المملكة الساحرة
المعرفة سر الحياة السعيدة
مطالعات في الدين والإسلام والعصر

    من الشخصيات البارزة سياسيا وثقافيا التي تركت بصمة متميزة في تاريخنا السياسي المعاصر هو الدكتور محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق. وكنت قد انتهيت منذ فترة قريبة من قراءة كتابه "مطالعات في الدين والإسلام والعصر".

 

    أكن لهذا الرجل الكثير من الاحترام والتقدير، فهو ليس رجل فكر فقط، بل هو من القلائل الذين استطاعوا تحويل رؤيتهم الإصلاحية في المجال السياسي والاجتماعي إلى واقع يوم كسب الانتخابات وهو مرشح عن الإصلاحيين في إيران.

 

    ورغم أن الكتاب هو مجرد جمع لعدة محاضرات ألقاها حول العالم، ولقاءات أجراها في الصحف، إلا أنه خرج بشكل يختزل رؤية هذا الرجل ويطرح العديد من التساؤلات "والإجابات" التي تلامس قضايانا اليومية، خاصة السياسية منها.

 

    وقد تركزت أطروحاته كبداية على تحليل الواقع الثقافي والصعوبات التي نواجهها للتعايش في القرن الواحد والعشرين، وفي ذلك يقول: "إن إحدى أعظم مشكلاتنا هي في أن ثقافتنا أو الجوانب الهامة منها، تنتمي إلى حضارة قد غبر عصرها منذ قرون، وأن حياتنا واقعة تحت تأثير حضارة جديدة تقتضي ثقافة تنسجم معها".

 

    كما أنه يركز أيضا على عامل آخر يديم حالة الخمول الاجتماعي وهو وجود الحكومات الاستبدادية في كثير من دول العالم الإسلامي، حيث يقول: "وباستبداد تلك الحكومات وتحول السلطة إلى محور في المجتمع، افتقد الإنسان إمكان الحضور في مضمار الحياة الاجتماعية، وسحقت بالتالي شخصيته بعد أن سلبت حق التعبير عن نفسها بصورة طبيعية".

 

    وقد يكون أكثر ما كان يردده في صفحات الكتاب هو أن الحرية هي المبدأ الذي يمكن أن تنطلق منه عوامل الإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي، حيث يقول في أكثر من موضع في الكتاب: "إن التغيير والتقدم ينبغي أن يسبقا بالفكر، والفكر لا ينمو إلا في إطار الحرية وعلى أرضيتها".

 

    نحن في حاجة فعلية لإعادة النظر في الكثير من الإرث الذي تلقيناه، وبتمحيص الحكايات والسجلات التاريخية التي تملى علينا وكأنها حقائق غير قابلة حتى للنقاش. كما أننا بحاجة أيضا للإيمان بأن التغيير والإصلاح أمران ممكنان، وبأن الواقع يمكن أن يتغير لو تغيرنا نحن في نظرتنا إليه، وتغير سلوكنا وعاداتنا الماضية.

 

روايات سعودية فرنسية

    ينوي النادي الأدبي في الشرقية ترجمة خمسة روايات سعودية إلى الفرنسية، وقد بدأ في جمع الترشيحات لاختيار أفضل خمس روايات تعبر عن المجتمع السعودي، وترسم للقارئ الغربي (الفرنكوفوني) صورة المكانة التي وصلت إليها الرواية السعودية.

 

    وبصراحة، كان أول ما تبادر إلى ذهني عند سماعي للخبر هو لماذا الفرنسية؟! صحيح أنه أعجبتني فكرة أن تنتشر رواياتنا إلى خارج الحدود وتسعى للعالمية، لكني لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في سبب اختيار لغة هي الآن في المرتبة الثانية من حيث الانتشار والاستخدام.

 

    وحين بحثت قليلا في الموضوع وجدت أن المحرك الرئيسي لهذه الفكرة هو الكاتب والشاعر والروائي السعودي "أحمد أبو دهمان"، الذي ترجمت أحد رواياته (رواية الحزام- صدرت عن دار غاليمار) إلى الفرنسية منذ بضع سنين، وهو من رواد الثقافة الفرنسية، واتصاله بها اكتمل بزواجه من مواطنة فرنسية.

