات التدوين. فالمتابعة الشخصية لحركة المدونين وكتاباتهم وأخبارهم عمل مستمر، وكذلك المشاركة في التدوين بوضع مدونة خاصة بجيران تتفاعل مع المواضيع والمستجدات في عالم التدوين.

 

    لكن قد لا يكون ذلك كل ما يميز جيران، فقد بدأت جيران وهي تحمل شعارا ضمنيا مفاده "نحن نعشق التدوين"، بحيث يساهم أعضائها في الكتابة الإبداعية مثل المدونة العزيزة حلا طه، ودعم التجمعات التدوينية كما حصل هذا الشهر في اللقاء التدويني السادس في مصر (متى يحين وقت المدونين الخليجيين؟!).

 

    كما أن العضوية والمشاركة الفعالة تلاقي تشجيعا من قبل جيران، وقد سعدت حين تلقيت بريدا إلكترونيا من جيران يخبروني فيه أنه تم حذف الإعلانات المتحركة عن مدونتي لكوني عضو مميز (شكرا جزيلا جيران).

 

    ويبدو أن للكتابة في جيران ميزات لم تكن متوقعه، مثل الخبر الذي قرأته في مدونة العزيز سعودي جينز عن هجوم "هاكرز" اسلامويين على مدونة في جيران لكاتب سعودي ليبرالي، وانتهت باستعادة المدونة، واكتسابها شهرة مضاعفة. وكذلك كانت دهشتي كبيرة عندما حاولت البحث عن مواضيع جديدة للكاتبة والمعارضة السعودية "مضاوي الرشيد"، عندما اكتشفت أن موضوع سابق قد كتبته عنها يحتل المرتبة الثالثة في البحث على غوغل.

 

    وتبقى الميزة الأهم غير قابلة للوصف، وهي الروح التي يتحلى بها الموقع والعاملين عليه والأعضاء المشاركين، والطبيعة "الشرقية" في إدارة الموقع، بحيث تبقى العلاقات الإنسانية هي المحرك الأول للتواصل، وتلك قيمة نادرة في العالم الافتراضي.

 

 

ثمانون كتابا بحثا عن مخرج

    مدونتان لم أجد لهما مثيلا من حيث الإبداع الثقافي والعطاء والاجتهاد الفكري المتخصص، الأولى هي مدونة العزيز برومثيوس "تأملات فنية" والتي تبحث في تاريخ اللوحات العالمية. والأخرى هي مدونة "سعود العمر" والتي كان يطلق عليها ثمانون كتابا بحثا عن مخرج.

 

    وبما أني قد تحدثت عن الأولى سابقا، فسأجعل حديثي اليوم عن مدونة سعود العمر التي جعلها خالصة للكتابة عن مجموعة محددة من الكتب، اختارها لقراءته الشخصية، ثم قرر أن يكتب عنها "مراجعات" ويشارك الآخرين بها في مدونته.

 

    وتتنوع العناوين المختارة في المدونة بين كتابات "لدان براون" و"نجيب محفوظ" و"دوستوفسكي" و"جان بول سارتر" و"غازي القصيبي" و"أمبرتو أيكو" و"جوستين جاردر" و"نيتشة" و"هيجل"، والعديد العديد من الأسماء والعناوين الجاذبة.

 

    وقد لا تكون عناوين الكتب التي اختار الحديث عنها هي عامل الجذب في المدونة، فهي تتفاوت من حيث القيمة الفكرية والإبداع الكتابي، لكن الطريقة التي يتحدث بها عن هذه الكتب في حد ذاتها إبداع ثقافي يتميز بدقة الوصف والتحليل، مع الابتعاد عن كشف أسرار الكتاب حتى لا تضيع متعة الاكتشاف على القارئ.

 

     وكمثال لأسلوبه في عرض الكتب، آخذ مقتطف من حديثه عن كتاب "خوارق اللاشعور" للكاتب والمفكر العراقي علي الوردي: "كتاب ظلمه عنوانه كثيراً، والعيب ليس في العنوان بحد ذاته، ولكن في بعض الكتب الأخرى التي تحمل عناوين قريبة من هذا العنوان، ولا تتجاوز الهرطقة بخصوص اللاشعور، أو العرض السطحي المكرر بخصوص وصايا النجاح، بعكس هذا الكتاب الذي يبحث، في موضوعه، على مستوى عميق جداً في نفس الإنسان، ونطاق واسع جداً على صعيد المجتمع".