 

    كما أني أرى سببا آخر وهو محاباة الثقافة الفرنسية وتشجيعها للثقافة العربية (وثقافات جميع المستعمرات الفرنسية السابقة)، وهي في ذلك تبذل مجهودا أكبر من الثقافة الأنجلوساكسونية، التي اتخذت موقفا سلبيا من الثقافة العربية (صورة العربي في السينما الأمريكية على سبيل المثال)، وصارت الروايات والأعمال العربية تلاقي ترحيبا وتشجيعا عند إصدارها بالفرنسية.

 

    وبغض النظر عن الأسباب، فإن الفكرة في ترجمة رواياتنا السعودية إلى لغات عالمية حية هي خطوة تصحيحية في مسار الترجمة التي تتجه عادة في خط واحد، يسير بنا في تلقي المعرفة والثقافة من لغات العالم، دون أن يكون لنا أي تأثير فيها، وقد حان القوت الذي نبدأ فيه بتعريف الآخرين بما نحمله نحن من ثقافة وأدب.

 

    ويمكن لمن يريد أن يساهم بالترشيح أن يتصل بأحد أعضاء النادي الأدبي في الشرقية، أو أن يكتب ترشيحه في هذه المدونة وسأقوم أنا بإيصالها للنادي، فقد قدمت ترشيحي الشخصي، وكان لرواية "اختلاس" لهاني نقشبندي (أرجو أن يسعفني الوقت للكتابة عنها قريبا).

 

رجال القدر

    مات "الشيخ" منذ يومين، مات بعد أن تحققت أمنيه الشاب في أن يراه، وأن يقرأ عينيه، ويحاول أن يسجل في تاريخه أنه عرف أن يصنفه في كونه من رجال الحقيقة، وأن ما سجله التاريخ عنه لم يكن مجاملة لمنصبه الكبير ولا لجاهه ولا لوجاهته في القبيلة.

 

    جمعته به لحظة لا يحسده عليها أحد، فقد أراد أن يلقنه درسا في التواضع لجبروت المجتمع، وأن يعلم المثقف الصغير كيف ينبغي أن ينطلق من حضن المجتمع والناس، حتى يتسنى له فعلا أن يصلح الاثنين.

 

    أدخله إلى عرين الملوك، وأراد أن يريه أين استطاع أن يوصله عقله الباحث عن الحقيقة، وهو أبن الصحراء البسيط الذي تنبأ له في يوم من الأيام شيخ كبير التقاه تحت شجرة في الصحراء، وأخبره أنه سيصبح ذا شأن في مستقبل الدولة الفتيه.

 

    حاشية الشيخ تنقله من مكان إلى آخر، تمر به على شخصيات ومسئولين لا يراهم إلا في نشرات الأخبار أو الصفحات الأولى للجرائد، وهو يسأل في استفهام: "لماذا تم استدعائي؟!" فلا يسمع إلا كلمة واحدة: "الشيخ يبيك"!

 

    يستسلم لقدره المؤقت، ولطريقة استدعائه "البوليسية"، التي لم تترك شك لديه بأن "لسانه الطويل" قد أوقعه في مطب آخر من المطبات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية التي تعود أن يمر بها، لكنه لم يسبق أن وضعت كلماته على هذا المستوى العالي من تأنيب المسئولين.

 

    لقد كان يحبه قبل أن يراه، وعندما عرف من هو "الشيخ" الذي يقصدون خفت ضربات قلبه، وشعر بطمأنينة وراحة، وعرف أنه لن يظلم في مكان يجمعه "بالشيخ". لكنه لا زال يتساءل لماذا استدعاه رجل ليس بينهما سابق معرفة، ولا صلة قرابة، ولى حتى ارتباط بعمل!!

 

    حين التقى بالشيخ، كان الشيخ محاطا بطلاب المنفعة، وأصحاب العمل، والمراجعين، فكان مكتبه كخلية نحل لا تتوقف عن العمل. فجلس الشاب في انتظار أن يأتي دوره للحديث مع الشيخ، لكن الأمر كان يطول ويطول. وقد لاحظ الشاب أن الشيخ ينظر إليه بين فترة وأخرى، فتلتقي أعينهم بما يشبه التواعد على أن لقائهما سيكون قريبا، مع بعض التحدي والاستفسار عن الروح التي تختفي خلف العينين.

 

    وحين حانت لحظة اللقاء، دخل الشيخ إلى مكتب خاص، وأحضر الشاب معه، وأقعده ليستمع بينما يتحدث الشيخ إلى وزير ثقافة بلد عربي، وكاتب مرموق من بلد عربي آخر، ومجموعة من منتسبي الثقافة الذين ما توقفوا يمدحون كتاب الشيخ الأخير، وفجأة بين ذلك كله، هجم على الشاب بالسؤال عن دوافعه للحديث عن أمر معين، وعن عدم الاحتساب لعواقب مثل هذه الأمور، وأصبح كالأستاذ الذي يقرع تلميذا على عدم قيامه "بالواجب".

 

    وبعد أن انفض المجلس، أمسك بيد الشاب، ومال عليه كمن يريد أن يسأله عن مصدر تلك الأفكار، فشعر الشاب أن السبب الوحيد لاستدعاء الشيخ له هو استغرابه للكلمات التي تفوه بها في أحد المجالس العامة، وكان واقع الحال يقول أن كل همسة يمكن أن تصل لأجهزة الدولة حتى لو كانت بين المرء ونفسه داخل تلال من رمال الصحراء.

 

    ختم الشيخ لقاءه بالشاب بنصحه مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان ينصح بلغة الأب الحنون، ويذكر الشاب أن الإنسان يستطيع أن يعتقد ما يشاء، لكنه ينبغي أن يراعي من حوله عندما يتكلم، فالكلمة كالسيف المسلط، عندما تنطلق لابد أن تحدث أثرا.

  

    رحمة الله على الشيخ عبدالعزيز التويجري، فقد كان رجل ثقافة ودولة، وكان أيضا إنسانا معذبا بالبحث عن الحقيقة، فأرجوا أن يكون قد وجد جوابا لها يريحه في مثواه الأخير.

 

حكومة الظل

    لم آخذ أي دورة في القراءة السريعة، رغم أن الحاجة إليها هذه الأيام أصبحت من المتطلبات الضرورية، لكثرة المنشور من كتب وصحف ومجلات وصفحات انترنت، لكن أعتقد لو أني شاركت في أحدها فلن استطيع أن أنهي رواية بشكل سريع كما حدث معي في رواية "حكومة الظل".

 

    فبكل بساطة أمسكتني هذه الرواية بما تحتويه من أسلوب تشويقي وعرض احترافي للمعلومات التاريخية المسجلة فيها، ورفضت أن تدع عيناي تنضر لغيرها كما لو كانت حبيبة غيورة تصد رجلها عن بقية النساء، فأنهيتها في وقت قياسي (رغم أني من النوع البطيء جدا في القراءة).

 

    تتحدث الرواية عن عالم الأعمال والسياسة الخفي، وكيف أن التاريخ والأحداث مترابطة بين الماضي والحاضر والمستقبل لمن يبحث عن هذه الروابط. وقد أعجبني اختيار الكاتب لمرحلة سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، لأنها فعلا تمثل مرحلة مؤثرة لما حصل بعدها في العالم العربي والإسلامي (وما زال بعض أثرها باقٍ إلى الآن).

 

    والعجيب أن كاتب الرواية (الدكتور منذر القباني) لم يسبق أن قام بإخراج مثل هذا العمل من قبل، فهو طبيب، وهذه هي تجربته الأولى في الرواية، لكن يبدو أنه يملك الموهبة والإبداع الروائي إلى أقصى حد.

 

    كنت قد قرأت بعض التعليقات على الرواية، وكان الغالبية يشبهونها بأعمال الروائي الأمريكي دان براون صاحب "الدفنشي كود"، وأراها مشابهة لها من حيث المجال، لكنها إبداع عربي سعودي محض.

 

    الطريف في الموضوع أني اشتريت الرواية بعد تردد، وقد كنت في حاجة للمرور بمكتبة جرير، وبعدها كنت على موعد مع أحد الأصدقاء، وانتهى بنا اللقاء لأن يبيت معي تلك الليلة، وشاهد الرواية بين كتب أخرى فأمسك بها ليتعرف عليها، كان ذلك آخر ما سمعت له من صوت. فقد قضى الليل بطوله متمسكا بها، وأنا أحاول بين الفينة والفينة أن أشتت انتباهه ليعود للحديث معي، لكني استسلمت في النهاية، وتركته إلى أن فرغ من الرواية كاملة في ليلة واحدة.

 

    ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شعر أنه يجب أن ينتقم مني لمقاطعتي له أثناء القراءة، فبدأ يهددني بإخباري بعض أحداث هذه الرواية الشيقة، ليحرقها علي، وانتهى بنا الوضع لصراع جميل بالوسائد (شعرت أني طفل صغير حينها) خرج الجميع منه سالما، وخرجت أنا بقرار أن لا أضع أمام صديقي هذا أي كتاب لم أقرأه بعد.