 

    سواء اتفقت مع اختيار المدون سعود العمر لقائمة الكتب أم كان لك تفضيلات أخرى، فلا بد أن تعجب (كما فعل الكثيرون) بأسلوب عرضه المتميز، والذي يخلق فيك روح البحث عن الكتاب واقتنائه بعد أن تقرأ ما كتبه عنه. وهذا بحد ذاته إبداع آخر.

 

ثلاثة سعودي جينز

    أحتفل الأسبوع الماضي المدون العزيز أحمد عمران بمرور ثلاثة أعوام على بداية مدونته الرائعة "سعودي جينز". ولا أعلم لماذا شعرت أن احتفاله هذا لم يكن له وحده، بل هو احتفال وفرحة لنا جميعا كمدونين أو كمتابعين لكتابات المدونات.

 

    فالعزيز أحمد ليس فقط أحد أوائل الكتاب السعوديين الذين دخلوا عالم التدوين، بل هو كاتب أضاف شيئا من الروح إلى هذا العالم، وأصبحت كتاباته مصدرا مهما للمعلومات والأخبار، بل أصبحت أيضا رمزا للاستمرارية والمصداقية، وكذلك ملهمة ومشجعة لكثير من المدونين (كاتب هذه المدونة أحدهم).

 

    ليست السنوات الثلاث ولا المقالات الجيدة العديدة هي ما يجعل هذه المناسبة مميزة، بل التأثير الذي حملته هذه المدونة طوال تلك السنين. ولا أعتقد أن العزيز أحمد (كما صرح هو بنفسه) قد بدأ وفي نيته أن يترك كل هذا الأثر، وربما يكون ذلك أحد الأسباب التي جعلت حديثه وأسلوبه بسيطا ويتسلل مباشرة إلى العقل والقلب.

 

    أعتقد أن العزيز أحمد قد أحتل أكثر من مركز الريادة بين المدونين السعوديين، فقد أصبح صاحب رأي أيضا في مسيرة هذه المدونات وتميزها، وحين خاض تجربة الترشيح لأفضل عشر مدونات سعودية حققت تلك المقالة صدا جديدا بين المدونين، وأذكر أني تلقيت خبر ترشيحي عن طريق الجوال، وكذلك التبريكات والتهاني (وأصدقكم القول أني حمدت الله كثيرا عندما ذكر مدونتي بين أفضل عشر مدونات سعودية، وشعرت أني قد حصلت على شهادة الجودة).

 

    الشعور المتبادل بالثقة والمسئولية الذي يخلقه هذا النوع من المدونين يضفي جوا من الترابط والتلاحم على عالم المدونات، دون أدنى حاجة لإنشاء تجمعات "رسمية" وهمية تحاول أن تنسب لنفسها الفضل في تمثيل المدونين السعوديين.

 

    ورغم تشجيعي المستمر لإنشاء التجمعات المشتركة لأصحاب الاهتمام الواحد إلا أني أفضل أن تكون على نظام الـ"إن جي أو" (NGO) أو المنظمات غير الحكومية (كفانا منظمات حكومية)، بحيث تكون في تجمعات صغيرة ومستقلة، متوافقة في التيارات والأفكار، وممكن أن تنظم بدورها إلى تجمعات أكبر في المستقبل لتشكيل شبكة واسعة من المدونين لها تأثيرها وحضورها وفعاليتها، شرط أن تكون بالاتفاق الجماعي ومراعاة جميع الأطراف.

 

    أعود للمدون العزيز أحمد، وأقول له كل عام وأنت تكتب لمحبيك ورواد مدونتك، وأحييك على مواقفك المعتدلة وخطك المتزن الذي "يقود" حركة تدوين تنمو بشكل واقعي ومتراتب. وأتمنى لجميع مشاركي عالم التدوين أعوام سعيدة من التدوين الجميل.
 