 

    كتاب جيد، وممتع، وأنصح عشاق روايات التشويق به.
 
ديماغوجي بداغوجي

    أعتذر عن استخدام مصطلحين غريبين عن استعمالنا اليومي، لكن هذه الفئتين من المجتمع أحمـّلها الكثير من الأخطاء التي نعيشها بشكل مباشر، وقد قضيت شطرا كبيرا من حياتي في رفضهم ومحاربة طريقتهم في التعامل مع المجتمع.

 

    فالديماغوجيون هم فصيلة من البشر تستغل بساطة وطيبة الشعوب والمجتمعات، وتستخدم الكلمات والشعارات الرنانة، وتلجأ للمناورات والحيل السياسية لتوهم الناس أنها تسعى لمصلحتها، ولكنها في الحقيقة تسعى للوصول إلى الحكم بأية وسيلة. وقد يكون أقرب مثال عليها هي "بعض" حركات الإسلام السياسي، التي نشاهدها في عالمنا العربي والإسلامي، والتي تحارب وجود الآخرين، وتسعى لإغلاق باب العقل والاختيار في المجتمع، لأنها تعلم أن ذلك يقود إلى الفكر والحقيقة التي تكشف زيف إدعاءاتها الباطلة.

 

    أما البداغوجيون فهم فصيلة أخرى، تتبنى المنهجية العلمية "الأكاديمية" في التفكير والتصرف، ولكنها تطبقها بشكل آلي وحرفي بحيث تكون بعيدة كل البعد عن مقاصدها وأهدافها. وربما يسهل التعرف إليهم إذا ما ذكرتكم بأحد الأساتذة الغلاظ في مراحل الدراسة، أو بدكتور/دكتورة مر عليكم أثناء الجامعة، يسير في ردهات الكلية وأنفه يكاد أن يصل السقف، ويجمع المعلومات من بعض المراجع ثم يشعرك أنها من اكتشافه، ويعامل الطلاب على أنهم رعايا لديه.

 

    كلا الفصيلتين تجتمعان في صفات مشتركة، مثل التعامل مع الناس بفوقية، وكأنهم آلهة يجب أن تطاع، ويحرم عليك مجادلتهم أو مخالفتهم، ولا يجدون ضيرا في استخدام العنف الجسدي إذا استدعى الأمر، بل يجدون له التبرير والمنطق حتى لو كان على الأطفال والنساء (قد تصل للقتل والتصفية بالنسبة للرجال).

 

    رجل واحد في رأيي استطاع أن يدخل وسط هاتين الفصيلتين، ثم يخرج من تحت عباءتهما. فقد درس التراث الفكري الإسلامي حتى صار أحد المراجع العلمية فيه على مستوى العالم، وسلك الطريق الأكاديمي إلى أن وصل إلى مرتبة بروفسور في جامعة السربون، واستطاع أن يدمج ما بين الاثنين ليخرج بمنهج يدعو فيه إلى فكر عالمي توحيدي بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، مبني على مبدأ "الأنسنة"، وهو المفكر الإسلامي البروفسور محمد أركون.

 

    وعندما سمعت أنه سيشارك في مهرجان ربيع الثقافة في البحرين، جعلت محاضرته هدفي، لكني للأسف لم استطع الذهاب إليها، فتبرع أحد الأصدقاء أن يحضرها هو وزوجته ويسجل كامل المحاضرة نيابة عني (ما أسعدني بأصدقائي). واستمعت إلى حديثه، وإلى وصف صديقي لطريقة إلقاءه، التي ضحكت كثيرا عندما أخبرني أنه كان يلقيها واقفا كما لو كان في قاعة الجامعة. وعندما انتهى منها وبدأ وقت المداخلات، لم أتعجب عندما قال لي صديقي أن أركون قد عنّف أحد السائلين بقوله "عيب عليك"، فربما أركون لم يتخلى عن كل بداغوجيته تماما.
 
وجهة نظر يابانية

    طبعا الجميع على علم بأن اليوم هو موعد أول قمة عربية في الرياض، ولكني لم أصنف نفسي ككاتب مناسبات أبدا، ولا أريد أن أتحدث عنها هنا، ولكن الشيء بالشيء يذكر، وما أريد الكتابة عنه اليوم له علاقة بالعالم العربي كأمة ذات تاريخ ومصير وتجارب مشتركة.

 

    ففي معرض الكتاب الأخير، وجدت كتابا مثيرا للاهتمام، يتحدث فيه الكاتب عن تجربته مع العالم العربي. وما جعل هذا الكتاب مميزا في نظري أن كاتبه عالم "ياباني" متخصص في دراسة اللغة والحضارة العربية، وكذلك أنه كتبه باللغة العربية مباشرة من غير الحاجة للترجمة.

 

    الكاتب هو "نوبوأكي نوتوهارا"، وقد عنون الكتاب "العرب-وجهة نظر يابانية"، وهو من الحجم المتوسط (يروق لي هذا الحجم كثيرا)، ويبلغ عدد صفحاته 141، كتب في آخر صفحة فيه هذه الكلمات: "باختصار أريد أن أقول للقارئ العربي رأيا في بعض مسائله، كما أراها من الخارج، كأي أجنبي عاش في البلدان العربية، وقرأ الأدب العربي، وأهتم بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية".

 

    ويخلص الكاتب بعد سرد تجربة معاصرة للعالم العربي دامت أربعين سنة، إلى أن العالم العربي اليوم ليس هو الذي عرفه منذ بدأ في اكتشافه وزيارته لتعلم اللغة العربية. وأن المجتمع يعاني من بعض الأعراض التي رسمت معالم الحزن والألم والخوف في نفس العربي الذي يسير في الشارع، وأقتبس منه هذا القول: "الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء وليسو مرتاحين. سمعت صرخة في الجو الخانق الصامت وما زالت في أذني".

 

    ثم يشرع في تحليل سبب هذا الضيق والكآبة التي يستشعرها، ويعدد الأسباب التي يرها كمصدر لها، فيذكر مثلا غياب العدالة الاجتماعية في المدن العربية، وكيف أن هذه المشكلة منتشرة من أعلى الهرم السياسي إلى أصغر وحدة جماعية وهي العائلة. فيصف الظلم والقمع الذي يمارسه الجميع ضد بعضهم البعض، حتى الأطفال يمارس ضدهم العنف، ويمارسونه هم بدورهم على من هو أضعف منهم، ويقول في ذلك: "شاهدت يومها طفلا يلف خيطا على عنق عصفور صغير ويجره وراءه، والعصفور يرفرف على التراب، كان الطفل وكأنه يجر حمارا أو كلبا! وكان الناس يمرون بجانب الطفل دون أن يقولوا له شيئا! إذن كان المنظر طبيعيا بالنسبة لهم!... وبالنسبة لي فإنني أتساءل، إذا سمح المجتمع بهذا المنظر، فإلى أين سيصل؟".

 

    كما أنه يلاحظ أن ظاهرة الاستبداد وعدم قبول الآخر هي من الأمور السائدة في الشخصية العربية المعاصرة، وفي ذلك يقول: "المجتمع العربي مشغول بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد، والقيمة الواحدة، والدين الواحد، وهكذا؛ ولذلك يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تغيب استقلالية الفرد، وخصوصيته واختلافه عن الآخرين."

 

    وهو يصنف الخوف كحالة اجتماعية سائدة، وكيف أن هذا الخوف قد خلق نوعا من الازدواجية في التعامل والحديث مع الآخرين، بل أنه أصبح أسلوب تربية وحكمة يتناقلها الأبناء عن الآباء: "تلك الازدواجية سببها الأول والأخير هو القمع والخوف الثابت من بطش السلطة والمسئولين، وما أكثر النكات والطرائف التي يتداولها الناس عن اختفاء فلان أو تبخر علان لأنه تفوه بكلمة ضد مسئول!".

 

    اقتباسين أخيرين أحب أن أنهي بهما حديثي عن هذا الكتاب، الأول: "لقد عاينت بنفسي غياب العدالة الاجتماعية، وتهميش المواطن وإذلاله، وانتشار القمع بشكل لا يليق بالإنسان. وغياب كل أنواع الحرية، كحرية الرأي والمعتقد والسلوك."، والاقتباس الثاني: "عندما يعامل الشعب على نحو سيء فإن الشعور بالاختناق والتوتر يصبحان سمة عامة للمجتمع بكاملة."

 

هل ستكون هذه النقاط على جدول أعمال القمة العربية اليوم؟!


دعوني أبكي...