عمة البدر

    أسمع كثيرا بأن صورة واحدة يمكنها أن تعبر عن ألف كلمة، لكني مؤمن أيضا بأن بعض الكلمات يمكن أن تكون بألف صورة. وقمة متعتي عندما أعثر على كاتب لديه قدرة الإبداع بالكلمات، وقد وجدتها مؤخرا لدى مدونة تدعى "عمة البدر".

 

   ولو أردت أن أصف كتابة هذه المدونة في بضع كلمات، لاخترت أن أقول: قوية، غامضة، ساحرة، مربكة. وصارت سعادتي مضاعفة عندما تخيلت أن الكاتبة قد اختارت ساحة المدونات لتكون وسيلة تعبيرها "الحرة" عن ما يجول في خاطرها من إبداع كتابي.

 

    أول ما شدني إليها قصيدة بعنوان "لم أكن.. تلك"، فقد سحرتني بصورها التعبيرية عن حياة رومانسية، طالما رأيتها هي الصورة الكاملة للحياة الجميلة البسيطة. فهي تقول في تلك القصيدة:

 

وفي الصباح الباكر..

يتسلل من سريرها..

ليحضر كمبيوتره المحمول..

وفنجان قهوة..

وكوب حليب..

 

ويوقظها..

بطباعته موقع جريدة الخليج..

ليضع القهوة بين يديها..

وقبلة على جبينها..

مبللة بالحليب..

 

    وبعد أن فرغت من إعجابي وتأملي لتلك القصيدة "النزارية" الرائعة (تشبيها بشعر نزار قباني وليست له)، رحت أفكر كم قطعت المدونات من مشوار في وقت قصير جدا حتى بدت أنواع الإبداع الكتابي تظهر على الساحة، وجعلتني أتخيل ما يمكن أن تصل إليه في الخمس سنوات القادمة.

 

    كما أني لاحظت أنها مقلة في الكتابة، فهي تنشر نصا كل شهر تقريبا،  وتختفي عن الكتابة فتعتقد أنها اعتزلت، ثم تعود بقوة فيخيل إليك أنها أتت لتبقى إلى الأبد. كما أنها أضافت طابعا جديدا على الكتابة في المدونات، وهي عدم الرد على التعليقات، مما وشحها بغموضا جعل الآخرين في انتظار سماع صوتها عندما تتحدث.

 

    قد يبدو للوهلة الأولى أنها تكتب بحزن شديد عن أحلام لا تجد لها صدى في واقعنا الاجتماعي المتحجر، ولكني كلما أعدت قراءتها مرة تلو مرة وجدت أنها تخاطب أحلاما فينا وتدعوها للصمود وعدم الموت، وتدلنا ولو بشكل غير مباشر إلى الصورة الاجتماعية الحقيقة التي ينبغي أن نسعى لها.

 

    لا أريد أن أنسى من دلني على هذه المدونة، فهي تستحق الشكر أيضا، فترشيح المدونة العزيزة توتي لها هو ما جعلني أعيش أياما في متعة قراءتها، وهي عادة جميلة في عالم التدوين، تدل على ترابط غير مسبوق بين أصحاب التوجه الواحد. فما أجمل مستقبلك أيها التدوين.
 
زلزال المدونات

    هنالك حالة رعب (وإحباط) شديدة تمر بعالم التدوين هذه الأيام. أعتقد أنها بدأت بمتابعة محاكمة المدون المصري "كريم" والحكم الشديد الصادر عليه، ثم بانتقال العدوى إلى الساحة السعودية، وحالات الإغلاق (والتوقف) المفاجأة لبعض المدونين السعوديين المتميزين.

 

    كنت متابعا للأحداث منذ بدايتها، لكني لم أشأ أن أكتب عنها مبكرا، حتى تتجلى الصورة بوضوح أكثر، وتستقر مشاعر الأشخاص المتضررين، وكذلك لدراسة ردود أفعال المدونين الآخرين الذين تلقوا هذه الأخبار. 

 

    لقد كان أكثر ما جذب انتباهي أن كثير من المدونين (خاصة السعوديين) كانوا يتخيلون أن أقصى سيناريو يمكن أن يتعرضوا له هو أن تحجب مدوناتهم، كما جرت العادة مع المواقع التي يكون فيها مخالفة سياسية لتوجه الحكومة، ولم يكن "الاستدعاء والتحقيق" (اعترضت إحدى الصديقات العزيزات على استخدامي لفظ "المناصحة") جزءا من تصورهم أبدا.