 

"دعوني أبكي فما أكثر الضاحكين في مواقف البكاء، دعوني أحزن فما أكثر المبتهجين أمام مواكب الأحزان، دعوني أنقد فما أكثر المعجبين بكل التوافه، دعوني احتج على نفسي".

 
                                    عبدالله القصيمي

 

    تزامن دعوة للعزيزة المدونة ليال أن أكتب عن أعلام الفكر السعودي مع قراءتي لمقالة في جريدة الرياض عن الكاتب والمفكر السعودي عبدالله القصيمي.

 

    وما أثار استغرابي في هذه المقالة أنها أتت في الصفحة الأخيرة، وأنها احتلت مساحة كبيرة تصل إلى ثلث الصفحة، وكلها إشادة بهذا الكاتب الذي قاطعته الصحافة المحلية لعقود من السنين، ومنعت كتبه من دخول البلاد، وحارب الجميع فكره الذي كانوا يشيدون به في يوم من الأيام.

 

    فما زال القصيمي حتى بعد موته يثير الخلاف حول أفكاره وشخصيته، كما كان في حياته أيضا، فقد طرد من بلاده السعودية، وطرد من مصر أم الثقافة، وكذلك من لبنان بلد الحرية، وحاول العديدين اغتياله لتأثيره على فكر الشباب حينها، لكن التفاف المثقفين حوله كان يحميه في كل مره.

 

    وقد يكون من المناسب هنا وضع تحذير قبل الدعوة لقراءة هذا الرجل، فكل من قرأ له أخذ موقفا متطرفا من كتاباته، فهو إما مجنون ملحد مخرف، أو عبقري عميق التفكير ذو أسلوب أدبي ساحر، لكنه يضل رغم هذا الاختلاف كاتبا ترك أثره في التاريخ السعودي والعربي والعالمي.

 

    من مؤلفاته قبل انقلابه الفكري كتاب "الصراع بين الإسلام والوثنية"، "الثورة الوهابية"، "شيوخ الأزهر"، "الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم"، وكتب أخرى نال بها شهرة واسعة كأحد الشيوخ المنافحين عن المذهب الوهابي.

 

    أما مؤلفاته بعد القفزة الفكرية التي قام بها، فكلها ترتكز على النقد الديني والسياسي والاجتماعي، وقد عدها الكثير من مفكري عصره العرب والغربيين مفتاح لدخول العرب لعصر الحداثة، وأنه كان أحد الرواد السباقين إليها، ومن عناوينها: "العرب ظاهرة صوتية"، "هذه هي الأغلال"، "لئلا يعود هارون الرشيد مرة أخرى"، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارة"، "هذا الكون ما ضميره"، "الكون يحاكم الإله"، وغيرها من الكتب التي أثارت الزوابع من حوله ولم تسكتها إلى الآن.

 

    وحتى تسمعوا صوت هذا الرجل وتروا جزءا من بعد بصيرته، فهاهو يكتب في العام 1945 عن ما نعيشه اليوم، وهو مقطع من كتابه "هذه هي الأغلال":

 

"ومن ثمّ فإننا نعتقد أن هذه الجماعات المنسوبة إلى الدين، الناطقة باسمه لو أنها استطاعت الوثوب على الحكم ووضعت السلاح في يدها لحكمَ البشرَ عهدٌ من الإرهاب يتضاءل إزاءه كل إرهاب يستنكره العالم اليوم، وهذا أمر يجب أن يعرفه أولو الرأي والمقدرة وأن يحسبوا له الحساب قبل فوات الأوان، ولن تجد أقسى قلباً ولا أفتك يداً من إنسان يثبُ على عنقك ومالك، يقتلك ويسلبك، معتقداً أنه يتقرب إلى الله بذلك، ويجاهد في سبيله، وينفذ أوامره وشرائعه!! والسوء لمن ناموا على فوهة البركان قائلين: لعله لا ينطلق".
 
دريدا والحلاج

    جاك دريدا هو آخر الفلاسفة المعاصرين، مفكر فرنسي يخوض غمار العقل لأقصى الحدود، ورائد فكر "ما بعد الحداثة" (أو ما يعرف بالتفكيكية) الذي يعتبر المرحلة الأخيرة من الفلسفة الإنسانية في القرن الواحد والعشرين.

 

    الحسين بن منصور الحلاج، متصوف ومفكر إسلامي، عاش وقتل منذ أكثر من ألف عام، وهو رائد الفكر الروحي الشرقي، وصل بالإنسان لأقصى مراحل الاتصال بالطبيعة والخالق، وصار علما لكون الروح هي ما يحكم الطبيعة.