 

    ما حدث في السعودية كان سريعا، خاطفا، ومصمما ليحدث أثرا في عالم المدونين، وقد حدث مثله في أكثر من مكان في العالم العربي (سبحان الله، لم يتفق الحكام العرب في أمر واحد إلا على الشعوب)، وكان فيه امتحان حقيقي لرؤية "التعبير الحر" لدى المدونين، وكأني بهم أمام قول الله تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" (العنكبوت:2) . ومن أراد أن يستزيد في هذا الأمر فليتابع مدونة "مرصد المدونين".

 

    فإذا كنت مدونا في بلد عربي، ولا تستطيع أن تبقي فمك مغلقا، ويصيبك أحيانا شيء من الغيرة على دينك ووطنك ومجتمعك وعقلك، (وكان وزير داخلية بلدك يلتقي ببقية وزراء الداخلية في البلدان الأخرى لتكون جزء مهما في مناقشاتهم السياسية)، فإليك النصائح التالية:

 

1- لا تستخدم اسمك الحقيقي أبدا (أعلم أني أتعبتكم بترديد هذه النصيحة).

2- لا تكتب ما فيه كشف لهويتك أو بعض تفاصيل شخصيتك (طبيعة ومكان العمل أو الدراسة مثلا).

3- لا تكتب في مدونة خادمها يقع في البلد الذي تكتب منه (يمكن الوصول إليك بكل سهولة).

4- لا تنظم إلى تجمعات تلزمك بتقديم كل بياناتك الشخصية (تحياتي أوكساب).

5- مهما بدى مغريا أن تقدم شخصيتك الحقيقية لمدون آخر يبادلك الإعجاب فلا تفعل، واكتفوا بالتعارف من غير كشف الهوية (ولا مانع حتى من اللقاء لكن دون كشف الأسماء).

6- انتبه عند الإجابة على بعض الواجبات (التاقات) أو عند تمريرها على الآخرين، خاصة التي تحمل تحدي لكشف أسرار شخصية (فهي ليست بتلك البراءة).

 

    تحياتي لمدون متميز، أظهرت هذه المحنة مدى شعبيته وقبوله لدى الكثير، وأظهرت قدرته على تحليل الأمور و"الشخصيات"، وكذلك أظهرت مقدار الخوف الذي يمكن أن يخلقه مدون عاقل واحد على جهاز حكومي بأكمله، يرى فيه خطرا يهدد أمن الدولة. تحياتي لك عزيزي المدون ماشي صح، وعسى أن يبعد الله عنك كل هم، وعسى أن تكون ممن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (ولا مانع أن تضيف سم طال عمرك)، والحصيف هو من يعرف متى يحني ظهره للعواصف. ولا أعتقد أني سيقل إعجابي بما تكتب حتى بأي أسم آخر!!!

 

"الناس سواء.. فإن جاءت المحن تباينوا"
 
 
الوجه الآخر

    مع انشغالي هذه الأيام في الملحمة الثقافية الجارية في كلية اليمامة، رمتني المدونة العزيزة بنان بخبر أعاد السعادة إلى نفسي، فقد دلتني إلى مقالة في صحيفة الجزيرة، أعدتها الكاتبة منال العثمان، وتناولت فيها لقاءا صحفيا تم عبر البريد الإلكتروني، مع عدد من المدونات السعوديات، تحدثن فيه عن تجربتهن المتميزة في عالم التدوين.

 

    ومن رحمة الله بالناس، أنه حين يكون فيهم من يقف في وجهة النور والتقدم، يضع في مقابلهم آخرين يحملون شعلة المعرفة والرقي بالمجتمع، فكثير من المدونات اللاتي شاركن في الحوار قد أطلعت على كتاباتهن، وكلهن متميزات.