 

    يشكل الرجلان ثنائي متناقض على كل الأصعدة، فالأول يمثل الغرب في أشد توجهاته المادية الإلحادية، والآخر يمثل الشرق في أقصى مساعيه للتوحد بروح الكون، وهما بذلك يحددان قطبي الثنائية الفكرية التي عاش الإنسان بينهما على مر العصور.

 

    وقد تجلت تلك الثنائية المتضادة في الرؤية الإنسانة لكل ما حولها، ففي الدين والفكر، تراوح العقل بين الإيمان المطلق والإلحاد، وبين الخير والشر، والواقع والخيال. وكذلك ظهرت الثنائية في العلم، ووصلت مداها في التضارب الحاد بين نظرية النسبية التي ترى النظام الأوحد في الكون، والنظرية الكمومية التي تحكمها الصدفة والقفزات غير القابلة للدراسة. وكذلك في السياسة، لا زالت ثنائية الصراع بين العدالة والحرية هي التي تحكم النظم السياسية، وما تفرضه كل منهما من تقديم حرية الفرد على المجتمع أو حقوق المجتمع على الفرد.

 

    يلتقي دريدا والحلاج في أمرين، الأول أن كليهما يتمتع بشخصية ساحرة، استطاعت أن توظف قدراتها الشخصية في الإقناع والجذب إلى مذاهبهما الفكرية. والثاني أني أقرأ الآن لكليهما في وقت واحد، بضع صفحات من كتاب سامي مكارم "الحلاج في ما وراء المعنى والخط واللون"، ثم بضع صفحات أخرى من كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" لعبدالوهاب المسيري.

 

    فقد عودت نفسي أن لا أنظر لشيء من زاوية واحدة فقط أبدا، وعندما أجد نفسي أمام عملاقين في السحر والتأثير، كان لا بد أن أحصن نفسي من الوقوع في محيط أحدهما، فدعوتهما للحديث معي في نفس الوقت. الأول يحدثني عن أقصى اليسار، والثاني يدعوني لأقصى اليمين،  لكني باقي دائما على مقولة أرسطو، أن الفضيلة هي دائما وسط بين رذيلتين.

 

صبا الحرز

    من فوائد المرض، أنك لا تستطيع الحراك مجبرا وليس باختيارك، فلا يبقى لك إلا واحد من أمرين، إما الفرجة على التلفزيون، أو القراءة. وقد رق قلب أحد الأصدقاء علي عندما راءاني في هذه الحالة، فتبرع  أن يمدني ببعض الكتب التي كنت أبحث عنها، وكان أحدها رواية "الآخرون" للكاتبة السعودية "صبا الحرز".

 

    أثيرت حول هذه الرواية الكثير من الدعاية والكلام الذي بدا من الواضح أنه ترويج احترافي للكتاب، وقد بدت هذه الظاهرة في التواجد في ساحاتنا الأدبية والإعلامية بشكل مكثف هذه الأيام، وهي فكرة جميلة ورائعة لتسويق الكتاب، وجعله هدفا للتنافس بين الناس.

 

    لكنها أثارت في نفسي الريبة قبل أن أقرائها، من كونها ترويج إعلامي فقط. فمقارنتها برواية "بنات الرياض" للكاتبة "رجاء الصانع" جعلتني اشك أنها مجرد دعاية، كما أن الوصف الذي عرفت به وهو "رواية الشذوذ" قد جعلني أشك أيضا أن الجنس والإثارة قد يكونا قد استخدما لتسويق الرواية أكثر من المضمون، لكني كنت قد قررت قراءتها لأني سمعت إشادة بها من شخص أحترم وجهة نظره.

 

    بدأت قراءة الرواية، ومن البداية شدني أسلوب الكاتبة السلس والمتميز، كما شدتني الجرأة التي كانت موجودة من أول صفحات الكتاب. وقد كانت الرواية تتناول حكاية شابة شيعية من منطقة القطيف، تروي قصتها وعلاقاتها "المنفتحة" جدا في مجتمع ديني محافظ، وتعبر عن خفايا نفسها سعيا للوصل بالقارئ لحالة من فهم أعمق للنفس الإنسانية.

 

    لكنها في نفس الوقت حملت بين طياتها تساؤلات خاصة بي عن هذه الدفعة من الروايات القادمة من مجتمعنا الشيعي، الذي يسعدني أن صوته بدأ في الظهور، لكن ظهوره بهذا الشكل المفاجئ والمدعوم بشكل غير مباشر، يضع الكثير من علامات الاستفهام. فمثلا من هي "صبا الحرز"؟ ولماذا لم يتم مقابلتها ولو من وسيلة إعلام أجنبية؟ لماذا تبدو كتاباتها مترددة بين الذكورة والتأنيث، مثلا: في الصفحة (93) تقول الكاتبة على لسانها "شعرت بأن لساني ثقيل والكلمات تخرج من بين شفتي وكأني ألتغ"، وفي الصفحة (98) تقول أيضا "ماذا أفعل؟ ماذا يفعل شخص يجد نفسه مثقوبا ومشرعا على ريح باردة"، وكذلك في صفحة (106) "أشعر أني واحدُ من قاطني أحلامي".

 

    وبغض النظر عن تلك التساؤلات الخاصة، اعتقد أننا نواجه مشكلة في التعامل مع هذا النوع الجديد من الروايات، الذي يحتوي عمقا كبيرا في التحليل والوصف لأبعاد النفس البشرية، ولكنه في نفس الوقت يحمل في طياته شيئا من "التابو" المحرم علينا الاطلاع عليه. فالروايات التي تناقش قضية "الجنس" في السعودية تصنف على أنها أدب "فاسد"، ويجد معظمنا صعوبة بالإشادة بهذا النوع من الكتابة حتى لا يتم تصنيفه بنفس المسمى.

 

    رواية تستحق القراءة، ولكنها تحتاج مني أن أضع تحذيرا أيضا لمن لا يريد أن يتخطى حدود الممنوع الاجتماعي. وهي من إصدارات دار الساقي، وموجودة في مكتبة "الوطنية" في البحرين.

 

أعمدة الحكمة السبعة

    هذا كتاب أعدة من نوادر ما سطره الإنسان في تاريخ الجزيرة العربية. وهو من تأليف الضابط الإنجليزي تي إي لورنس أو كما يعرفه الكثير من الناس بلورنس العرب.

 

    وكما يعلم الجميع، فإن هذه الشخصية التاريخية الاستشراقية التي دخلت إلى ثقافتنا وأثرت بها بشكل كبير، كانت عبارة عن رحلة رجل إنجليزي داخل الصحراء العربية، أثناء الحرب العالمية الأولى. لكنها لم تكن رحلة رجل عادي، بل هي مسيرة رجل في مهمة لتجنيد القبائل العربية ضد الدولة التركية.

 

    والكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للورنس، خاصة المرحلة الخاصة من حياته التي قضاها مع البدو، والمعارك التي خاضها مع الملك فيصل - ليس فيصل السعودية -، وفلسفته في الحياة بعد هذه التجربة التي حولته إلى إنسان غير عادي.

 

    وقد تم تحويل هذا الكتاب إلى فيلم بطولة بيتر أوتول، وعمر الشريف، وأنتوني كوين. وحقق نجاحا باهرا. لكن يظل الكتاب يحمل فلسفة عميقة ما زالت تسحر كل من يقرأه.

 

    فعلى سبيل المثال، تحدث لورنس عن الشخصية العربية، وكيف استطاع أن يحول القبائل المتناحرة، التي لا تدين لأحد أبدا، لتقف صفا واحدا مع الإنجليز ضد الأتراك. وقد قال عبارة أضنها هي الأصدق في وصف الروح العربية، حيث قال أن العربي حين يصدق بك ويؤمن برسالتك، سويف يتبعك إلى أقاصي الدنيا، ولو بذلك في ذلك حياته.

 

    وأفضل تحليل لهذا الكتاب، قرأته للكاتب الإنجليزي كولن ولسون، في كتابه "اللامنتمي"، حيث تحدث بإسهاب عن المعاناة الروحية التي كان يمر بها لورنس، وكيف أن هذه المعاناة هي التي قادته ليصبح شخصية أسطورية خلدها التاريخ.

 

    إن شخصية الكاتب مثيرة للجدل، لكن الكتاب يظل من أفضل ما قرأت، وأنا أوصي به أن يكون في مكتبة كل عاشق للقراءة، خاصة محبي السير الذاتية، فهو يستحق الإطلاع.

 



<<الصفحة الرئيسية
[ الصفحه:1/3 ] لصفحة التالية>>