 

    فمن الكتابة الجادة والملتزمة للمدونة خولة، إلى الكتابة الأدبية الإبداعية للمدونة سارة، وفن الرسم الحاسوبي للمدونة بنان، إلى الكتابة الاجتماعية (وأحيانا النسوية) للمدونة توتي، وصالون المدونة سعلوة الشامل، وغيرهم من المدونات السعوديات.

 

    وأجمل ما في كتاباتهن التنويرية، أنهن لم ينفصلن كل في جزيرة مستقلة،  بل يتواصلن، وتكتب كل واحدة منهن معلقة على أفكار الأخرى، ويجتمعن في لقاءات رسمية كما حصل لمدونات الغربية. فهن قد أدركن سر التفوق في القرن الواحد والعشرين، وهو العمل الجماعي.

 

    أتمنى أن يأتي اليوم الذي أتحول عن مناصرة مدوناتنا العزيزات إلى الاختلاف معهن، وطرح المواضيع التي ننظر إليها من زوايا متفاوتة، لكن ذلك اليوم لن يكون إلا بعد أن يصبحن قوة مؤثرة، وكل قوة هي سلطة، وكل سلطة لا بد لها من رادع، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

 

    بعد أن قرأت تلك المقالة، تنهدت بقوة، وعلت وجهي ابتسامة كبيرة، وقلت في نفسي، إن البلد ما زالت بخير.

 

"قل لي ما هو موقفك من المرأة.. أقول لك من أنت.."

نزار قباني

 

بروميثيوس إله النار

    تروي الأساطير اليونانية القديمة، أن أحد الجبابرة قام بسرقة النار من الآلهة الإغريقية، وقدمها للإنسان، وكان اسمه بروميثيوس. وبروميثيوس هو أيضا أسم صاحب المدونة التي كنت أبحث عنها منذ مدة، واسمها تأملات فنية.

 

    فكما قام بروميثيوس الإغريقي بجلب النار، يقوم بروميثيوس العربي بحمل شعلة الفن إلى كل من أراد أن يطلع عليها. فهو يصف في مدونته أعمال فنية، ولوحات عالمية، لفنانين مشهورين.

 

    والأكثر من ذلك أنه يستخدم لغة وخيالا، تضيف إلى الجانب الفني، جانب جمالي، يجذبك لمتابعة القراءة، والاطلاع على المزيد من أخبار اللوحات الفنية. وهذا ما ينقصنا في كثير من المجالات الثقافية، وهو أن نجد من يفتح لنا الباب لدراسة الرموز الخاصة بكل موضوع، بطريقة سهلة وممتعة، حتى نكون أقرب لهذه الأعمال.

 

    ولكي أوضح اللغة المستخدمة من قبل الكاتب، لا بد أن استشهد ببعض مقاطع من كتاباته، مثل هذا المقطع، الذي يتحدث فيه عن لوحة "وصيفات الشرف"، للفنان الأسباني "دييغو فيلاسكيز"، ويتساءل بشكل مشترك مع القراء عن بعض المعاني التي تحملها اللوحة:

 

"ترى هل كان فيلاسكيز يبغي من وراء رسم هذه اللوحة جعل الناظر أهمّ من اللوحة وشخوصها، أم أراد أن يقول إن الشخوص ليسوا اكثر من أفراد افتراضيين ولا يوجدون سوى في عقولنا؟ ثمّ ما الذي كان يرسمه الفنّان على وجه التحديد؟ هل كان يرسم نفسه أم الملك والملكة المنعكسة صورتهما في المرآة المعلّقة على الحائط؟"

 

    ويستمر بهذا الأسلوب الجميل في الحديث عن جميع اللوحات، حتى يجعلك لا تنتهي من قراءة لوحة، إلا وتود الانتقال فورا لقراءة اللوحة الأخرى.

 

    الشكر للعزيزة المدونة توتي فروتي على إرشادي لموقع هذه المدونة، بعد أن قضيت الساعات الطوال في البحث عنها. وهي أيضا من مبدعات الفن التشكيلي، وأنا في انتظار دائم لأن تكتب لنا عن بعض تلك الرموز الخاصة بهذا الفن، وكيف يمكن للمبتدئين معرفة الفرق بين معنى لوحة وأخرى.

 



<<الصفحة الرئيسية
[ الصفحه:1/3 ] لصفحة التالية>>